من مفارقات القدر أن كانت السيندريلتان ليلى مراد وسعاد حسنى من مواليد برج واحد هو برج الدلو لا يفصل بينهما سوى أسابيع، وكنت فى الأسبوع الماضى قد توقفت أمام مواطن الشبه بين الوحيدتين اللتين حملتا لقب «سندريلا»، فماذا عن مواضع الاختلاف بين تلك التجربتين؟
كانت الظروف الفنية والاجتماعية التى ظهرت فيها كل من ليلى مراد وسعاد حسنى مختلفة ومتباينة إلى حد كبير، فحينما قدمت ليلى مراد فيلمها الأول «يحيا الحب» سنة 1938 كان الوسط الغنائي على الأقل يعرفها جيدا، ما يعنى أنها لم تبدأ من الصفر، فضلا عن أن السينما المصرية لم تكن قد صنعت نجماتها بعد اعتمادا على الممثلات الآتيات من عالم المسرح كعزيزة أمير وأمينة رزق ودولت أبيض، أو عالم الغناء كمنيرة المهدية وأم كلثوم ونادرة ونجاة على، ومن هنا كان المناخ السينمائى مرحبا ومتطلعا إلى وجود نجمة لها مواصفاتها السينمائية الخاصة، وهو ما سعى إلى تكريسه كل من توجو مزراحى ثم أنور وجدى مع ليلى مراد.
أما سعاد حسنى فقد انطلقت فجأة سنة 1959 بطلة لفيلم «حسن ونعيمة» دون أن يعرف أحد عنها شيئا اللهم إلا القليلين الذين ربما لمحوها فى معية شقيقتها الكبرى نجاة، وظهرت سعاد فى ظروف شديدة الاضطراب، فكان الموقف فى غاية الصعوبة لها إذا ما قورن بما واجهته ليلى مراد، فاجتماعيا لم تعد الفتاة المصرية كما كانت عليه فى نهاية الثلاثينيات وبداية الأربعينيات، وإنما كانت أكثر تفتحا وتطلعا إلى تحقيق الذات، وسينمائيا كانت الأمور قد استقرت لتيارى الكوميديا والميلودراما، وكانت السينما قد صنعت بالفعل نجماتها البارزات أمثال فاتن حمامة، شادية، ماجدة، صباح، هند رستم، وقبلهن جميعا ليلى مراد بالطبع، بل إن جيلا كاملا من الممثلات الناجحات صاحب ظهور سعاد حسنى كنادية لطفى ولبنى عبدالعزيز وزيزى البدراوى، وهكذا بدأ الطريق أمام سعاد غير ممهد، والمنافسة أكثر ضراوة، خاصة أنها لم تصادف مثل توجو مزراحى أو أنور وجدى اللذين حلقا بليلى مراد فى عالم النجومية، وإنما اعتمدت تماما على نفسها وعلى قدراتها الخاصة، فسنواتها الأولى لم تقترن بمخرج بعينه ألح على تقديمها، وحتى مكتشفها عبدالرحمن الخميسى الذى أخرج بين عامى 1965 و1977 أربعة أفلام لم يخرج لها فيلما واحدا، ولم يكتب لها سوى فيلمها الأول حسن ونعيمة، ومن هنا فإن إنجاز سعاد حسنى محسوب لها وحدها فى المقام الأول، بينما ساهم آخرون فى صنع نجومية ليلى مراد فى ظل ظروف عامة مواتية لم تتوفر للسندريلا الثانية.
وإذا كانت ليلى مراد قد جمعت ببراعة بين الغناء والتمثيل؛ فإن سعاد حسنى أضافت إليهما وبالبراعة ذاتها القدرة على الاستعراض، وأتاح لها طول مشوارها الفنى عبر اثنين وثلاثين عاما (1959 ـ 1991) وعدد أفلامها الكبير نسبيا (28 فيلما) فرصة التنوع فى أدوارها والتلوين فى أدائها، وهو ما حرمت منه ليلى مراد بسنوات مشوارها السبع عشرة (1955/1983) وأفلامها السبعة والعشرين واستسلامها الواضح لرغبات مخرجيها، وارتكانها للنموذج الدرامى الناجح جماهيريا والقائم بالأساس على «تيمة» الفتاة الناعمة الرقيقة التى تواجه المشاكل والصعاب، وعادة ما تكون هذه الفتاة أرستقراطية حتى وإن تنوعت الأدوار على هذه النغمة الواحدة.
غير أن أهم ما يلفت الانتباه فى سينما ليلى مراد أن السندريلا الأولى لم تقترب من مفردات أسطورة «سندريلا» إلا مرتين اثنتين، الأولى كانت اقترابا غير مباشر فى فيلم «ليلى بنت الفقراء» سنة 1954 من إخراج أنور وجدى؛ حيث يعجب الثرى وحيد (أنور وجدى) بليلى الفتاة الفقيرة ابنة حى السيدة زينب حين رآها فى حفل إحدى صديقاتها الأرستقراطيات، فيظن أنها ابنة درويش باشا، بينما هى ابنة درويش أفندى الرجل البسيط، ووسط سلسلة من المفارقات والمؤامرات أيضا ينجح الحبيبان بالنهاية فى الوصول إلى بر الأمان، أما المرة الثانية التي اقتربت فيها ليلى مراد من أسطورة سندريلا، فكان فى فيلم «شاطئ الغرام» لهنرى بركات سنة 1950 حيث يتعلق الشاب الثرى حسين صدقى ابن الطبقة الأرستقراطية بفتاة بسيطة التقاها صدفة فى مطروح، ففضلها على ابنة عمته وعلى كل بنات طبقته بل وعلى صديقته القديمة (تحية كاريوكا)، وتنجح المؤامرات بالبداية فى الوقيعة بينهما لكن الحب ينتصر كالعادة فى النهاية، وبخلاف هذين الفيلمين كانت ليلى مراد عادة فى موقف اجتماعى واقتصادى أفضل من البطل الذى أحبته أو على الأقل فى حالة ندية اجتماعية إذا جاز التعبير.
لكن عند سعاد حسنى كان الأمر مختلفا، فالسندريلا الثانية اقتربت بشكل أكبر وأكثر عمقا من سندريلا الأسطورة، جعل المشاهد يربط دون أن يعمد أو يعى بين سحر الأسطورة الراسخة فى الأذهان وبين خيال السينما المتدفق، بل إنه ربما كثيرا ما تعاطف مع الشخصية الدرامية التي تقدمها سعاد حسنى دون أن يلفت انتباهه أو يشغل باله بأنه فى الواقع يشاهد ظلا من سندريلا الأسطورة.. فى فيلم «شقاوة بنات» لحسام الدين مصطفى سنة 1963 يرفض حسام (أحمد رمزى) رغبة والده الباشا الإقطاعى فى الزواج من ابنة رئيس الوزراء مفضلا عليها أمانى (سعاد حسنى) ابنة خولى عزبته وحبيبة الطفولة، وفى فتاة الاستعراض 1969، وخللى بالك من زوزو 1972، وأميرة حبى أنا 1974، والمتوحشة 1979، كان الاختلاف الطبقى واضحا بين الحبيبين، ومع ذلك لم يستمع الحبيب إلا إلى صوت دقات قلبه، ويأتى فيلم «الست الناظرة» سنة 1986 لأحمد ضياء الدين كأقرب نموذج لمفردات أسطورة السندريلا ليس فقط من بين أفلام سعاد حسنى وإنما أيضا من بين أفلام السينما المصرية، ولا يشاركه فى هذا سوى فيلم «القلب له واحد» الذى أخرجه بركات سنة 1954 بطولة صباح وأنور وجدى، فى فيلم «الست الناظرة» تعانى هدى (سعاد حسنى) من قسوة زوجة أبيها (زوزو نبيل) بينما يعجب د. فريد (شكرى سرحان) بمثابرتها وتفوقها الدراسى، ويفضلها فى النهاية على الفتاة المدللة (ماجدة الخطيب) ابنة زوجة الأب، وحينما تجمع غرفة العمليات فى نهاية أحداث الفيلم بين كل من د. فريد ود. هدى يشعر المشاهد بالارتياح والسعادة؛ لأن السندريلا قد انتصرت ليس فقط لأن أمير الأحلام قد أرادها دون غيرها، ولكن لأنها أيضا استطاعت بجهدها وإيجابيتها أن ترتقى إليه وتصبح طبيبة مثله وجديرة بأن تُكمل معه مشوار الحياة.