رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

ما تيسر من سيرة الدكتور مراد وهبة (2) «تموت روحى بموت الفلسفة»


22-1-2026 | 19:40

.

طباعة
بقلم: حمدى رزق

عاش «ابن رشد» فى القرن الثانى عشر، وكان يرى أنه لا تعارض بين الدين والفلسفة، وإذا كان هناك من تعارض فالتعارض ظاهرى بين ظاهر نص دينى وقضية عقلية ونستطيع حله بالتأويل، يقول عنه المستشرق الإسبانى البروفيسور «ميغيل هرنانديز» إنه «سبق عصره، بل سبق العصور اللاحقة كافة، وقدم للعلم مجموعة من الأفكار التى قامت عليها النهضة الحديثة».

 

يعتبر «ابن رشد» أفضل فيلسوف أنتجته الحضارة الإسلامية، اعترف بحق الاختلاف وبالحق فى الخطأ، كما أنه المترجم والشارح الأكبر لنظريات «أرسطو».

قبل أن يموت «ابن رشد» تم اتهامه بالكفر والضلال والمروق عن الدين، وذلك بسبب وشاية من خصومه، فتمت محاكمته، ولعنه الحاضرون، وتم نفيه إلى قرية لا يسكنها غير اليهود، وأمر الخليفة يعقوب المنصور بحرق جميع مؤلفاته الفلسفية ومنعه من الاشتغال بالفلسفة والعلوم ما عدا الطب، وعند موته قال كلمته المأثورة: «تموت روحى بموت الفلسفة».

كان السبب الحقيقى للمحاكمة يقوم فى جوهره على خلفية موقفه من فقهاء عصره الذين قال عنهم: «ظاهر من أمرهم أن مرتبتهم مرتبة العوام وأنهم مقلدون.. والفرق بين هؤلاء وبين العوام أنهم يحفظون الآراء التى للمجتهدين فيخبرون بها العوام من غير أن تكون عندهم شروط الاجتهاد، فكأن مرتبتهم فى ذلك مرتبة الناقلين عن المجتهدين».

وبالرغم من مكانة «ابن رشد»، إلا أنه ما زال حتى الآن هامشيًا، لن تجد له أى كتاب، ففى مؤلف «تاريخ الفلسفة الإسلامية» للفرنسى «هنرى كوربان» يؤكد أن «ابن رشد» هامشى فى الحضارة الإنسانية. أصبح الآن العالم الإسلامى محكومًا بابن تيمية الذى يرفض إعمال العقل ويرسخ للسمع والطاعة.

هذه القاعدة اجتهد طيب الذكر الدكتور «مراد وهبة» ما استطاع عكسها بإعمال العقل من أجل إنقاذ العالم الإسلامى من التخلف، مثلما أنقذ «ابن رشد» الحضارة الغربية من تخلفها فى العصور الوسطى.

ماذا حدث هناك؟

كان الملك «فريدريك الثاني» منحازًا إلى (طبقة التجار) التى نشأت فى أوروبا ودخلت فى صراع مع (الطبقة الإقطاعية) التى كانت تسندها (السلطة الدينية)، فأشار عليه مستشاروه من المفكرين أنه إذا أراد أن يكسب المعركة فعليه بترجمة مؤلفات «ابن رشد»، وبالفعل أصدر قرارًا سياسيًا بالترجمة، من هنا تتضح العلاقة العضوية بين السياسة والفلسفة، الفيلسوف لا بد أن يكون سياسيًا.

سألت الدكتور مراد، هل تريد قرارًا سياسيًا بإعادة إحياء ابن رشد؟

أجاب بحماسة (نعم..)

وبحسم: بدون قرار سياسى لن يحدث!

يقول: لابد أن تكون السلطة السياسية متواجدة فى الصورة، فى أوروبا كان هناك طبقة تجار أيدها فريدريك.

إذن أى طبقة نريدها نحن؟

يجيب د. مراد: نريد طبقة برجوازية مستنيرة، وهى ما تسمى هنا قطاع رجال الأعمال. هذه الطبقة لا تنمو ولا تزدهر إلا بوجود إطار عقلاني، أما إذا لم يتوافر هذا الإطار، تصبح هذه الرأسمالية طفيلية وليست مستنيرة، إذن نحن مطالبون بنخبة تعمل على إفراز مناخ عقلانى يسمح بوجود الطبقة البرجوازية.

هل نمتلك هذه النخبة؟

هذه هى المعضلة فى رأى د. مراد، يقول: هذه النخبة فى حالة غيبوبة، تناقش أمورًا لا علاقة لها بالتنوير.

لا يعترف «مراد» بالنخبة الحالية، يعتبرها خائنة للمجتمع لأنها لا تتناول القضايا الجذرية، بل كلها صراعات شخصية على السلطة، قالها وما زال يكررها: «أكبر فئة خائنة للمجتمع هى المثقفون»..!

وكيف نتخلص من ملاك الحقيقة؟

سألت د. مراد فأجاب: أن تكون النخبة على وعى بحقيقة الصراع.. لكن هل يعقل أن النخبة لا تمتلك هذا الوعى أم أنها منشغلة بنفسها عن هذا الصراع؟

يقول د. مراد: علينا أن نسأل المثقفين ما رأيكم أن يكون ابن رشد هو المنقذ وليس ابن تيمية؟!

كم سنة نحتاج للتخلص من الأصوليين ملاك الحقيقة المطلقة؟

يجيب د. مراد: أوروبا أخذت 400 سنة حتى تتخلص من العصور الوسطى، وعندما فكرت فى حالنا ضربت الأربعمائة سنة فى أنفسهم لتصبح النتيجة 1600 سنة، لأن النقلة لديهم كانت كيفية، من إصلاح دينى وتنوير وثورة علمية وتكنولوجية، أما نحن فنريد قفزة عقلية لكى نعبر هذه الفترة الزمنية.

نعود مرة أخرى للدوران فى نفس الدائرة المفرغة.. كيف نحقق القفزة العقلية إذا كانت النخبة خائنة؟!

من جانبها تقول النخبة أننا نحملها أكثر مما تحتمل! وهذا يعنى عند د. مراد أنها نخبة مريضة، يقول: النخبة فى أوروبا استطاعت نقلها من العصور الوسطى، هناك اثنان من الفلاسفة هما الفرنسى «رينيه ديكارت» والإنجليزى «فرانسيس بيكون»، للذان يعتبران من قاما بهذه النقلة، «بيكون» قال يجب أن نحرر العقل من الأوهام لكى نتقدم، أما ديكارت فقال نحن مغيبون وعلينا أن نتحرر، وقدم منهجًا بأربعة قواعد؛ الأولى تقول: «لا أسلم بفكرة إلا إذا كانت واضحة ومتميزة»، وهذه قاعدة ثورية، فاشتغلت أوروبا على توضيح الفكرة، وكلما وجدت غموضًا أزاحته.. إنها قوة النخبة التى استطاعت إنقاذ أوروبا.

لماذا تأتى الحلول دائمًا بالعودة إلى الوراء؟ لماذا ما زلنا نبحث عن ابن رشد؟

تتسع عينا د. مراد دهشة: نحن بالفعل نعيش فى القرن الثالث عشر، ولم نعد إليه، العودة تكون حقيقية إذا كنا نعيش فى القرن الواحد والعشرين! كيف ندعى أننا نعيش فى القرن الواحد والعشرين إذا كان رئيس الجامعة طلب منى عدم التدريس لأن الطلبة لا ينامون بسبب الأفكار التى أدرسها..!

عندما عقد د. مراد مؤتمرًا دوليًا عام 1994 عن (ابن رشد والتنوير)، كان هناك بحث مقدم من مستشرق بلجيكى يدعى «جيرار فيربيكه»، بعنوان «ابن رشد والعقل الأوروبي»، قال فيه إن ابن رشد عقليته أوروبية وليست إسلامية، فطلب د. مراد من أساتذة الفلسفة الإسلامية أن يردوا على المستشرق البلجيكي، فلم يستجيبوا للرد، لأن ابن رشد هامشي، فلتأخذه أوروبا!

إنه ابن تيمية الذى يصر على تكبيل أقدامنا، والذى يؤكد «د. مراد» عدم وجود منافس له، سيد قطب والمودودي، حتى الخمينى الشيعي، جميعهم أبناء ابن تيمية..

الخلاصة: ابن رشد لن يحل لنا كل مشاكلنا لكنه فقط نقطة البداية، هناك تيار نشأ فى أوروبا يسمى «الهيرمونيطيقا» بمعنى علم التأويل جاء من الرشدية اللاتينية. المهم فى رأى د. مراد أن تكون نقطة البداية سليمة حتى نستطيع أن نتطور.

 
 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة