رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

صلاح البيلى وكتكوته الراقص


28-2-2026 | 21:13

.

طباعة
بقلـم: عبدالرحيم درويش

يقدم لنا صلاح البيلى، فى مجموعته القصصية الجديدة «الكتكوت الراقص»، عالمًا قصصيًا مختلفًا عن كثير من العوالم القصصية لغيره فى أعمالهم الأدبية.

والكاتب مهتم جدا فى هذه المجموعة بقضايا مجتمعه، وحريص كل الحرص على الالتزام بالمنهج الاجتماعى فى الإبداع الذى يقدمه، ولمَ لا؟، وهو كاتب صحفى تدرج فى سلك صاحبة الجلالة حتى وصل إلى منصب مدير تحرير مجلة «المصور»، وعايش بنفسه كثيرًا من القضايا والأحداث التى يكتب عنها بصدق وواقعية. يحق لنا أن نطلق لقب الكاتب الملتزم على صاحب هذه المجموعة، فما من قصة إلا وبها شكل من أشكال النقد الذى يوجه سهامه إلى الأفاقين والمتسلقين فى مجتمعنا.

 

تتكون المجموعة من عشرين قصة محكمة فنيا، تشهد لغتها بالسلاسة واليسر والبعد عن كل ما هو غريب فى اللغة، ومع هذا فلغة الكاتب موحية متنوعة ما بين الفصيحة والعامية المقبولة، ولا سيما عندما تكون فى لغة الحوار على لسان شخصياتها المترعة بالحياة. أما فى جانب السرد، فيتمسك الكاتب باللغة العربية السهلة البسيطة الموحية والمعبرة بطريقة أدبية فريدة عن عمق القصة التى يتناولها.

ما يقرب من نصف قصص المجموعة تتحدث عن فئة الصحفيين، وتظهر حياتهم اليومية، وتفرد للعديد من النماذج التى قد يكون الكاتب قابلها فى حياته اليومية، ولنكون أكثر تحديدا نقول إن أربعين فى المائة من قصص المجموعة، وبالتحديد ثمانى قصص تعد الشخصية الرئيسة فيها تعمل بالصحافة بشكل أو بآخر، وبقية القصص العشرين نلمح فيها حسّ الصحفى وتقفى آثار الحقيقة، حتى وإن لم تكن شخصية الصحفى موجودة بالفعل، كقصة قرطاس الطعمية التى تلهب فضول القارئ، وفى قصته الأعمال الكاملة انتقد فئة المثقفين والإعلاميين الذين يلهثون خلف المال وأنصاف المثقفين، كما انتقد النقاد وكل مَن يلهثون خلف رجال الأعمال ويلهثون خلف الإثارة والمناصب حتى وإن كانوا من ضعيفى أو عديمى الموهبة، وكأنه يشير بذكاء إلى نقائص المجتمع ومعاناته المستمرة، نفس الأمر فى قصة مرشح السعادة، وقصة حراس الفضيلة، أما فى قصة ثلاجة الموتى، والتى أعدها واحدة من أفضل قصص المجموعة، حيث بينت لنا القصة روح فيلسوف يلبس روح الأديب ليوضح لنا كثيرا عن دنيانا التى نحياها، ثم غاص بفكره وفلسفته، فكانت أيقونة المجموعة.

السمة الثانية من سمات هذه المجموعة الفريدة أنها تقدم النقد الاجتماعى فى كافة جوانب الحياة؛ إذ لا يكتفى الكاتب بنقد عالم الصحافة فحسب، ولكنه ينتقد كل ما تقع عليه عيناه من جوانب الضعف والبيروقراطية والفساد فى كل ما يراه من حوله، ويمسك بمشرط النقد محاولاً أن يلفت الانتباه ويثير الاهتمام بما يراه عيوبًا لا بد من إصلاحها، وأخطاء لا بد من تفاديها وعلاج آثارها، والجميل أن الكاتب يقدم لنا كل هذا بدون لغة خطابية أو مباشرة زاعقة، ما يرتقى بروح النص إلى عوالم الإبداع الفسيحة التى تسمو بالفن إلى أقصى درجة، فتحسّ بروح نجيب محفوظ وهى تسرى فى سطور المجموعة بتعامله مع الفئات البسيطة المهمشة فى المجتمع وتشعر بسخريته اللازعة، كما تتنسم روح إحسان عبدالقدوس وفحيح روح البورجوازية فى أعماق الشخصيات التى يقدمها صلاح البيلى، كما تتحسس روح يوسف إدريس فى عبقرية تصويره للحياة المصرية فى أبسط أشكالها.

السمة الثالثة من سمات هذه المجموعة تجدها فى روح التباين والاختلاف فى أشكال الإمتاع الفنى الذى يقدمه الكاتب لقارئه فى الشكل الفنى المتميز لهذه المجموعة، فالقصص تختلف فى الطول والقصر، فهناك قصة هجوم خاطف تقع فى صفحة واحدة حيث يبين بذكاء وتركيز علاقة الذكر بالأنثى فى مجتمعنا، وهناك قصة المحروم التى تقع فى صفحتين وتذكر بكل احتقار المتسلقين والانتهازيين فى عالم الصحافة، وعلى النقيض من هذا هناك القصة الأولى والتى سُميت المجموعة باسمها «الكتكوت الراقص» تقع فى خمسين صفحة، وهناك قصة طقوس سرية والتى تقع فى تسع عشرة صفحة، حيث فضح الطبقة البورجوازية وانتقد الصحافة والشذوذ والفساد وتحويل الأبرياء إلى مجرمين بسبب المجتمع، وهكذا. هذا التنوع فى الطول يمنح تباينًا يلحظ القارئ أثره فى الاستمتاع بالقراءة ليلهث خلف عالم جميل يبنيه ببراعة سارد درامى محترف وأديب متحقق. هذا من ناحية، أما من الناحية الأخرى، فهناك تباين يجده القارئ فى ذكاء الراوى السارد وهو يغزل خيطًا بخيط أحداث كل قصة عن طريق بناء حبكات متغايرة وأحداث تمر أمام القارئ فيشعر بلذة السرد وغوايته وجماليته المختلفة التى يحيكها صانع ماهر بألفاظ وعبارات تشدّ القارئ وتمتعه لمتابعة لبنات القصة لبنة لبنة، ما يجعله يشارك الكاتب فى الاستمتاع بالقصة.

إن كل قصة فى هذه المجموعة تحتاج إلى دراسات متعمقة فى الشكل الفنى النقدى للمجتمع الممتلئ بالآفات؛ لبيان الواقع الموضوعى من وجهة نظر الكاتب، حيث تم تقديمه بشكل يجعلك ترى الواقع رأى العين، وهو الواقع الذى تم تقديمه بهذه المجموعة الفريدة.

السمة الرابعة من سمات هذه المجموعة التكثيف الذى يُعد السمة الأساسية فى فن كتابة القصة القصيرة، وهذا يعنى أن الأسلوب الذى كتبت به قصص المجموعة مركز جدا ويصيب الهدف مباشرة لأن الكاتب يجيد وببراعة فن اصطياد لحظة البداية للقصة ويقبض عليها ببراعة متناهية، كما يجيد النهاية التى تبقى فى الذهن بعد القراءة مباشرة وتستمر معنا لفترات طويلة، فالأثر مع القصة مستمر وممتد، وهو ما يتبقى لنا كالفن بعد تلقيه يعيش فينا لفترات طويلة.

السمة الخامسة فى هذه المجموعة استخدام الألفاظ بطريقة تنم عن حسن اختيار الكاتب للألفاظ التى ينتقيها، بل وبراعته فى وضع الألفاظ بطريقة تبين وكأن الكاتب ينحت مفردات بألفاظ يجمعها معا فتعطى معنى يوضح الصورة التى يريد الكاتب إيصالها لنا ببساطة وسهولة ويسر، وهذا ينم عن كاتب محترف يحفر لنفسه اسمًا فى عالم فن القصة القصيرة.

هذه السمة أيضا تبين أن هذه المجموعة تحتاج إلى دراسة أسلوبية خاصة لإظهار مدى حرفية الكاتب فى صياغة الألفاظ والجمل وترابطها معا لتكوِّن نصا احترافيا بديعا، فعلى سبيل المثال نجد أن كلمة المؤسسة وردت 20 مرة فى قصص هذه المجموعة، وكلها تقريبا تشير إلى مؤسسات إعلامية اللهم إلا فى موضع واحد يشير إلى المؤسسة الدينية، ومع ذلك ترى نقد التدين الظاهرى ونقد الغش الذى يكون فى حياة المصريين فى سوق التدين بقصة الكتكوت الراقص، وكذلك فى قصة طقوس سرية، ونجد أيضا استخدام اللاوعى وتكنيك الحلم فى قصة الكتكوت الراقص كتنفيس عن نفس المظلوم وأنه يود أن يقتص ممن ظلموا البطل وحولوا حياته وأدخلوه إلى مستشفى المجانين، والغريب أنه يتحول إلى قاتل، وينسى المجتمع ما فعله، بل ويُرشح إلى منصب الوزارة، وكأن الكاتب يرجع سبب الانحراف إلى المجتمع.

الكاتب يكتب كل هذا بأسلوب يُحسب له السلاسة والبساطة والوضوح خلال صفحات القصة التى تصل إلى خمسين صفحة دون ملل، وأحسب أن القصة لو وقعت فى يد سيناريست محترف لحوّلها ببساطة إلى فيلم سينمائى متميز دون عناء أو تعب، لأن الكاتب مهتم كثيرا للكتابة للعين، وهذا ما يسمو باللغة المكتوبة إلى لغة مرئية، وكأنه يستخدم الكاميرا لا القلم فى التعبير بالحكى.

كل ما ذكرته عن قصة الكتكوت الراقص ينطبق تماما على قصة مدينتى، حيث يقدم الكاتب لشخص هاجر من مصر للخليج، وعاد إليها ثريا وتغيرت حالته بعد أن تكيف مع مجتمع تأكد له أنه تغير، فواجه صعوبات فى البداية، ولكنه تأقلم وعمل كترس فى آلة جعلته شخصا مختلفا، تأقلم حتى الثورة فى يناير، وتأقلم بعدها بعد أن كان فى قائمة المفسدين، ولكنه تأقلم وكأن الكاتب يقول إن النظام الاجتماعى لم ولن يتغير، فالعيب فى الأفراد لا فى النظام. انظر إلى الكاتب أيضا وهو يبرع فى قصة أمين السر وهو الخائن. التناقض فى اللفظ والمعنى إذ يصعِّب على المواطنين إنجاز مصالحهم ليضمن بريزة أى ورقة بمائة جنيه وقضى بعدها مصلحته فى دقائق، ولم يرضَ بخمسين جنيها. من منا لم يواجه هذا الموقف؟ تقريبا كلنا، لكن الكاتب قدم لنا الموقف كلوحة فنية فريدة مبهرة تشى بالقهر والأسف.

نفس الأمر فى قصة طفاية حريق صدئة، حيث تيقن الطبيب البيطرى الذى رجع مصر بعد الهجرة إلى أن الأخطاء فى الأفراد لا المجتمع، وكأنه يديننا جميعا ويشير بأصابع الاتهام لنا جميعا، نفس الأمر فى قصة ثلاث همزات حيث عوقب طاقم التحرير لأخطاء فى ثلاث همزات، ولم يعاقب أحد فى كارثة العبارة «سالم إكسبريس» حيث مات مئات المصريين، بل إن الكاتب يوجه سهام نقده إلى النقاد والمرتمين فى حضن تنفيذ ما يريده الكبار فى المجتمع.

الصحفى المتهم فى قصة مراسلكم فى شرين حسنى حيث تظهر عبقرية نهاية القصة والمنحرف أخلاقيا فى قصة بابا مجدى ومحرر البلاغات، وبلاغة قصة بالطول أم بالعرض وإظهار النقد اللاذع بقلم مهذب دفعنى إلى البحث عن كلمة الإعلام فى المجموعة فوجدتها تكررت تسع مرات (وبالمناسبة صلاح البيلى خريج كلية الإعلام جامعة القاهرة)، وذكرت كلمة التحرير عشر مرات، وعلى الرغم من ذكر كلمة الصحفى أربع مرات إلا أن كلمة الصحافة لم تُذكر ولو لمرة واحدة، مع أن كلمة مذيع تكررة خمس مرات، أما كلمة مدير فتكررة أكثر من أربعين مرة، وكأن الكاتب يلقى اللوم على مَن له سلطة التنفيذ، فيعادل بين نقده للأفراد، ونقده لمتخذى القرارات.

فى الحقيقة، تحتاج هذه المجموعة إلى دراسات كثيرة، وأنا على يقين من أنها تُقدم للقارئ وجبة دسمة، وسيظل تأثرها طويلاً فى عالم القصة القصيرة المصرية والعربية. تحياتى لكاتب هذه المجموعة بأسلوب متفرد ولغة راقية.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة