حين بُنى مركز شباب بقريتنا التابعة لمركز شربين بالمنصورة قادتنى قدماى لزيارة مكتبته، كنت طالبا فى مطلع حياتى الثانوية، واستعرت قصة «اللص والكلاب» لنجيب محفوظ، شدنى الغلاف بلوحة للرسام الكبير جمال قطب، وجذبنى الغلاف، وعدت لبيتنا أقرأ وأقرأ حتى انتهيت من القراءة فى يوم واحد، وبهرنى محفوظ، ورأيت شخصيات القصة تتحرك أمامى كما لو كانت تتحرك على شريط سينمائى، من رءوف علوان، وسعيد مهران، ونور، وجدت حياة كاملة، "حب وغدر وخيانة وقتل وتكية ودراويش ومقهى، صحافة تجرى وراء السبق، وقتيل بغير ذنب، وفرار المجرمين والخونة بجريمتهم"، واليوم أتوقف عند عنوان القصة «اللص والكلاب»، وكأن محفوظ يدين الجميع، وكأنه يريد أن يقول لنا: لا أحد بريء فى المدينة!
ثم وقعت فى غرامه، فأصبحت أستعير أكثر من قصة فى وقت واحد، «السراب، وبداية ونهاية، والطريق، والشحاذ»، وغيرها وأقرأ بنهم، ثم وقعت الواقعة وفاز محفوظ بأرفع جائزة أدبية فى العالم «نوبل» فى 12 أكتوبر سنة 1988م، وطرت فرحا كما لو كنت أنا الفائز لا أحد سواى، فها هو كاتبى القصصى الأول يفوز بجائزة وهو أحق بها من سواه.
والتحقت بكلية الإعلام فى جامعة القاهرة، وبدأنا نقرأ كل غريب وكل ممنوع، وكانت روايته «أولاد حارتنا» ممنوعة من النشر فى مصر فقرأتها فى طبعة بيروت، ثم كنا نصدر صحيفة نصفية باسم «صوت الجامعة»، وكانت مدرستنا الصحفية الأولى، وكان أول حوار اقترحه علىّ أساتذة قسم الصحافة هو إجراء حوار مع نجيب محفوظ.
ذهبت إليه فى بيته على كورنيش العجوزة، وطرقت الباب، فتحت لى شراعة الباب زوجته عطية الله، وقالت لى إنه غير موجود ولا يجرى حوارات فى بيته، وأن علىّ أن أذهب إلى مكتبه فى الأهرام، أو حيث يجلس صباحا فى مقهى كان شهيرا فى ميدان التحرير، فانتظرته حتى أتى بصحبته ابنته ومعها كلب صغير تجره بسلسة، قدمت له نفسى، فقال لى بالحرف: «يا بنى هذا بيتى، هذا هو المكان الذى أستريح فيه، لا أجرى فيه حوارات صحفية، وعليك أن تأتينى غدا فى المقهى السابعة صباحا، أو مكتبى فى الأهرام حتى الثانية ظهرا».
وكنت تمام السابعة صباحا معه فى المقهى الشهير فى ميدان التحرير، كان يجلس بالدور الثانى يقرأ صحف الصباح، ويحتسى قهوته الصباحية مع سيجارته الأولى، طلب لى شايا، وحاورته، وكان أول حوار معه، ثم اكتشفت فيه صفة «الرجل الطيب المتواضع البسيط»، فترددت عليه كثيرا فى مكتبه بالطابق السادس فى «الأهرام »، وهو بالأصل مكتب توفيق الحكيم، وأجريت معه أكثر من حوار، وكان الأديب فتحى العشرى هو من يرتب له لقاءاته الصحفية، وكان محفوظ بعد نوبل تحول إلى أيقونة، ومنتج حوارات، وأصبحت ضحكته المجلجلة حديث الناس، ومشيته حديث النقاد، ولم يعد أدبه فقط حديث الناس، تحول محفوظ إلى كائن أسطورى أشبه بالمقدس!
وكان حصادى معه سبعة حوارات متتالية نُشرت آنذاك فى صحف مصرية وعربية، وكلما زهقت من جدب حياتنا، أو هربت للجمال عدت أقرأ قصصه من جديد، وأتلقاها بفهم آخر، وذوق جديد، وهكذا هو صاحب فن خالد متعدد الرؤى، والتفاسير، غنى بالرموز والواقع، مصور مخضرم للحياة، ذو بصيرة بالنفس البشرية وتقلباتها، تظنه بسيطا وهو ليس كذلك، تظنه مجرد رجل طيب وهو واحد من أكبر مثقفينا فى العصر الحديث، بدأ حياته بكتابة المقالات الفلسفية، ثم وضع خطة لكتابة تاريخ مصر بالروايات، وبالفعل كتب ثلاثا منها، ثم هيمن عليه الواقع فكتب القصص الواقعية، ثم تمرد فكتب روايات تيار الوعى، والقصص الرمزية والسريالية والأحلام والأقصوصة والمسرحية والسيناريو، مثقف شامل وعميق، تخرج فى قسم الفلسفة بتفوق، عاش فى جلباب سلامة موسى 14 سنة، ثم خدم كموظف فى الأوقاف مع أستاذه فى الفلسفة الإسلامية مصطفى عبد الرازق، حين تولى وزارة الأوقاف، ثم انتقل للعمل بالجامعة ثم مؤسسة السينما مع عبد الحميد جودة السحار، ومع يحيى حقى فى مصلحة الفنون، وأخيرا أصبح كاتبا متفرغا فى الأهرام.
رحلة غنية بالحياة، مدخن عاقل للشيشة والسجائر، سباح ولاعب كرة، ولد فى الجمالية، وعاش صباه فى العباسية، وعشق النيل فعاش فى عوامة حتى هددته زوجته فرحل لشقة تطل على النيل، وفدى صميم عشق سعد زغلول والنحاس، له موقف من الثورة، ولكنه لم ينكر أفضالها على الثقافة، منتم لوطنه وثقافته ومجتمعه، متطور وقابل للجديد، وأكبر مشجع للمواهب الشابة من كل الأجيال، كتب فى الملكية وفى الجمهورية، ولم يقصف قلمه أو يتعرض للحبس أو المحاكمة، ولكنه فى شيخوخته تعرض لاعتداء من شاب جاهل مغرر به لم يقرأ حرفا وكاد يقتله بسكين غرزها فى رقبته!
من هنا فتذكر «محفوظ» فرض عين، وفريضة وقت، لأنه إحياء عملى للذاكرة وشحذ للوعى، وتخصيص جائزة باسمه أمر واجب ومكمل لدائرة الاحتفاء به كل عام، نعم محفوظ يستحق ذلك وأكثر فهو إنسان ومبدع لا يتكرر، وسيظل ملهما ما بقى الزمان.