رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

اللواء د. سيد غنيم.. الأستاذ الزائر فى «الناتو»: الحرس الثورى يحكم إيران.. وإسقاطه يطيح بالنظام والمرشد معًا


19-3-2026 | 12:08

اللواء د. سيد غنيم.. الأستاذ الزائر فى حلف الناتو والأكاديمية العسكرية الملكية فى بروكسل

طباعة
حوار: أحمد جمعة

من منطلق «الحقائق» لا «العواطف» مضى حوارنا مع اللواء د. سيد غنيم، الأستاذ الزائر فى حلف الناتو والأكاديمية العسكرية الملكية فى بروكسل، عن مسار حرب إيران، وارتداداتها على توازنات الشرق الأوسط، واحتمالات اتساعها إقليميًا مع دخول أطراف جديدة إلى ساحة المواجهة.

يستند «اللواء غنيم» فى قراءته للمشهد المنفلت فى الإقليم إلى «الحسابات العسكرية والاستراتيجية» وليس «الانفعالات السياسية»، متوقفًا عند حدود الدور الأمريكى بعد نشر مزيد من القوات فى المنطقة، والاستراتيجية الإيرانية المحتملة فى مواجهة الضربات المتصاعدة، وتأثير الحرب على تحالفات المنطقة، وصولاً إلى سؤال أبعد يتعلق بمستقبل موازين القوى فى الشرق الأوسط، وما إذا كانت هذه الحرب تمهد بالفعل لإعادة تشكيل الخريطة الإقليمية.

ويشدد على أن «الدولة الإيرانية»، بعيدًا عن الأيديولوجيا والصراع السياسى، تظل أحد عناصر التوازن الاستراتيجى فى الشرق الأوسط، ومع ذلك يؤكد أن الحرب ليست إقليمية حتى الآن، فى حين أن دخول دول الخليج قد يغير المعادلة تمامًا.. وإلى نص الحوار:

كان يُعتقد فى بداية الهجمات على إيران أنها ستكون عملية خاطفة أو أنها لن تستمر سوى أيام معدودة.. لكن مع توسع التصعيد الراهن، هل دخلنا مرحلة الاستنزاف؟

فى الواقع، فالحرب لم تتحول إلى حرب استنزاف، بل تحولت إلى حرب أطول زمنًا مما كان متوقعًا.. فبحسب التقديرات الأولية، كان من المفترض أن تنتهى خلال بضعة أيام، ثم جرى تعديل التقدير لتستمر ما بين 4 و6 أسابيع، مع احتمال أن تطول المدة إلى ما هو أبعد من ذلك بقليل.

ويرتبط احتمال إطالة أمد الحرب بعدة عوامل؛ العامل الأول يتمثل فى عدد الصواريخ المتاحة لدى إيران، فالتقديرات تفترض أن لديها نحو 2500 صاروخ بعيد المدى، إضافة إلى ما يقارب 3500 صاروخ قصير ومتوسط المدى.. وحتى الآن لم يُستخدم سوى جزء محدود جدًا منها، ربما فى حدود 500 صاروخ تقريبًا.

وإذا افترضنا متوسطًا يوميًا لعدد الصواريخ التى جرى إطلاقها، فإن هذا المتوسط يشير إلى أن إيران قد تكون قادرة على الاستمرار باستخدام الصواريخ المتوافرة لديها لمدة تقارب 4 أسابيع أخرى.

لكن يبقى السؤال: هل تمتلك إيران مخزونًا إضافيًا من الصواريخ يتجاوز التقديرات؟ أم أن العدد الفعلى أقل من ذلك، بما قد يؤدى إلى تقليص مدة القتال.. هذا العامل يُعد أحد المعايير الرئيسية فى تقدير المدى الزمنى للحرب.

أما المعيار الثانى، فيتعلق باحتمال دخول دول المنطقة على خط المواجهة، ولا سيما دول الخليج تحديدًا.

ما تداعيات تدخل أى من أو بعض دول الخليج بالرد على الضربات الإيرانية؟

إذا تدخلت دول الخليج بعمل هجومى، فمن الممكن أن يطيل ذلك أمد الحرب، لأن بنك الأهداف سيتسع، وهذا بطبيعة الحال ما يجعلها حربًا إقليمية حقيقية، لأنها حتى الآن ما زالت ليست حربًا إقليمية، إذ لم تدخل أى دولة خارجية فى القتال بشكل مباشر؛ بل إنها تتلقى الضربات فقط وتدافع عن نفسها.

إلى أى مدى من المرجح أن يكون هناك ردّ خليجى منسق على الاعتداءات الإيرانية؟

ما زال الاحتمال فى مستوى متوسط؛ أى إنه ليس كبيرًا وليس قليلاً، لكنه يزداد تدريجيًا مع مرور الوقت، بمعنى أنه كلما طال الزمن ارتفع هذا الاحتمال.

هل توسيع «بنك الأهداف» يُطيل أمد الحرب؟

هذا هو البعد الثالث لإطالة زمن الحرب، والذى يتمثل فى توسيع بنك الأهداف من الجانب الأمريكى والإسرائيلى.. فحين نلاحظ الآن توسيع بنك الأهداف، وفى الوقت نفسه زيادة القوات، وعندما نجد ضربات تُوجه إلى النفط الإيرانى، أو استهداف جزيرة «خرج» وكذلك استهداف جزيرة «كيش» -التى تضم، على حد علمى، بعض قواعد الصواريخ- فإن ذلك يعكس اتساع نطاق الأهداف.

كما يجرى تعزيز القوات بقوات مثل المارينز، التى يبلغ عددها نحو 2200 مقاتل من مشاة البحرية، إضافة إلى أسلحة الدعم التى قد تصل إلى نحو 5000 عنصر، وكل ذلك يطيل زمن الحرب، ويدفع إيران بدورها إلى توسيع بنك أهدافها أيضًا، وربما يشمل ذلك استهداف النفط.

وعلى المستوى العسكرى، وبهذا المعنى، فإن الحرب مرشحة لأن تطول، ولن يحد من ذلك إلا تقلب شخصية ترامب واحتمال تراجعه، أو تدخل دولى قوى جدًا، أو ممارسة ضغط شديد عليه أو على نتنياهو تحديدًا، لأنهما هما من بدآ الحرب، وهما كذلك القادران على إيقافها.

الولايات المتحدة أرسلت تعزيزات من قوات المارينز إلى الشرق الأوسط.. هل يعد ذلك مؤشرًا على تدخل برى مباشر أم أن الحرب ستظل محدودة بالضربات الجوية؟

هناك نقطة فاصلة بين التدخل البرى المباشر والتدخل عبر النيران، وهى ما يُعرف بالعمليات النوعية أو عمليات القوات الخاصة أو قوات التأمين.. فالتدخل البرى الذى يعرفه الناس عادة يتمثل فى التشكيلات البرية الكبيرة، مثل فرق المشاة أو الفرق المدرعة، كما حدث فى حرب الخليج عام 1990 مثلاً.. لكن هذا السيناريو ليس هو المتوقع حدوثه الآن، كما أن العمليات لن تقتصر على النيران فقط.

إذن ما الذى قد يحدث؟

المفترض أن تُستخدم قوات مثل المارينز فى عدة مهام؛ أولاً، يمكن أن تسهم بأساليب قتالية معينة فى تأمين السفن العابرة، ولا سيما ناقلات النفط، كما جرى الوعد بذلك.

الأمر الثانى هو احتلال بعض الجزر وتأمينها، مثلما ذكرنا جزيرة «خرج» وجزيرة «كيش»، لأن جزيرة «خرج» تحديدًا يمر عبرها نحو 90 فى المائة من النفط الإيرانى، وبالتالى فإن السيطرة عليها تعنى عمليًا التحكم فى هذا الجزء الأكبر من الصادرات النفطية.

كذلك قد تقوم هذه القوات بما يُعرف بعمليات «تأمين رأس الشاطئ»، أى السيطرة على أجزاء من الساحل فى جنوب غرب إيران، نظرًا لأن المارينز قوات مهيأة للعمل الساحلى، وهى ما نُطلق عليه فى مصر اسم «مشاة الأسطول»، وقد يظل هذا الاحتمال ضعيفًا إلى حد ما، إلا إذا كانت قدرات إيران العسكرية تتراجع بشكل كبير فعلًا، كما تقول الولايات المتحدة.

وبالتالى، فإن ما قد يحدث لا يُعد تدخلًا بريًا بالمعنى التقليدى الكامل، ولا هو فى الوقت نفسه غيابًا للتدخل، بل يمكن وصفه بأنه تدخل محدود عبر قوات خاصة أو مجموعات تأمين من قوات المارينز، لتنفيذ مهام تتعلق بالتأمين أو تنفيذ عمليات نوعية أو عمليات خاصة.

مع استمرار التصعيد.. ما الاستراتيجية الإيرانية الأكثر احتمالاً لمواجهة هذه الضربات؟

الاستمرار فى الاحتواء والصمود؛ إذ تحاول أن تقلل الخسائر قدر المستطاع، مستفيدة من أساليب الإخفاء والتمويه والاستتار، كما تحاول تعويض الذخيرة التى تنقصها من خلال المصانع الموجودة لديها، خاصة مصانع الصواريخ.

وكل ما يمكنها فعله فى هذا الإطار هو تجنب الضربات قدر المستطاع، وفى الوقت نفسه الاستمرار فى شنّ الضربات بأكبر كثافة ممكنة، أو بكثافة متوسطة على الأقل، لكى تردع ربما، أو توحى لأعدائها بأنها قادرة على الاستمرار إلى ما لا نهاية.

الناتو أعلن التصدى لصواريخ إيرانية على تركيا.. هل من الممكن أن يتحول الحلف من الدفاع إلى الهجوم؟

عندما نحسب دول الخليج، وهى التى تتلقى الجزء الأكبر من الضربات أو كما نقول «تقف فى وش المدفع»، ونسأل عن احتمال تدخلها من عدمه، فكيف يمكن أن نتوقع تدخل حلف الناتو، وهو لم يتعرض سوى لثلاثة صواريخ فقط!

ثانيًا، الناتو هو تحالف يضم مجموعة من الدول، بينما الدولة المعنية هنا هى دولة واحدة فقط، وهى تركيا، وعلى حد علمى قامت بطلب تفعيل البند الرابع للحلف، ولكنها لم تطلب تفعيل البند الخامس الذى فىحالة الموافقة عليه يتدخل الحلف فى الحرب كتحالف، وهو أمر مستبعد حاليا.

وصحيح أن هناك القاعدة البريطانية فى قبرص، وبريطانيا دولة عضو فى الناتو، لكن القاعدة نفسها ليست تابعة للحلف.

وسط هذا التصعيد، دعت بعض الأصوات الخليجية إلى مراجعة التحالفات الخليجية مع واشنطن.. فما تأثير الحرب على تحالفات الشرق الأوسط، خاصة العلاقة مع أمريكا؟

فى الحقيقة، أنا لا أعلم الهدف من هذه التصريحات، لكن ما أعرفه أن العقول فى منطقتنا العربية غالبًا ما تفهم الأمور بشكل عاطفى.. فيُقال مثلًا أن «المتغطى بأمريكا عريان»، وأنها لم تفعل شيئًا، وهذا بالطبع كلام غير دقيق.

وهذه التصريحات يمكن فهمها فى إطار موقف قيمى ينتقد ما يُنظر إليه على أنه تجاوز أمريكى تجاه إيران.

أما الأمر الثانى، فهو مسألة عدم الثقة فى ترامب؛ فعدم الثقة هنا ليس فى الولايات المتحدة كدولة، بل فى ترامب تحديدًا.. لأن الولايات المتحدة فى النهاية دولة مؤسسات، وليست مرتبطة بشخص واحد.

وأنا أعلم أن هذا الكلام قد لا يعجب كثيرين، لأنه لا يخاطب العاطفة ولا يتماشى مع ما يفضله البعض من سرديات يحب الناس متابعتها أو التفاعل معها، لكن هذه هى الحقيقة فى تقديرى.

إلى أى مدى يمكن أن تؤدى الحرب إلى إعادة رسم موازين القوى فى الشرق الأوسط؟

الشرق الأوسط الجديد الذى يقصده بنيامين نتنياهو مستند إلى ما ورد فى استراتيجية الأمن القومى الإسرائيلى لعام 2015، حيث أشار إلى أن هناك أربع أو خمس دول عربية يُنظر إليها كـ»دول اصطناعية»، ويقصد بها العراق ولبنان وسوريا واليمن، وكانت رؤيته أن هذه الدول ستنقسم على نفسها، وتصبح مجزأة ومنقسمة، بما يخدم مصالح إسرائيل.

وكانت نظرته تقوم على اعتبار إيران هى العدو الرئيسى، جنبًا إلى جنب مع الجماعات الإسلامية المتطرفة، وبناءً على هذا التصنيف، يرى أن محاربة هذه الأطراف ضرورة استراتيجية لإعادة ترتيب المعادلة الإقليمية لصالح إسرائيل، وأن تحجيم قوة إيران يهدف إلى إعادة التوازن وفق مصالح تل أبيب المزعومة.

وبطبيعة الحال، هذه الرؤية «متخلفة»، لأنها تسعى لتحقيق تفوق إسرائيل المطلق، لا لإقامة توازن حقيقى فى المنطقة.. فوجود إيران بقوتها يخلق نوعًا من التوازن، أما فى غيابها فإن هذا التوازن يختل نسبيًا، مما يسمح لإسرائيل بالسيطرة أكبر على الساحة الإقليمية.

بالتالى، الشرق الأوسط الجديد فى منظور نتنياهو ليس منطقة متوازنة، بل منطقة تميل لصالح إسرائيل، مع تحالفات موسعة معه بدلًا من أن تكون الدول العربية منعزلة عنه.. وهذا يشمل تعزيز «الاتفاقيات الإبراهيمية» وزيادة عدد الدول المنضمة لها، بما يعزز نفوذ التحالفات الإسرائيلية فى المنطقة.

ما قراءتك للرسالة الأولى للمرشد الإيرانى الجديد مجتبى خامنئى وهل تدفع الحرس الثورى إلى مزيد من التشدد؟

الرسالة الأولى من المرشد الإيرانى توضح أنها جاءت بخطاب الحرس الثورى، وهذا يؤكد ما كنت أقوله دائمًا، وهو أن النظام الإيرانى لا يستمد قوته من المرشد فقط، بل يستمدها أساسًا من الحرس الثورى.. فحتى إذا توفى المرشد، فإن النظام سيستمر بفضل قوة الحرس الثورى.. أما إذا تم القضاء على الحرس الثورى الإيرانى، فلن يستمر النظام وسيسقط المرشد معه.

وبناءً على ذلك، يتضح أن الحرس الثورى هو من يدير المشهد فعليًا فى الوقت الحالى، لأن الخطاب الرسمى جاء بصيغته، وهذا صحيح بغض النظر عن أن المرشد الإيرانى لم يظهر بعد، سواء بسبب إصابته أو مقتله أو أى سبب آخر.

كيف يمكن للموقف العربى التحرك إزاء التباين الإقليمى فى التعاطى مع الموقف من إيران؟

فى البداية، يجب أن نفهم أن هناك جانبًا عاطفيًا قويًا فى التعاطى العربى والإسلامى، خاصة فى مصر والدول العربية عمومًا.. كثيرون يرون الأمور بالأبيض والأسود؛ إما القضاء على النظام الإيرانى الذى يُنظر إليه على أنه مستبد وتسبب فى دمار لدول عربية، أو دعم النظام لأنه يمثل «داعمًا للإسلام»، وهذه كلها وجهات نظر سطحية ولا تعكس الواقع الفعلى.

الفكرة الأساسية هى أن الدولة الإيرانية بقوتها، وليس النظام الإيرانى بمكوناته العقائدية المتشددة، يجب أن تستمر لأنها جزء من معادلة التوازن فى الإقليم.. ولكن هذا التوازن لا يتحقق بنظام أيديولوجى متشدد يفرض سيطرته على الدول الأخرى ويؤدى إلى فشل دول مثل لبنان والعراق وسوريا واليمن.

يجب أن تكون إيران دولة قوية بحد ذاتها؛ دولة عدد سكانها يزيد على 90 مليون نسمة، ومساحتها حوالى مليون و700 كيلومتر مربع، تمتلك تكنولوجيا صناعية وعقولًا مبتكرة.. يجب أن تكون جزءًا من معادلة التوازن الإقليمى ليس من الناحية الأيديولوجية أو الدينية، ولا لمجرد كونها عدوًا لإسرائيل أو لدول مكروهة، بل باعتبارها دولة ذات قوة فعلية وفاعلية فى المنطقة.

ما تداعيات اغتيال القيادي الإيراني البارز علي لاريجاني؟

مقتل علي لارجاني، تطور بالغ الحساسية داخل إيران وفي مسار الحرب الدائرة، لأنه أعلى الشخصيات الأمنية في إيران، والذي يضبط إيقاع الدولة في الظروف الراهنة، واستهدافه ضربة قاسية للقيادة الأمنية، فلارجاني كان أحد مهندسي الردود الإيرانية في الحرب، ومسؤولًا عن تنسيق العمليات بين الحرس الثوري والجيش والأجهزة الأمنية، وبالتالي غيابه يخلق فراغًا في لحظة حرجة.

كما يؤدي رحيله لارتباك في منظومة اتخاذ القرار، فبعد مقتل خامنئي، كانت إيران تعتمد على شخصيات مثل لارجاني لضبط الإيقاع الأمني والسياسي، ما قد يفتح الباب لصراعات داخلية بين التيارات الأمنية والعسكرية، فضلا على تراجع القدرة على إدارة الحرب، فاستهداف رأس الهرم الأمني يضعف قدرة إيران على تنسيق الهجمات الصاروخية والمسيرات، وإدارة الجبهات الإقليمية، وضبط الشارع الإيراني في ظل التوتر الداخلي.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة