في معرض "ديارنا" للحرف اليدوية والتراثية، الذي تنظمه وزارة التضامن الاجتماعي لا تحضر المشروعات النسائية باعتبارها حلًا مؤقتًا أو بديلًا عن وظيفة، بل بوصفها مسارًا مهنيًا اختارته سيدات بإرادتهن، قائمًا على الشغف والتدريب والاحتراف، وتحويل المهارة إلى قيمة اقتصادية مضافة.
وتكشف أجنحة المعرض عن تجارب لسيدات انتقلن من العمل الحكومي أو المصرفي أو المهني التقليدي إلى مجالات التصميم والإنتاج اليدوي، بعدما وجدن فيها مساحة أوسع للإبداع والاستقلال المهني، وقدرة على بناء علامات تجارية تنافس في السوق المحلي والخارجي.
ومن خلال حواراتهن وتجاربهن داخل المعرض، طرحت عدد من العارضات مقترحات تتعلق بتطوير آليات التدريب والتسويق، وتيسير إجراءات المشاركة في المعارض، وتوسيع فرص الوصول إلى الأسواق، بما يعزز استدامة مشروعاتهن.
وفي هذا السياق .. رحبت الدكتورة مايا مرسي، وزيرة التضامن الاجتماعي، بالمقترحات التي طرحتها العارضات بشأن تطوير منظومة العمل في مجال الحرف اليدوية والتراثية، مؤكدة تقديرها لما يعكسه ذلك من وعي وحرص على استدامة مشروعاتهن.
وقالت الوزيرة مايا مرسي في تصريحات خاصة لوكالة أنباء الشرق الأوسط، - أن الوزارة تعمل حاليًا بالفعل على إعداد خطة استراتيجية لدعم الحرف التراثية واليدوية، بما يضمن تحويل مستهدفات دعم وتعزيز واستدامة هذه الحرف إلى برامج وآليات عمل واضحة قابلة للتطبيق على أرض الواقع.
وأوضحت أن هذه الخطط تستهدف أيضا تطوير مسارات متكاملة تشمل محاور التدريب والإنتاج والتسويق، بما يسهم في رفع كفاءة المنتج المصري، وتوسيع فرص تسويقه محليًا وخارجيًا، مؤكدة أن الوزارة تتابع هذه المقترحات بكل جدية، وتضع الاستماع إلى آراء وتجارب العارضات والعارضين في صميم إعداد برامجها التنفيذية، باعتبارهم شريكًا رئيسيًا في تطوير هذا القطاع والحفاظ على هويته الثقافية.
من الوظيفة الحكومية إلى صناعة الجلود
تقول وفاء كامل، صاحبة مشروع للمنتجات الجلدية، إنها بدأت رحلتها مع المشغولات اليدوية من خلال دورات تدريبية متخصصة، بعد سنوات من العمل في إحدى الجهات الحكومية، مستغلة وقت فراغها بعد انتهاء وقت العمل الرسمي في الثالثة عصرًا.
وأوضحت أنها كانت تمارس في البداية التطريز والكروشيه كهواية، قبل أن تتجه إلى العمل في الجلود الطبيعية، رغم صعوبته، ما دفعها إلى الالتحاق بعدد من الكورسات لاكتساب المهارات اللازمة.
وأضافت أنها بدأت بمنتجات صغيرة مثل المحافظ، قبل أن تتوسع تدريجيًا في تصميم الحقائب، معتمدة على التجربة والخطأ حتى اكتسبت الثقة في نفسها، مؤكدة أن دعم أسرتها، وعلى رأسهم زوجها وأبناؤها، كان عاملًا حاسمًا في استمرارها، حيث تشاركها ابنتها في العمل، بينما يتولى ابنها توصيلها إلى المعارض.
وأعربت عن حرصها على نقل خبرتها للآخرين، واستعدادها لتدريب السيدات الراغبات في دخول المجال، تحت مظلة مؤسسية، كما تحدثت عن أبرز التحديات التي تواجهها وعلى رأسها التسويق إلى جانب ارتفاع أسعار الخامات.
من أسوان إلى القاهرة.. تسويق حرف الجنوب
وتقول السيدة "أم إبراهيم"، القادمة من أسوان والمقيمة بالقاهرة، إن علاقتها بالمشغولات اليدوية تعود إلى أكثر من 15 عامًا، عندما تعلمت الحرفة على يد إحدى قريباتها التي كانت تشارك بانتظام في المعارض، وواصلت تطوير مهاراتها بمساندة خالتها والدتها وشقيقتها، ليصبح المشروع "بيزنس عائلي" تشارك فيه الأسرة بأكملها.
وأوضحت أن المشروع يعتمد على تعاون عدد كبير من السيدات في أسوان، حيث يقمن بتنفيذ المنتجات، بينما تتولى هي مهمة السفر واستلام الأعمال وتسويقها في المعارض بالقاهرة.
ودعت إلى إنشاء منافذ دائمة للمشغولات اليدوية، تضمن استمرارية التسويق، بدلًا من الاعتماد على المعارض الموسمية.
"مصنع بدون مصنع".. تدريب من البيت للسوق
أما "أناھيد سعيد السيد"، صاحبة إحدى مشروعات المشغولات اليدوية، فأكدت أن علاقتها بالتريكو والكروشيه بدأت منذ الطفولة، عندما تعلمت مسك الإبرة في حصة مادة الاقتصاد المنزلي، وتأثرت بهواية والدتها.
وأضافت أنها طورت هوايتها تدريجيًا بعد الزواج، وبدأت في تنفيذ مشغولات لأبنائها ثم للمنزل، قبل أن تتحول إلى مشروع متكامل منذ أكثر من 16 عامًا، يتم تسويقه عبر المعارض المختلفة.
وقالت إنها قامت بتدريب نحو 45 سيدة من مختلف المحافظات، من خلال إرسال الخيوط والتصميمات والمقاسات، ليعملن من منازلهن، في نموذج أطلقت عليه "مصنع بدون مصنع"، خاصة لدعم السيدات المعيلات.
وأكدت أن ميزة هذا النمط من العمل أنه يتيح للمرأة الجمع بين الإنتاج ورعاية الأسرة، مشيرةً إلى حصولها على دورات في ريادة الأعمال بالتعاون مع الهلال الأحمر وعدد من المؤسسات الأهلية.
من الهواية إلى مشروع مستقر
تروي منال الزهيري، صاحبة إحدى براندات المشغولات اليدوية، أن مشروعها بدأ بالصدفة، عقب تنفيذ مفرش طاولة كهدية لشقيقها، قبل أن يلقى استحسان الأصدقاء ويتحول إلى طلبات متزايدة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
وأوضحت أن دخولها مجال المشغولات اليدوية جاء بعد أن تفرغت نسبيًا من مسؤوليات الأبناء، ورغبتها في استثمار وقتها في هواية تحبها منذ سنوات طويلة.
وأشارت إلى أن الإجراءات المرتبطة بالبطاقات الضريبية والأوراق الرسمية تمثل تحديًا نسبيًا لمن يبدأون مشروعاتهم في سن متقدمة، نظرًا لكثرة التفاصيل والمتطلبات، معربةً عن أملها في مزيد من التيسيرات التي تساعدهم على استكمال هذه الخطوات دون إرهاق.
من البنوك إلى ابتكار حلول للتنظيم
وتروي منى متولي، صاحبة إحدى المشروعات، أنها أمضت نحو 25 عامًا في العمل المصرفي داخل مصر وخارجها، قبل أن تتجه إلى مشروع يعكس احتياجاتها اليومية داخل المنزل.
وأضافت أن الفكرة جاءت من ملاحظتها الدائمة لضيق المساحات وتكدس الأغراض داخل البيوت، فبدأت في ابتكار أدوات تنظيم تساعد الأسر على استيعاب مقتنياتها بشكل عملي وأنيق.
وأوضحت أنها حولت هذه الأفكار إلى منتجات تجمع بين الجلد والقماش والتصميم الذكي، لتناسب الاستخدام اليومي والسفر والتخزين.
وأكدت أن المشروع تطور ليشمل ورشة صغيرة يعمل بها عدد من الأفراد، مع إدخال أفكار موسمية متنوعة.
وأشارت إلى أن التجربة رسخت لديها ثقافة التنظيم والاستخدام الواعي، وانعكست على فلسفة التصميم.
القفطان كهوية فنية
وتقول أسماء المغني، صاحبة واحدة من براندات الملابس، إنها بدأت مسيرتها المهنية في مجال الديكور، قبل أن تتجه إلى تصميم القفاطين والملابس المزخرفة، مستفيدة من خبرتها في الألوان والتنسيق.
وأضافت أنها تحرص على تنفيذ القفاطين الغنية بالإكسسوارات والكريستالات والحليات المناسبة لكل تصميم، بما يمنح القطعة طابعًا خاصًا وهوية فنية مميزة وغير مكررة، حيث تقوم فلسفة عملها تقوم على الجمع بين الذوق الرفيع والدقة في التنفيذ، مع الاهتمام بأدق التفاصيل، بداية من اختيار الخامات وحتى الشكل النهائي للمنتج.
وأكدت أن هذا النهج ساعد علامتها التجارية على بناء قاعدة من العملاء الباحثين عن القطع الفريدة ذات القيمة الفنية، القادرة على المنافسة في سوق الأزياء المحلية.
تحديات مشتركة ورؤية للتطوير
ومن خلال متابعة تجارب العارضات وحواراتهن داخل المعرض، يمكن رصد مجموعة من التحديات المشتركة التي تواجه مشروعات المشغولات اليدوية، في مقدمتها ارتفاع أسعار الخامات، وصعوبة الوصول المنظم إلى الأسواق الرقمية، إلى جانب تبسيط الإجراءات الإدارية وإتاحتها "اون لاين".
وفي المقابل، عبرت المشاركات عن تقديرهن لجهود الدولة بشكل عام ووزارة التضامن الاجتماعي بشكل خاص وجهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر، المبذولة في دعم المرأة وتمكينها اقتصاديًا واجتماعيًا وتعليميًا وثقافيًا، مؤكدات أن هذا الدعم أسهم في توفير بيئة أكثر تشجيعًا لريادة الأعمال النسائية.
وأجمعن على أن معارض "ديارنا" و"تراثنا" تمثل نموذجًا ناجحًا للتسويق المتخصص، حيث يلتقي المنتج اليدوي بجمهور واعٍ بقيمته الفنية وحجم الجهد المبذول فيه، ما يعزز فرص الاستمرار والتوسع، كما تُعد المعارض من أكثر المنصات قبولًا لدى العارضات وأسرهن، لما توفره من بيئة آمنة ومنظمة، سواء على مستوى أماكن العرض أو التنظيم أو التعاملات المالية، وهو ما يعزز ثقة الأسر في مشاركة بناتهن وزوجاتهن في هذه الفعاليات.
وفي إطار البحث عن آليات تطوير مستدامة لهذا القطاع، تبرز أهمية التوسع في أدوات التسويق الحديثة، من خلال إطلاق منصة إلكترونية متخصصة للمشغولات اليدوية والحرف التراثية، إلى جانب توفير برامج إرشادية حول آليات الشحن والتصدير والتعامل مع الأسواق الخارجية، كما أكدن أهمية دعم خدمات التصوير الاحترافي للمنتجات، بما يُبرز جودتها وقيمتها الجمالية، ويعزز حضورها على المنصات الرقمية.
وتشير هذه المقترحات إلى الحاجة لتبني رؤية متكاملة للحفاظ على الحرف التراثية وتطويرها، تقوم على الشراكة بين وزارة التضامن الاجتماعي والجهات المعنية والقطاع الخاص والمجتمع المدني، من خلال محاور تشمل التدريب، والتسويق، والتحول الرقمي، وربط المنتج بالأسواق المحلية والدولية، بما يضمن استدامة هذا القطاع وحماية هويته الثقافية.