«الاستثمار فى المستقبل» .. استراتيجية وطنية اتخذت فيها الدولة المصرية خطوات حثيثة وجادة لتعظيمها خاصة فى قطاع الاستثمارات الحيوية التى تخدم رؤية التنمية المستدامة التى تتحرك مصر فى إطارها وتحديدا الاستثمار فى تطوير قطاعها التعدينى ورفع مساهمته فى الاقتصاد القومى، ضمن استراتيجية شاملة لتطوير القطاع بمختلف أنشطته والتى تهدف إلى تحقيق أقصى استفادة ممكنة من ثروات مصر التعدينية، والعمل على زيادة القيمة المضافة منها وزيادة مساهمة النشاط التعدينى فى الناتج المحلى الإجمالى، بهدف تحويل مصر إلى مركز عالمى للتعدين.
تحركات الحكومة فى هذا الاتجاه بدأت بخطوات طموحة لتعظيم إيرادات قطاع التعدين الغنى بالذهب والفوسفات والمعادن النادرة، من خلال حزمة حوافز جديدة هى الأكبر من نوعها، تتراوح بين مزايا ضريبية وتسهيلات تمويلية وتبسيط للإجراءات، هذه الخطوات يراها خبراء الاقتصاد أنها تعكس تحولاً كبيراً فى رؤية الحكومة لقطاع التعدين الذى يسهم حالياً بنحو 1فى المائة من الناتج المحلى الإجمالى والمنتظر زيادته إلى ما بين 5 فى المائة و 6 فى المائة بحلول عام 2030.
الخطوات الحكومية لتعزيز الاستثمار فى هذا القطاع أكدها تقرير شامل لـ «معلومات الوزراء» أبرز أهمية المعادن الحرجة ودورها فى تشكيل الاقتصاد العالمى ودعم مسار التحول الطاقى العالمى، مؤكدًا أنها تمثل العمود الفقرى للصناعات الخضراء والتكنولوجيات النظيفة التى يعاد على أساسها تشكيل ملامح الاقتصاد العالمى الجديد.
وأوضح المركز أن العالم يشهد سباقًا متسارعًا نحو التحول إلى الطاقة النظيفة فى إطار مواجهة تحديات تغير المناخ، وهو ما أدى إلى تصاعد الطلب على مجموعة من المعادن الأساسية، فى مقدمتها الليثيوم والنيكل والكوبالت والنحاس والعناصر الأرضية النادرة، باعتبارها مكونات رئيسة فى تصنيع المركبات الكهربائية، وبطاريات تخزين الطاقة، وتوربينات الرياح، والألواح الشمسية.
كما أشار التحليل إلى أن المعادن الحرجة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بتحقيق أهداف التنمية المستدامة، خاصة ما يتعلق بتوفير الطاقة النظيفة، ودعم النمو الاقتصادى القائم على الابتكار، وتعزيز القاعدة الصناعية عالية القيمة، وخفض الانبعاثات الكربونية، وبيّن المركز أن مفهوم «المعادن الحرجة» يختلف من دولة لأخرى وفقًا لاعتبارات الأمن الاقتصادى والاستراتيجى، حيث تُعد حرجة عندما تكون ذات أهمية اقتصادية عالية وتصاحبها مخاطر فى سلاسل الإمداد، أو عندما تمتلك الدول ميزة استراتيجية فى السيطرة على إنتاجها واستخدامها لتحقيق ميزة تنافسية عالمية.
وأوضح أن تقنيات الطاقة المتجددة تتطلب عشرات المعادن المختلفة، حيث تحتاج السيارة الكهربائية إلى ما لا يقل عن 8 معادن أساسية، بينما تعتمد تقنيات الرياح والطاقة الشمسية على أكثر من 10 معادن رئيسة، كما تدخل هذه المعادن فى الصناعات الطبية والتكنولوجية المتقدمة.
كذلك، أكد التحليل أن الطلب على المعادن الحرجة شهد نموًا قويًا خلال عام 2024، إذ ارتفع الطلب على الليثيوم بنحو 30 فى المائة، وزاد الطلب على النيكل والكوبالت والجرافيت والعناصر الأرضية النادرة بنسب تراوحت بين 6 فى المائة و8 فى المائة، مدفوعًا بالتوسع فى استخدام المركبات الكهربائية وتقنيات الطاقة النظيفة.
ووفقًا لبيانات وكالة الطاقة الدولية لعام 2025، فإن سيناريو الوصول إلى صافى انبعاثات صفرية بحلول 2050 سيؤدى إلى قفزة غير مسبوقة فى الطلب على المعادن الحرجة، لتصبح الطاقة الشمسية والرياح والمركبات الكهربائية مكونات رئيسة فى هيكل الطاقة العالمى.
واستعرض المركز حجم الطلب على المعادن وفقًا لأبرز الصناعات الخضراء، حيث جاء الجرافيت فى مقدمة المعادن المطلوبة لصناعة المركبات الكهربائية بنسبة 43.7 فى المائة، يليه النحاس بنسبة 25.9 فى المائة، بينما تصدر الزنك قائمة المعادن اللازمة لتقنيات طاقة الرياح بنسبة 48.6 فى المائة، والنيكل لتقنيات الهيدروجين بنسبة 87.4 فى المائة.
ولفت إلى أن الاستثمارات فى استكشاف المعادن الحرجة شهدت تباطؤًا خلال 2024 نتيجة حالة عدم اليقين الاقتصادى، حيث ارتفع الإنفاق بنسبة 5 فى المائة فقط مقارنة بـ14فى المائة فى 2023، مع تراجع الاستثمارات فى بعض المعادن مثل النيكل والكوبالت والزنك.
وأكد مركز المعلومات أن التوسع فى الصناعات الخضراء القائمة على المعادن الحرجة يسهم فى تحقيق الاستدامة البيئية وتوفير فرص عمل جديدة وزيادة الاستثمارات، لكنه فى الوقت نفسه يتطلب التعامل مع تحديات تتعلق بمخاطر الإمداد وتقلبات الأسعار والاضطرابات الجيوسياسية.
وشدد على أهمية تعزيز التعاون الدولى لزيادة المعروض من المعادن الحرجة، وتحسين مرونة سلاسل الإمداد، وتسهيل نقل التكنولوجيا، داعيًا الدول النامية الغنية بهذه الموارد إلى تعظيم استفادتها من خلال تطوير قدراتها التعدينية والصناعية وتعزيز فرص التصنيع الوسيط والنهائى.
بدوره، أكد على الإدريسى، أستاذ الاقتصاد الدولى، أن تلك الخطوات الحكومية سواء التشريعات أو الحوافز التى تقدمها للمستثمرين تعكس تحولاً كبيراً فى رؤية الدولة لقطاع التعدين، لافتاً إلى أنها أكبر حزمة حوافز استثمارية فى تاريخ هذا القطاع الحيوى، بهدف جذب رؤوس أموال جديدة والاستفادة من ثروات طبيعية تُعد من الأعظم فى المنطقة.
«الإدريسى»، أشار إلى أن هذه الخطوات تعزز جدوى الاستثمار فى مراحل البحث الأولية وتخفيف الأعباء المالية على المستثمرين، وتعزز قدرة مصر على المنافسة فى سوق عالمى يشهد طلباً متزايداً على الذهب والفوسفات والمعادن النادرة، خاصة مع التوجه العالمى نحو الصناعات الخضراء والرقمية التى تعتمد بشدة على المعادن الاستراتيجية، مؤكدًا أن نجاح الحوافز سيسهم فى رفع إيرادات الدولة من العملات الأجنبية، وتوسيع الطاقة الإنتاجية، وخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة فى مناطق واعدة مثل الصحراء الشرقية وسيناء.
وأضاف أنه رغم اتخاذ العديد من الإجراءات الإيجابية إلا أنه لا يزال قطاع التعدين يواجه بعض التحديات، أبرزها الحاجة إلى مزيد من الشفافية فى تخصيص الامتيازات، تطوير البنية التحتية فى مناطق التعدين، وتوفير بيانات جيولوجية أكثر عمقاً للمستثمرين، كما أن المنافسة الإقليمية الشرسة تتطلب استقراراً تشريعياً طويل المدى للحفاظ على ثقة الشركات العالمية ، مشيرا إلى أن الحوافز الجديدة وتلك الخطوات تمثل فرصة حقيقية لإعادة وضع مصر على خريطة التعدين العالمية، وإذا نجحت الدولة فى معالجة التحديات التنفيذية، فقد يصبح قطاع التعدين أحد أهم روافد الدخل القومى خلال السنوات المقبلة.
وفى ذات السياق، قال الدكتور تامر أبو بكر، رئيس غرفة البترول باتحاد الصناعات، إن مصر تمتلك مقومات قوية تؤهلها لتكون لاعبا مهمًا فى مجال التعدين والمعادن الأرضية النادرة أو ما يطلق عليها الحرجة، وعلى رأسها الموقع الجغرافى المتميز والجيولوجيا المعروفة تاريخيًا، إضافة إلى توافر الكوادر البشرية المؤهلة، والتحدى الحقيقى يكمن فى امتلاك التكنولوجيا اللازمة للاستخلاص والتصنيع.
وأوضح أن مصر تمتلك ثروة معدنية كبيرة تضم 17 نوعا من المعادن النادرة المصحوبة بمعادن أخرى، مشيرا إلى أن الدولة لديها خبرات واعدة تؤهلها للتوسع بقوة فى مجال التعدين خلال الفترة المقبلة، وموضحا أن توطين الصناعة فى مصر يتطلب وجود قطاع تعدين قوى، مع الأخذ فى الاعتبار أن مساهمة التعدين حاليًا لا تتجاوز 1 فى المائة فقط من إجمالى الصناعة المصرية، وهو ما يستدعى اهتمامًا أكبر بهذا القطاع الحيوى.
وأشار إلى أن الدولة نجحت خلال السنوات الماضية فى إنشاء بنية تحتية قوية من طرق وخدمات أسهمت فى جذب الاستثمارات، مشددًا على أهمية تحديث الإطار التشريعى لقطاع التعدين وتحويل هيئة الثروة المعدنية إلى هيئة اقتصادية، بما يسهم فى جذب المستثمرين وتعظيم الاستفادة من الثروات المعدنية المصرية.
وأضاف أبو بكر، أن الدخول الحقيقى فى هذا القطاع يتطلب خطة زمنية واضحة من ثلاث مراحل، تبدأ بخطة قصيرة الأجل من عام إلى ثلاثة أعوام لبناء قواعد البيانات وجذب الشركات الصغيرة والمتوسطة للاستكشاف، تليها مرحلة متوسطة من 7 إلى 15 عامًا لتوطين التكنولوجيا، ثم مرحلة طويلة الأجل تتجاوز 15 عامًا لتحقيق صناعة تعدين متكاملة.
كما أوضح أن مصر تمتلك تواجدا فعليا للعناصر النادرة فى عدة مواقع، منها الرمال السوداء على امتداد نحو 400 كيلومتر بالساحل الشمالى، ومناجم الفوسفات مثل أبو طرطور، إضافة إلى مخلفات بعض الصناعات، مؤكدا أن المشكلة ليست فى وجود الخام بل فى القدرة على استخلاصه اقتصاديا، موضحا أن الهدف النهائى لا يجب أن يقتصر على تصدير الخام، بل تعظيم القيمة المضافة عبر التصنيع المحلى، مشيرا إلى أن تحويل المعدن الخام إلى منتج صناعى يمكن أن يضاعف قيمته عدة مرات، لافتا إلى أن نتائج أولية يمكن أن تظهر خلال 3 إلى 5 سنوات إذا جرى العمل بجدية، بينما تظل صناعة التعدين بطبيعتها استثمارًا طويل الأمد.
فى حين أكد الدكتور على عبدالنبى، خبير الطاقة، أن التعدين يحتاج إلى الاستثمار سواء كان المستثمر الخارجى أو المستثمر الداخلى، لافتًا إلى أن مصر لها باع كبير فى التعدين منذ مئات السنين، خاصة أنها غنية جدا بكل أنواع المعادن، مشيرا إلى أن مصر تمتلك بالفعل ثروة من الرمال السوداء فى رشيد، وفى الصحراء الشرقية والصحراء الغربية والمثلث الذهبى بداية من قنا حتى البحر الأحمر جميعها ممتلئة بالمعادن، كما أن التعدين يشمل البترول والغاز والذهب والحديد والنحاس وغيرها من المعادن التى وهبها الله لمصر، بالفعل لدينا مخزون كبير من المعادن، كما أن بيئة الاستثمار فى مصر أصبحت مشجعة لجذب المستثمرين الأجانب.
وأوضح، أن مصر تختلف عن أى دولة فى إفريقيا، إذ إن دول إفريقيا تفتقر إلى الإمكانات الكبيرة فى مجال التعليم من حيث الجامعات والخبرات، أما مصر فإنها تمتلك جامعات فى جميع الأفرع والمجالات، وتمتلك أيضا بيئة صالحة للاستثمار، حيث لديها طرق ومحاور عديدة تربط محافظات ومناطق الجمهورية ببعضها، لافتًا إلى أن الطرق والكبارى والمحاور بيئة خدمية مميزة للمستثمرين.
خبير الطاقة، أشار إلى أن التعدين يوفر مصادر كثيرة للعملة الصعبة للدولة المصرية، ولا بد أن نقوم بتصنيعه حتى يعطى للاقتصاد قيمة مضافة، مؤكدا أن التصنيع المحلى مهم جدًا، وتوطين صناعات التعدين داخل الدولة المصرية، حتى تكون الدورة مكتملة ويكون لدينا عائد كبير منها، موضحا أن التحركات الحكومية الأخيرة لتعظيم الاستثمار فى التعدين ومعادنه النادرة تأتى ضمن تحول شامل فى خطة الدولة التى تستهدف جذب المستثمرين المصريين والأجانب وزيادة مساهمة قطاع التعدين فى الناتج المحلى، بهدف تجاوز نسبة 1فى المائة خلال السنوات المقبلة.
كما لفت إلى أن الحوافز الأخيرة لتشجيع الاستثمار فى هذا القطاع تشمل خفض القيمة الإيجارية للتنقيب، والإعفاءات الضريبية، وتطوير الإجراءات التشريعية، وتسهيل إصدار تصاريح الاستخراج، مؤكدًا أن هذه الخطوات تعكس استراتيجية الحكومة لتعظيم القيمة المضافة من الذهب والمعادن النفيسة فى مصر، كما أن إطلاق البوابة الرقمية للمناطق التعدينية يمثل تطورا مهما لجذب الشركات العالمية، إذ يوفر للمستثمرين المعلومات والبيانات مباشرة قبل بدء عمليات الاستكشاف، ما يسهل التخطيط ويسرّع اتخاذ القرارات الاستثمارية.
من جهته، كشف الدكتور رمزى الجرم، الخبير الاقتصادى، أن مصر تسعى خلال الفترة الحالية للاستغلال الأمثل للثروة المعدنية بشكل غير مسبوق، حيث تمتلك مصر الكثير من المعادن التى تتنوع من حيث الحجم والنوع والكم وأماكن التوزيع، سواء كانت خامات الطاقة، المتمثلة فى المواد البترولية والغاز الطبيعى، وتم استغلال هذه الإمكانات بشكل أفضل خلال الفترة القليلة الماضية، حتى أصبحت مصر ثانى أكبر دولة تحقيقا للزيادة فى إنتاج الغاز الطبيعى فى شمال إفريقيا والشرق والأوسط، بمعدل زيادة 36.5فى المائة خلال ثلاثة أعوام، بإجمالى إنتاج 63 مليار متر مكعب، أو كانت خامات الطاقة الصلبة، المتمثلة فى الخامات الكربونية من الفحم والطفلات الكربونية، فضلا عن الخامات المُشعة، كاليورانيوم المستخدم فى استخدامات الطاقة النووية، والرمال السوداء على طول الساحل الشمالى شرق الإسكندرية حتى العريش باحتياطى قدره 7 ملايين طن، بالإضافة إلى المعادن النفيسة من الذهب والفضة، الموجودة فى وادى العلاقى والسكري، بإجمالى 270 موقعا، تم استخدام 120 منها.
وأكد أن الدولة تستهدف الوصول بإسهامات قطاع التعدين إلى نحو 7 مليارات دولار، مع توفير نحو 110 آلاف فرصة عمل مباشرة، ومثلها أيضا، فرص عمل غير مباشرة، وذلك بعد التغلب على الكثير من المشاكل التى كانت تعترض سبل النمو مثل نظام الترخيص للمستثمر وإتاحة المعلومات، ونظام توزيع الأرباح والقصور التشريعى، حيث عالج القانون الجديد رقم 145 لسنة 2019، ولائحته التنفيذية، معظم هذه المشكلات.
وأضاف أن الحكومة تسعى إلى وضع رؤية استراتيجية شاملة لتطوير قطاع التعدين فى مصر، بهدف المساهمة فى اكتشاف مناطق الثروات المعدنية الكاملة، ما يؤدى إلى زيادة مساهمة القطاع فى الناتج القومى، حيث تستهدف استثمارات أجنبية مباشرة خلال عامين فى قطاع التعدين، بنحو 375 مليون دولار، وزيادة الاستثمارات المباشرة المتوقعة فى عام 2030 من 700 مليون دولار إلى مليار دولار.