سمعتها مندهشا مغبونا، لعدم تبين خالى صلاح لهذه الكارثة الطائفية التى يضج بها مسامعى هذا الشيخ المأفون المضروب بالطائفية، وما نعانيه الآن من طفح طائفى ورثة غذاء روحى ملوث بالطائفية، الطائفية قديمة وتسرى فى أوصال المجتمع كالدم الفاسد، فأصابته بسرطان الطائفية البغيضة.
تعليمى باكرا فى مدرسة الأقباط الابتدائية بمنوف، علّمنى حب الآخر، وحب المسيحيين، ولم أرَ فيهم اختلافا، ويرجع الفضل لأهل الفضل، لمعلمى وشيخى الحاج «أحمد البهنيهي» مدرس اللغة العربية الذى تعطف على جدتى روحية وأعفانى من مصروفات الدراسة ذات يوم، له الفضل من قبل ومن بعد، وكلما جنّ علينا ليل الفتنة البهيم يزورنى طيف الحاج أحمد، طيبا بشوشا، محبا للآخر.
وأذكر فى كتابى الأخير «كيرياليسون» قبل هذا الحكى عن جدتى روحية بنت داعوش، أن رويت موجزا لقصتى مع صديقى المسيحى «ألبير»، حتى اسمه بالكامل نسيته فى لجّة الأيام، كانت أياما، وكان يجلس إلى جانبى فى الفصل وديعا، لا أعرف من أين له كل هذه الوداعة، يقينا من وداعة الست والدته «أم ألبير»، كانت تصنع الزبادى بيديها، كنت أتناوله هنيئا مريئا، كنت أحبها حبا جمّا، كانت كُمّل من السيدات، لا يصدر عنها حرف يجرح، لم نسمع لها صوتا، كان صوتها خفيضا لا يكاد يبين.
كان ألبير شاطر من يومه وكانت درجاته فى العربى لا تقل عن درجاتي، كان خطى جريئا يخمش الورق الأبيض، كان خطه خجولا يخشى خدش براءة الورق، كان رقيقا، يحلف بالعذراء «مريم البتول» فنصدقه، كان ينطقها «العدرا» بالدال وبدون همزة على السطر، لم يكن بحاجة إلى الحلفان، كنا نصدق بعضنا البعض، لا نملك من بضاعة الكذب إلا كذبا أبيض يتعاطاه الصغار هربا من كتابة الواجب، الكذب يودّى النار، كان ألبير يخشى النار مثلنا.
كان يحب الحاج «أحمد البهنيهي» مدرس اللغة العربية والدين مثلنا، كان الحاج أحمد محل تقدير، فى وجهه ضياء يفيض منه البِشر، نحب رؤياه، ونسعد للقاه، ونهشّ ونبشّ، كانت ضحكته ضحكة ملاك، بالكاد تفتر ابتسامته عن ثغره، يبسمل ويحوقل مفتتحا الحصة الأولى، نتلو المعوّذتين، و»قل هو الله أحد».
الحاج أحمد علّمنى الحروف كلها، حروف الحب لله فى لله، وكأنه ملاك بجناحين يرفرف على الرءوس، يربّت على ظهر ألبير، كان يخصه ببعض الحنان، كان يخشى عليه الوحدة فى حصة الدين، لم يهن عليه مرة أن يُخرجه بره الفصل فى برد طوبة.
الدين لله، علّمنا الحاج طيب المعاملات، حِب لأخيك ما تحب لنفسك، كان يضرب مثلا، ونحب أمثاله، نقش فى قلوبنا حبا للذين قالوا إنا نصارى (وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى)، كنا ننطقها بغباء طفولى «نصُراني» بضم الصاد فتخرج قبيحة من التقبيح والتمييز المتوطن كالأمراض المتوطنة فى قعور البيوت المظلمة عن جهل، هذا ما وجدنا عليه آباءنا .
العلم نور، وكان الحاج أحمد مربيا وسطيا متعلما وسط ظلمة تغشى بلدتنا الوادعة «منوف» وسط الدلتا على البحر الفرعوني، يسمونه البحر الميت ولم أعرف لماذا، ربما لأنه يخلو من الأسماك فصار ميتا.
الحاج أحمد كان يتنسم وجود الله، كان جميلا علّمنا الجمال، الله جميل يحب الجمال، وكان مرشدا وهاديا للمدرسة الصغيرة (مدرسة الأقباط الابتدائية) هكذا كان اسمها على بوابتها الحديدية، ولا يثير ثائرة المسلمين وقتها، ولا يحك أنوفا، ولا يثير أعصاب شايطة من الاستخدام المفرط للدين.
مدرستى كانت فى حضن كنيسة منوف بـ«عزبة النصارى»، هكذا شاع اسمها دون أن يثير حساسية إخوتنا المسيحيين، باعتبار كل مصرى قبطيا فى الأصول، وكانت الكنيسة مثل ملاك المدرسة الحارس، وكان القس الطيب يزور الحاج أحمد كل صباح، كانا صديقين، بينهما مودة ورحمة، كانت أجراس الكنيسة تدوّى فى قلب الفصول، وكأنها ألحان شجية. يفتتح اليوم الدراسى بطيب القول، والتوحيد، «الله أحد الله الصمد. لم يلد ولم يولد» كان الحاج أحمد ينطقها من فم معطر بذكر الله، ألا بذكر الله تطمئن القلوب.
يزورنى طيف ألبير كثيرا كلما زعق أحدهم من نفسه المريضة بالفتنة، ألبير لا يزال طيفه نقيا طاهرا، قلبه مملوء بالمحبة، ألبير لم يعرف حقدا ولم يضمر شرا ولم يتأبط شرا، يزورنى طيفه الشاحب كلما افتأت أحدهم على إخوتى بالباطل الذى يعتقده.
ألبير كان يحلف بالمسيح الحى عليه السلام، وكنت أحلف بخير الأنام، الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، حفظت ما تيسر من سيرة عيسى عليه السلام فى سورة مريم، أحببته وأمه سِتنا مريم عليها السلام، وتمليت صورته فى حضن العذراء معلقة فى مدخل الكنيسة، حفظ ألبير عن الحاج أحمد الكثير عن أخلاق الرسول الكريم، وإنك على خلق عظيم، وبعثت لأُتمم مكارم الأخلاق، كانت أيقونة الحاج أحمد «أدّبه ربه فأحسن تأديبه»، وعلى النهج نسير.
تعلم ألبير من القس الطيب «باركوا لاعنيكم» وعلى نهجه كان يسير بيننا ملاكا لا نكاد نشعر بوقع خطواته، كان يطرب مثلى لسورة مريم، كان الشيخ «الحليفي» الضرير يتفنن فى قراءتها على الهواء مباشرة من ميكروفون المضْيَفة فى الجامع القريب، بالقراءات السبع.
كان الشيخ الطيب يستمتع بالقراءة ويُمتع السامعين، فى مدينتنا الهادئة قبل أن يدهمها الطوفان، ويستبيحها الجراد الأسود، وتغرد على شجر الزقوم طيور الظلام، كان الشيوخ يفضلون سورة مريم لبلْسمة قلوب أهل الفقيد، ونعيش مع آيات بينات من الذكر الحكيم يتلوها علينا فضيلة الشيخ... وينساب الصوت شارخا الصمت المطبق على البلدة الصغيرة: «وَهُزِّى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيّا»، طعم التمر فى الحلوق حلو، طعم الآيات حلو، «فَكُلِى وَاشْرَبى وَقَرِّى عَيْنًا..» كنا ننام قريرى الأعين.
توقظنا، توقظ ناس «عزبة المغربي» فى الناحية القبلية، الحى الفقير من المدينة، أجراس الكنيسة باكرا، عم ميخائيل يسبق الديكة دوما، يصعد الدرج متمهلا، أدى واجبه، أيقظ النائمين، كنا نغتم من الغم إذا دقت الأجراس فى غير موعدها المضبوط للصلاة، إذن هى إعلان وفاة، تنيّح أحدهم، كنا نهم إلى الجنازة فرادى وجماعات، نتسمّع الترانيم، وناخد كف عزاء.