استضافت قاعة «ملتقى الإبداع»، ضمن فعاليات الدورة السابعة والخمسين لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، ندوة لمناقشة رواية «قبو الوراق»، للكاتبة فاطمة ناعوت، أدارها الكاتب شعبان يوسف، بمشاركة الدكتورة فاطمة الصعيدي، رئيس قسم اللغة العربية بكلية الآداب جامعة حلوان، والدكتور مجدي نصار، الناقد والروائي، وحضور عدد من المثقفين والمهتمين بالشأن الأدبي.
في بداية الندوة، رحب الكاتب شعبان يوسف بالحضور، واصفًا معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين بالعرس الثقافي، والعيد الحقيقي للمثقفين ولقطاعات واسعة من الجمهور، مضيفًا: «في المعرض تتجلى الإبداعات بأشكالها ومحتوياتها المختلفة، دون تفرقة بين كاتب كبير أو متوسط أو شاب».
وتحدث «يوسف» عن علاقته بالكاتبة والشاعرة فاطمة ناعوت، قائلًا: «تابعت بداياتها الأولى، وتوقفت عند ديوانها الشعري الأول الصادر عام 2001، ومنذ البداية، لديها هاجس واضح يتعلق بالتعدد الثقافي والتعميق المعرفي».
وأضاف: «فاطمة ناعوت أبدعت في مجالات متعددة، من الشعر إلى الصحافة والترجمة، قبل أن تخوض كتابة الرواية، وهي مغامرة كبيرة وصعبة، لأن الرواية تفرض نفسها على الكاتب، وهو ما حدث مع فاطمة ناعوت، التي فرضت الرواية ذاتها عليها».
وأعتبر أن «قبو الوراق» ليست خروجًا عن المشروع الأدبي لفاطمة ناعوت، بل امتداد طبيعي له، مضيفًا: «لا نجد في هذه الرواية البطل التقليدي كما في أعمال نجيب محفوظ أو خيري شلبي، بل نجد شخصيات مختلفة تقودها رؤية فنية تنتمي إلى مفاهيم حداثية وسريالية وواقعية جديدة، ترى أن حكاية البطل لم تعد ملهمة كما كانت، وأن الإنسان هو انعكاس لمجموعة من السلوكيات والأفعال، لا مجرد بطل بمواصفات جاهزة».
وأرى أن فكرة المكتبة والبحث عن الكتابة تمثل محورًا أساسيًا في الرواية. والكتاب هنا لا يُقرأ فقط، بل يقرأ القارئ ويؤثر فيه، عبر فكرة البحث والتأمل، مضيفًا: «الرواية نتاج مفهوم فني وأدبي طويل»، موجّهًا التحية لفاطمة ناعوت، وللدكتورة فاطمة الصعيدي، والدكتور مجدي نصار.
من جانبها، قالت الدكتورة فاطمة الصعيدي إن هذه الأمسية الدافئة في معرض الكتاب، وفي شهر يناير تحديدًا، لها خصوصية، خاصة مع وجودها في «ملتقى الإبداع»، وبمشاركة شعبان يوسف ومجدي نصار وفاطمة ناعوت.
وطرحت رئيس قسم اللغة العربية بكلية الآداب جامعة حلوان سؤالًا محوريًا: ماذا تريد فاطمة ناعوت من هذه المغامرة الروائية؟ قبل أن تعقب: ېالرواية تأخذنا في رحلة حب بين الخرف والصوت، حيث يتحول الخرف إلى رمز كتابي، بينما يمثل الصوت منطوق الحرف».
وأضافت: «الرواية تطرح أسئلة جوهرية حول الكتابة والكلام: لماذا نكتب؟ ولماذا نتكلم؟ وهل كل كلام مفيد؟»، معتبرة أن «فاطمة ناعوت تقدم كلامًا شديد الفائدة، لكنها تضعه في شرط السؤال والتأمل».
وواصلت: «الرواية تأخذ القارئ في رحلة بين المكان والتاريخ، بين القبة والقلب، حيث تتجاور الأزقة والروح، وتتشابه دهاليز المدينة مع دهاليز النفس، وهي أيضًا بمثابة رحلة ذهنية في المقام الأول، تعتمد على صوت السارد المتكئ على فعل الحكي».
وتوقفت د. «فاطمة» عند مفهوم «النسخ» في الرواية، موضحة أن النسخ لا يعني فقط النقل، بل الإزالة والإضافة في آن واحد، وهو ما يظهر في حركة السرد بين الماضي والحاضر، وبين الشبح والطيف، مضيفة: «الرواية تؤرخ للثورة بطريقة ذهنية ذكية، دون أن يذكر السارد اسم الثورة صراحة، لكنها تظل حاضرة في نسيج النص».
وأكملت: «(قبو الوراق) رواية يمكن قراءتها أكثر من مرة، وتحتاج إلى قراءات عميقة، لأن فاطمة ناعوت تعرف جيدًا أن القارئ لن يصل إلى أغوار النص إلا عبر التأمل وفهم الأمثال والدلالات التي تطرحها».
وتوقفت عند دلالة «الوراق» باعتباره مهنة نبيلة لها تاريخها واحترامها، موضحة الفرق بين «الوراق» و«الكاتب» و«الناسخ»؛ فالكاتب يكتب من أفكاره، والوراق أشبه بالناشر، أما الناسخ فلا توجد نسخة لديه تشبه الأصل، لأن كل نسخة تحمل اختلافًا.
وأشارت إلى صعوبة صوت «القاف» في اللغة العربية، معتبرة أن اختيار فاطمة ناعوت لحرف «القاف» في عنوان الرواية لم يكن اعتباطيًا، حيث افتتحت العنوان بـ«القاف» وانتهت به، كقوسين يحتضنان المشاعر والتاريخ المختبئ في السراديب، قبل أن تثير الانتباه إلى التشابه بين «القبو» و«القلب»، فكلاهما مليء بالأسرار التي لا يمكن كشفها بالكامل.
وأشادت كذلك بغلاف الرواية، وبدلالة الباب والحروف المتناثرة عليه، معتبرة أن الكلمات المعلقة على الغلاف توحي بالقدر والوعظ، ومشيرة إلى أن الكتابة في الحضارات القديمة كانت فعلًا مقدسًا، وأن فاطمة ناعوت قامت بالجمع والتسجيل والرسم بالحروف، موظفة المعارف داخل النص، ما يجعل الرواية قابلة للانتقال عبر الأجيال، حيث يفسر كل جيل النص بطريقته الخاصة.
وتحدثت عن تقسيم الرواية إلى 33 مشهدًا، وما يحمله من دلالات روحية وعالمية، معتبرة أن «فاطمة ناعوت لم تختر شيئًا في روايتها بشكل غير مدروس. والطابع السينمائي لتقسيمها واضح، إذ وضعت عنوانًا لكل مشهد، وكتبت مشهدًا قبل الأخير وآخر أشبه بـ(التتر)، مع حرصها على عدم الإطالة حتى لا يشعر القارئ بالملل».
وقالت الدكتورة فاطمة الصعيدي إن السمات اللغوية في الرواية تتسم بالمشهدية، حيث تؤخر الجملة الفعلية أحيانًا، وتقدم مكملات الجملة لترسم الصورة قبل وقوع الفعل، معتبرة أن فعل السرد هنا حدث دائم ومستمر.
وأشارت إلى استخدام النفي، والحلم غير المكتمل، واللغة الشعرية، وعلامات الترقيم، بوصفها أدوات دلالية، مؤكدة أن «الرواية تقول ما لم يذكره التاريخ، وتعيد الاعتبار للغة بوصفها ذاكرة لا تستسلم للمحو».
بدوره، قال الدكتور مجدي نصار إنه سعيد بمناقشة هذه الرواية، معتبرًا أنها عمل غرائبي يحتاج إلى إعادة قراءة واستكشاف، نظرًا لكثافة استعاراته وتعقيد رموزه.
وأضاف «نصار»: «الرواية تضع اللغة في مسارها البشري والبصري قبل الكتابة، وتعيد استحضار مصر قبل الثورة، وقبل أن يصبح الإنسان كلمة يمكن الاستغناء عنها».
وواصل: «الرواية تستعيد مصر عبر اللغة والرمز»، مستشهدًا بحرف النون المقلوب، وبشخصيات مثل «يوسف الوراق» و«سليم» و«ربا»، معتبرًا أن الاستعارة الرئيسية في الرواية تعمل على كل عتبة من عتبات النص. كما أن الشعر هنا يخدم السرد، بينما العالم الروائي مكتمل ومغلق على ذاته.
وأكمل: «الرواية تؤكد أن النصر يكمن في الحب، وأن الصراع الحقيقي هو بين الكتابة والمحو، والوجود والنسيان»، معتبرًا أن فاطمة ناعوت انتصرت للنطق، واستعادت الأسماء في مواجهة النسيان، قبل أن يتم بقوله: «الرواية تطرح سؤالًا دائمًا حول استعادة الوعي، وهل تحتاج إلى قارئ نخبوي، أم إلى قراءات متعددة».
وعاد الناقد شعبان يوسف للحديث، معتبرًا أن «قبو الوراق» رواية تحتاج إلى مداخل نقدية خاصة، بسبب تفكيكها اللغوي، وامتزاج الشعري بالسردي، مضيفًا: «ما طُرح من أفكار نقدية خلال الندوة يفتح المجال لكتابة دراسات أوسع، وربما كتاب كامل عن هذه التجربة الروائية».
وفي ختام الندوة، تحدثت الكاتبة فاطمة ناعوت عن تجربتها مع رواية «قبو الوراق»، كاشفة أنها بدأت التفكير في كتابتها منذ نحو 15 عامًا، وأن الناقد الراحل رجاء النقاش كان من أوائل من شجعوها على ذلك، رغم خوفها من عالم الرواية، الذي كانت تراه «معقدًا ومخيفًا». كما أشارت إلى أن الكاتب محمود سالم كان بمثابة «الأب الروحي» لها، وشجعها على خوض التجربة.
وأفادت فاطمة ناعوت بأن هاجسها الأساسي في الرواية هو «النسيان»، معتبرة إياه خصمها الأكبر في الحياة، وأن كثيرين يظنونها متعالية، لكنها في الحقيقة تميل إلى العزلة بسبب خوفها من فقدان الذاكرة.
وأضافت: «قراءتي لـ(جان بول سارتر)، وحديثه عن الذاكرة، كانت بمثابة عزاء لي»، مشيرة إلى أن الرواية انطلقت من سؤال النسيان بوصفه خطرًا يهدد الوطن الحقيقي داخل الإنسان.
وواصلت: «الرواية لا تنتمي إلى السياسة المباشرة، لكنها مشحونة برمز عالٍ وخوف عميق على مصر، مع إسقاطات بعيدة عن الثورة. كما أن الطابع الصوفي هو الغالب على العمل».
وتوقفت عند شخصية «الأبكم»، مؤكدة أنها الشخصية الموجودة على الغلاف. كما أن كل شخصيات الرواية لها دورات زمنية سابقة تتكرر كل 11 عامًا.
وعبرت عن سعادتها بآراء النقاد، ووصفت الرموز المطروحة في الندوة بأنها بديعة وساحرة، مؤكدة أنها حاولت الابتعاد عن الشعر أثناء الكتابة، دون قصد، لكن الطاقة الشعرية تسللت إلى النص رغمًا عنها، متسائلة عما إذا كانت هذه الطاقة ميزة أم عيبًا.
وأضافت أنها تميل إلى المدرسة القديمة، التي ترى الفن إيقاعًا بصريًا وسمعيًا، وأن العمارة هي أم الفنون، بينما جاءت السينما بوصفها الفن السابع المتأخر، حيث تتناغم جميع الفنون داخلها، متسائلة في الختام عما إذا كانت الذهنية قد دخلت الرواية فأحيتها أم لا.