رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

حلم «يوليو الصناعى» يتحقق فى «الجمهورية الجديدة»


15-1-2026 | 18:56

.

طباعة
تقرير: محمد رجب

على مدار سبعين عاما، ظلّت الصناعة واحدة من أهم ركائز وأعمدة الاقتصاد المصرى، تعكس فى مسارها تقلبات السياسة وتغيّر الرؤى الاقتصادية من عهد إلى آخر ومن رئيس إلى آخر، وانطلقت ملامح تطور الصناعة فى مصر منذ خمسينيات القرن الماضى ومستمرة حتى اليوم، بدأت من مصانع عبدالناصر التى ولدت من رحم الحلم القومى بالاستقلال، وصولا إلى المشروعات الصناعية الحديثة فى عهد الرئيس السيسى التى تسعى لتحويل مصر إلى مركز إقليمى للإنتاج والتصدير، حيث انطلق الحلم ببناء مئات المصانع فى مختلف القطاعات.

 

وكان من أهم المصانع فى عهد عبدالناصر، شركة الحديد والصلب المصرية بحلوان، التى افتتحها فى 27 يوليو 1958، لتكون أحد أهم معاقل الصناعة الثقيلة فى الشرق الأوسط، ثم فى عام 1960 شهدت مصر ميلاد شركة النصر لصناعة السيارات كأول شركة لصناعة وتجميع السيارات فى العالم العربى، كما افتتح عبدالناصر فى 22 يوليو 1962 مصنع الطائرات بحلوان الذى شهد إنتاج المقاتلة المصرية «القاهرة 300» ومحركها النفاث المحلى E300.

واستكمالًا لمسيرة التصنيع، تم إنشاء مجمع الألومنيوم بنجع حمادى فى 23 يوليو 1969، ليصبح من أضخم المشروعات الصناعية فى صعيد مصر، وفى 22 مارس 1956، تأسست شركة كيما للكيماويات بأسوان، كمصنع رائد فى إنتاج الأسمدة والكيماويات، لتشكل هذه المشروعات وغيرها جزءا من منظومة متكاملة أسفرت عن إنشاء نحو 1200 مصنع خلال عقدين فقط، لتتحول مصر من دولة زراعية إلى قوة صناعية صاعدة فى العالم الثالث.

حقبة ذهبية

يرى عدد من خبراء الصناعة والاقتصاد، أن مشروع عبدالناصر الصناعى -رغم التحديات- مثّل حقبة ذهبية فى تاريخ الصناعة المصرية، حيث زرع البذرة الأولى لفكرة الاكتفاء الذاتى وتحقيق السيادة الاقتصادية وسط ظروف عالمية فى غاية الصعوبة، وفى الوقت حينه أعاد إحياءها الرئيس عبدالفتاح السيسى منذ أن تولى الحكم فى 2014، حيث شهد القطاع الصناعى فى مصر طفرة غير مسبوقة على مستوى عدد المصانع والتوسع فى البنية التحتية الصناعية والتكنولوجية، وتبنّت الدولة خطة طموحة لتحقيق التنمية الصناعية الشاملة، تضمنت إنشاء أكثر من 4382 مصنعا جديدا منذ يوليو 2024 فقط، مع خطة للوصول إلى 100 ألف مصنع بحلول عام 2030.

من جانبه، يرى خبير الاقتصاد الدولى الدكتور أحمد سعيد، أن مرحلة الرئيس جمال عبدالناصر شكلت نقطة الانطلاق الحقيقية لبناء الأساس الصناعى فى مصر، بعدما وضعت حدا لسياسات الاستنزاف المنهجى لثروات البلاد التى سادت خلال فترات الاحتلال الأجنبى، مبينا أن القوى الاستعمارية نهجت تصدير المواد الخام المصرية مثل القطن والذهب بأسعار متدنية، ثم تعيد استيرادها فى صورة منتجات مصنّعة بأسعار مرتفعة، ما حرم مصر من عوائد القيمة المضافة المستحقة لها، مشيرا إلى أن أخطر صور هذا الاستنزاف تمثلت فى إهدار العنصر البشرى، حيث سعى الاحتلال إلى تهجير العمالة الماهرة للخارج، مع تعمد إضعاف منظومة التعليم داخل البلاد.

ولفت الخبير الاقتصادى إلى أنه بحلول عام 1952 لم يكن فى مصر سوى جامعتين فقط، رغم أن عدد السكان آنذاك كان يناهز 20 مليون نسمة، مؤكدًا أن هذه السياسات الاستعمارية كانت تستهدف تفريغ مصر من كوادرها العلمية والمهنية، لضمان بقائها فى دائرة التبعية والتخلف، منوها «الى أن ثورة يوليو من هذا المنطلق الإصلاحى أطلقت أكبر عملية تصنيع شهدتها مصر فى تاريخها الحديث، حيث تم إنشاء المئات من المصانع فى مختلف المجالات بدءاً من الصناعات الغذائية والنسيجية وصولاً إلى الصناعات الثقيلة مثل الحديد والصلب.

وأوضح «سعيد» أن هذه الحقبة حققت قفزة نوعية فى مؤشرات التنمية البشرية من خلال سياسات مجانية التعليم التى وسعت قاعدة المستفيدين، وتطوير النظام الصحى عبر إنشاء المستشفيات والوحدات الصحية فى القرى، وبرامج الإسكان الاجتماعى التى وفرت سكناً لائقاً للفئات محدودة الدخل، كما ساهمت هذه السياسات فى تحسين مستوى معيشة المواطن المصرى ورفعت من مؤشرات التنمية البشرية فى البلاد.

أما المهندس محمد البهي، الخبير الصناعي، فأكد أن قطاع الصناعة فى مصر يشهد حاليا طفرة غير مسبوقة بفضل الرؤية الاستراتيجية للقيادة السياسية، مشددا على أن الدولة المصرية خرجت من الأزمات المتلاحقة التى شهدها العالم وهى «رابحة»، وبدأت الصادرات المصرية تشهد حركة ونموا واضحا نحو الأسواق العالمية، مشيرا إلى أن تحقيق نهضة صناعية كان ولا يزال على رأس أولويات الرئيس عبدالفتاح السيسى منذ ولايته الأولى، استكمالًا للرؤية التى وضع أسسها الرئيس جمال عبدالناصر فى خمسينيات القرن الماضي، مع التركيز بشكل خاص على «التوسع الأفقي» ودعم الصناعات الصغيرة والمغذية التى ترفع من القيمة المضافة وتقلل تكلفة الإنتاج وتزيد من الاعتماد على المكون المحلى.

وأشاد الخبير الصناعى بالدور المحورى الذى يقوم به الفريق كامل الوزير، نائب رئيس مجلس الوزراء للتنمية الصناعية، فى إحداث طفرة تشريعية حقيقية، وسرعة التعامل مع مطالب المصنعين، مؤكدًا أن قرارات منع غلق المصانع وتوحيد جهات الولاية والرقابة أسهمت فى استعادة ثقة الصناع وجذب المستثمرين الأجانب، كما شدد على أهمية أدوات تحفيز الاستثمار، وفى مقدمتها «الرخصة الذهبية»، والحوافز والإعفاءات الضريبية، إلى جانب وثيقة سياسة ملكية الدولة، باعتبارها آليات فعالة لتحسين مناخ الأعمال، فضلا عن مبادرات تمويل المصانع بفائدة ميسرة تبلغ 5فى المائة، والتى ساعدت على تعزيز السيولة ودعم التدفقات النقدية للقطاع الصناعى.

وأشار «البهي» إلى أن الطفرة الكبيرة فى شبكة الطرق والكبارى وتوسعة الموانئ، ساهمت بشكل مباشر فى خفض كلفة الإنتاج، وقلصت من زمن نفاد الصادرات للأسواق الخارجية، مما يرسخ مكانة مصر كمركز لوجستى عالمى يربط بين الشرق والغرب، لافتا إلى أهمية إطلاق «منصة مصر الصناعية الرقمية» التى تهدف لميكنة كافة الإجراءات وربط الجهات المعنية، مما يتيح للمستثمر الحصول على المعلومات والخدمات بشكل لحظى، مشددا على أن عام 2026 سيمثل مرحلة «جنى الأرباح» بعد سنوات من البناء والإنفاق الاستثمارى والتشريعى.

قلاع صناعية

فيما أكد المهندس عبدالغنى الأباصيرى، عضو غرفة الصناعات النسيجية بالاتحاد العام للغرف التجارية، على أهمية التنمية المستدامة للاقتصاد المحلى ودور المستثمرين المصريين فى تحقيق هذا الهدف من خلال إحياء القلاع الصناعية التى تأسست فى عهد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر و كانت متوقفة لسنوات، مشيرا الى أن عودة القلاع الصناعية التى أنشئت فى عهد عبدالناصر قرار حكيم من الدولة المصرية، وجاء تنفيذا لتوجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسى بشأن دعم القطاع الصناعى وتخفيف الأعباء التى يتحملها المستثمر وخلق مناخ استثمارى جاذب، باعتبار أن قطاع الصناعة قاطرة التنمية وازدهاره يعنى توفير منتجات محليه بأسعار مناسبة للمستهلكين وبالتالى تعظيم عوائد الاقتصاد الوطنى.

ولفت «الأباصيرى» إلى أن فكرة إنشاء المدن السكنية بجوار المدن الصناعية هو إنجاز يحسب للدولة وأحد أسباب النجاح فى توطين الصناعة وكان قد بدأه أيضا عبدالناصر، ويعتبر عنصرا مهما يؤخذ فى الاعتبار فى المدن المستقبلية، حيث أثبت الواقع نجاحه كما هو الحال فى جميع المدن كالعبور، السادات، 6 أكتوبر، العاشر من رمضان وحالياً 15مايو، حيث تكون العمالة متوافرة وقريبة من أماكن العمل، مشيرا الى أن صناعة الغزل والنسيج التى تسعى الدولة المصرية لإعادة إحيائها عبر خطة طموحة لتحولها إلى أكبر مركز إقليمى للغزل والنسيج بحلول عام 2030، هو مشروع كبير خاصة أن مصر تمتلك قلاعا صناعية كبيرة وتمتلك مقومات الإنتاج بمختلف أدواته قائمة منذ خمسينيات القرن الماضي، لاسيما قطاع الغزل والنسيج الذى ظل متربعا على عرشه لفترات طويلة حتى كان القطن المصرى يلقب قديما بالذهب الأبيض.

أما المهندس على سليم، عضو اتحاد الصناعات، فأوضح أن الصناعة المصرية شهدت اهتماما غير مسبوق خلال عهد الرئيس عبدالفتاح السيسي، نظرا لأن الصناعات التصديرية تمثل مستقبل التنمية الحقيقية فى مصر، إذ توفر العملة الصعبة اللازمة لاستيراد الأساسيات ومعدات الإنتاج، خاصة فى ظل الزيادة السكانية ومحدودية الأراضى الزراعية، مشيرا إلى أن الحوافز التى منحتها الدولة للقطاع الصناعى فى قانون الاستثمار الجديد رقم (72) لسنة 2017، شملت إعفاءات ضريبية تصل إلى 50 فى المائة من قيمة المشروع، وفتح المجال للأجانب لتملك المشاريع بالكامل وتحويل الأرباح للخارج، بالإضافة إلى تطبيق سياسة «الشباك الواحد» وتفعيل لجان فض المنازعات، بما يسهم فى تيسير الاستثمار وتحفيز نمو الصناعة.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة