لا شك أن أوراق اللعب في المقامرة الكبرى حول العالم تتسع يومًا بعد يوم، فهناك لاعب متمرد داخل السوق العالمية يقرر تحريك الشطرنج بنفسه في سوق المال، وهنا نحن في رحلة إلى دهاليز القوة والسرية في الملفات السوداء لغسل الأموال عبر المنصات الرقمية وفي الأسواق العالمية، وخصوصًا ملف رفع السرية عن الأنشطة المشبوهة في الدول الكبرى؛ إذ ليس نشرًا للحقيقة كاملة، بل قد يكون أداة ضغط سياسية ورسالة تهديد موجهة لقوى خفية داخل النظام.
بالعودة إلى وول ستريت، مرآة العالم المالي، نجد أن السيناتور الأمريكي ريتشارد بلومنتال قد بدأ فتح تحقيق رسمي بشأن عمليات تحويل كبيرة للعملات الرقمية عبر منصة Binance، بعدما جاءت تقارير استخباراتية أمريكية بانتقال 1.7 مليار دولار من حسابات خاصة إلى المنصة، ثم إلى كيانات في العالم، منها إيران، عبر المنصات الرقمية، كما نشرت النيويورك تايمز التقرير نفسه محذرة من غسل الأموال عبر المنصات الرقمية، ومن هنا بدأت جهات التحقيق طلب بيانات تفصيلية حول التعاملات والتحويلات المالية العالمية، وأن هناك نية مثبتة لنقل الأموال وغسلها بهذه الطريقة، وأن الأصول الرقمية التي تدير معاملات بمليارات الدولارات لا تمتثل لقواعد الالتزام بمكافحة غسل الأموال، خصوصًا في الدول التي عليها عقوبات، وعدم التحايل على أسس التمويل حتى لا تتجه إلى أنشطة غير مشروعة وقدم عضو الكونجرس مراجعة بروتوكولات مراقبة التحويلات، وهل هناك ثغرات سمحت بتمرير هذه الأموال المشبوهة عبر المنصات الرقمية، وأيضًا مراجعة بورصات التشفير الكبرى.
وبالطرح الفني لهذا المعترك نجد أن الجريمة موجودة في كل زمان ومكان، ولا تزال النقود التي وجدت طريقها إلى العملات المشفرة تمر من خلال شبكات كبيرة عابرة للقارات تربط أوروبا بالشرق الأقصى، والنظام يعمل بكفاءة. ومهما كان نشاط من يقومون بغسل الأموال، فالخيارات مفتوحة لنقل المال وإخفائه بطريقة آمنة، ولا يمكن تتبعها أو اختراق المنظومة الدولية، وأن هذا الوقت تحديدًا الذي يمر به العالم هو من أفضل الأوقات المناسبة لغسل الأموال عبر المنصات الرقمية.
ومع حالة الطوارئ القصوى العالمية بدأ غاسلو الأموال يستخدمون العملات المشفرة بشكل كبير ومتسارع لإخفاء مصدر ثرواتهم، وعبر الكارتلات الكبيرة حول العالم يتم تشفير أنشطة المخدرات والاحتيال بالعملات المشفرة العابرة للحدود بطريقة فورية وغير مكلفة وهناك وسائل مختلفة مثل خلاطات العملات المشفرة، والقفزات بين المحافظ لإخفاء تحرك الأموال، ويحدث نوع من المزج بين العملات بحيث لا يستطيع أحد الوصول إلى مصدر أو أصول هذه الأموال ومن يملكها. أما طريقة القفزات فهي نقل الأموال بين المحافظ الشخصية لتجنب حدوث أي تسريب للسرية.
منذ عام 2019 حتى عام 2024 تم تحويل 100 مليار دولار بهذه الطريقة من محافظ غير مشروعة إلى خدمات التحويل، حيث يتم تحويلها إلى عملات مشفرة، ثم بعد ذلك تُحوَّل إلى عملة ورقية في حالة السقوط الحر للاقتصاد العالمى، وفي عام 2022 تم تحويل المبلغ الأكبر، وهو 30 مليار دولار، وهناك أسواق مالية تحوز تفوقًا حول العالم مثل السوق الروسي وقدرته على تحويل العملات إلى عملات ورقية بسرعة قياسية ودقة كبيرة. ومع اتساع الحيز المالي للعملات المشفرة حول العالم وتقلص الحواجز أمام التداول، أصبح هذا النموذج من غسل الأموال أكثر أهمية.
ظهر عامل مهم جدًا في الأسواق المالية العالمية، وهو أنه تم فك الارتباط بين العملات المشفرة والملاذات الآمنة، مع ارتفاع وانخفاض الفضة والذهب صعودًا وهبوطًا في نظرية ابتلاع الأسواق. ومن ينظر إلى حال العملات المشفرة وحجم التداول يجد أسئلة ثقيلة تفرض نفسها على المشهد مع السيناريو الحديث والذهاب إلى القاع، مع انقلاب حال مؤشرات الكريبتو التي تتعرض لضغوط بيع مع إعادة تقييم المراكز في مرحلة مفصلية بسبب السياسات الاقتصادية الترامبية وتدوير الأسواق ونظرية البجعة السوداء التي أثرت على تعميق الخسائر، مما قلل السيولة أو النقد في الأسواق. وفقدت العملات المشفرة خلال شهر 910 مليارات دولار.
وفي حال انهيار الأسواق في حالة السقوط الحر، هل يلجأ الرئيس الأمريكي إلى إعادة تسعير هيكلية لهذا السوق من جذوره، خصوصًا أن أسرته تعمل في العملات المشفرة؟ التحذيرات تتصاعد، وترامب يبعث برسائل متناقضة، والأسواق كعادتها تقرأ ما بين السطور؛ فهي تعلم جيدًا أن ترامب صانع جيد للأسواق، فهو يغير لهجته وأدواته، ولكن أجندة الكريبتو بالنسبة لغسل الأموال في خطر. فهناك يد خفية تحرك الأسواق وتعيد التسعير، وهناك مفاوضات في جنيف، واليد الأخرى على الزناد، وتحاول الأسواق تصحيح نفسها، وموجات تصفية المراكز باستخدام الرافعة المالية زادت من حدة التراجعات، مما أدى إلى عدم ثقة المتداولين الطبيعيين.
وفي كل الأحوال تشير وكالة موديز إلى أن غسل الأموال، خصوصًا في الأسواق الناشئة، هو عملية غير قانونية تتمثل في تحويل الأموال الآتية من أنشطة إجرامية إلى أموال تبدو وكأنها مشروعة عبر تداولها في النظام المالي العالمي عابرة للقارات، مستخدمة العملات المشفرة والافتراضية والألعاب الإلكترونية وعمليات الاحتيال الكبرى حول العالم، من خلال ثلاث مراحل: الإيداع، والتمويه، والدمج. لذلك على الدول أن تلتزم بإدارة المخاطر باحترافية، وتوفير رؤية مالية صحيحة، والنظر إلى البيتكوين وشركائها بعين الاعتبار، حتى لا تكون العملات المشفرة أداة رئيسية في تمويل الإرهاب وغسل الأموال في عملية خلط الأوراق المالية العالمية.