رحلة طويلة تقطعها مقتنيات أثرية فريدة ومميزة. تم اختيارها بدقة فائقة. تحمل رسائل واضحة وجذابة. كى تعيد رسم صورة مغايرة لمصر كدولة تملك قوى ناعمة تؤكد على مكانتها وسط غيرها من دول العالم القديم. فهى حضارة إنسانية لم تكن يومًا حبيسة زمنها. ولا أسيرة موقعها الجغرافى. قامت بتشييد المعابد على ضفاف النيل، وارتفعت بالمسلات لتخاطب السماء، لتكتب بتاريخها رسالة أوسع من حدود الزمان والمكان. لتظل حضارة مصر القديمة بعد آلاف السنين عالمية تتخطى كل الحدود. تعبرها بآثارها ونقوشها ولغتها وعقيدتها من خلال معارض أثرية مؤقتة تجوب العواصم الكبرى. تحمل معها سردية متجددة عن مصر صاحبة التاريخ الحى والماضى المتجدد دومًا.
خلال الشهور الأخيرة، طاف عدد من معارض الآثار المصرية المؤقتة حول العالم. ونجحت فى اجتذاب عشاق الحضارة المصرية فى كل مكان بشكل تجاوز كل التوقعات، وهو ما بدا وسط طوابير الجمهور الممتدة أمام بوابات قاعات العرض وسط العواصم من روما إلى طوكيو وأعاد إلى الأذهان حالة الهوس بالحضارة المصرية القديمة، والذى ازداد اشتعالاً خلال عام 2025، وبات أكثر عمقًا وتأثيرًا مع بدايات 2026.
هناك وسط عدد من مدن العالم، روما، هونج كونج، طوكيو، اصطف الزائرون أمام قاعات العرض لا بدافع الفضول السياحى فقط، بل بحثًا عن إجابات أقدم وأعمق من ذلك بكثير يبحثون عن إجابات عن تساؤلات جدلية. كيف صاغ المصرى القديم معتقداته وفلسفته وأفكاره؟ كيف رأى العالم الآخر والحياة بعد الموت؟ وكيف صاغ علاقة متوازنة بين السلطة، والدين، والفن؟
وهو ما بدا وسط العاصمة الإيطالية روما منذ افتتاح معرض «كنوز الفراعنة» فى أكتوبر الماضى. الذى اجتذب أكثر من 120 ألف زائر وسط مدينة تعرف جيدًا معنى التاريخ والحضارات القديمة. وهو ما ظهر بوضوح فى أقصى الشرق أيضًا. عندما استقبل معرض «مصر القديمة تكشف عن أسرارها: كنوز من المتاحف المصرية» نحو 90 ألف زائر وسط مدينة هونج كونج منذ شهر نوفمبر الماضى، بينما يواصل معرض «رمسيس وذهب الفراعنة» نجاحه الكبير فى العاصمة اليابانية طوكيو. حيث زاره ما يقرب من 420 ألف زائر، فى واحدة من أكثر محطاته زخمًا منذ انطلاق جولاته خارج مصر.
أرقام الزائرين التى فاقت الآلاف والإيرادات التى تجاوزت ملايين الدولارات، فى حد ذاتها، ليست مجرد إحصاءات وإيرادات بل مؤشرات ثقافية تكشف عن مكانة مصر وسط دول العالم. وتؤكد على قدرة آثارنا على اجتذاب جماهير تنتمى إلى ثقافات بعيدة، قد تجد فى الحضارة المصرية إجابات للأسئلة الإنسانية الكبرى، عن فلسفة الموت والخلود، الحق والعدالة، والحياة ومفاهيمها.
«تجربة بصرية ومعرفية متكاملة تعتبر من أدوات الترويج غير التقليدى للمقاصد السياحية المصرية..» على حسب وصف شريف فتحى وزير السياحة والآثار. فمعارض الآثار الخارجية لم تعد مجرد نشاط ثقافى موسمى، بل تحولت إلى ركيزة أساسية فى استراتيجية الدولة المصرية للترويج للسياحة الثقافية، مرددًا بقوله: «تلك المعارض الثرية تسطيع أن تخاطب الجمهور فى بلاده، بلغته، وتحفز رغبته فى زيارة مصر واكتشاف مواقعها الأثرية على أرض الواقع..»، حيث إن المعارض الأثرية المؤقتة تتجاوز فكرة عرض القطع والمقتنيات على الشاشات الرقمية. وتمنح الزوار فرصة الوقوف وجهًا لوجه أمام قطعة أثرية صنعها المصرى القديم منذ آلاف السنين، ولا تزال تحتفظ بقدرتها على الإدهاش.
وبالتأكيد، فإن فن اختيار القطع الأثرية هو أحد أهم أسباب رواج أى معرض خارج مصر، وهو ما أكده الدكتور محمد إسماعيل خالد الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار بقوله: «نختار القطع ضمن سيناريو متحفى مدروس يراعى السياق التاريخى والحضارى لكل قطعة.. مع توضيح موقعها الأصلى داخل الخريطة الأثرية المصرية..»، حيث إن الربط بين القطعة المختارة ومكانها الأصلى يكشف عن علاقة الأثر والجغرافيا. بل يستطيع أن يحول زيارة المعرض إلى امتداد رمزى للمتحف داخل مصر. أى أنه يجعل كل زيارة خارجية ما هى إلا دعوة ضمنية لزيارة المواقع الأصلية.
ويعتبر معرض «كنوز الفراعنة» نموذجًا رائعًا لفكرة السرد المتعدد، حيث يضم نحو 130 قطعة أثرية مختارة بعناية من المتحف المصرى بالتحرير ومتحف الأقصر للفن المصرى. ويستعرض عدًاد من المحاور الأساسية فى الحضارة المصرية. فى مقدمتها فلسفة الملكية بوصفها نظام حكم، والبلاط الملكى كمركز للسلطة، والمعتقدات الدينية كمرتكز للحياة اليومية، والطقوس الجنائزية باعتبارها تعبيرًا عن الإيمان بالخلود.
فى حين يذهب معرض «مصر القديمة تكشف عن أسرارها» إلى أبعاد فلسفية مختلفة، إذ يضم 250 قطعة أثرية من متاحف مصرية متعددة. ليؤكد على أن الحضارة المصرية ليست حكرًا على موقع واحد أو عصر بعينه. بل هى نسيج متكامل يمتد من الدلتا إلى الصعيد، كما يستعرض عددًا من الاكتشافات الأثرية الحديثة من هضبة سقارة. ليؤكد على أن علم الآثار فى مصر لا يزال حيًا ومتجددًا وقادرًا على إضافة فصول جديدة إلى كتاب الحضارة.
وإن ظل معرض «رمسيس وذهب الفراعنة» حالة استثنائية منذ انطلاق جولته العالمية من مدينة هيوستن الأمريكية فى عام 2021. فهو ليس مجرد معرض مؤقت لعدد من القطع والمقتنيات الأثرية. بل نجح فى بناء سرد تاريخى حول شخصية ملكية استثنائية عبر تاريخ مصر القديم. وهى الحالة التى زادت عندما طاف عدد من المدن من سان فرانسيسكو وباريس وسيدنى وكولون وصولاً إلى طوكيو، حيث نجح فى إثبات أن الملك رمسيس الثانى ليس مجرد ملك مذكور فى كتب التاريخ، بل هو رمز مصرى ثقافى قادر على جذب أجيال جديدة تهتم بتفاصيل الحضارة المصرية القديمة، خاصة أن المعرض يضم نحو 180 قطعة أثرية يتصدرها تابوت الملك رمسيس الثانى أحد أهم مقتنيات المتحف القومى للحضارة المصرية. جنبًا إلى جنب عدد من التماثيل، والحلى، والتوابيت، والقطع الفريدة التى تعكس ذروة القوة السياسية والفنية فى عصر الدولة الحديثة.
رحلات الآثار المصرية القديمة التى جابت مدن العالم بدأت منذ سنوات طويلة. بعضها ضم قطعًا أثرية ملكية نادرة وفريدة مثل قناع الملك توت عنخ آمون. حققت عبر جولتها ملايين الدولارات إلى جانب الترويج السياحى العالمى لمصر كدولة تنتمى إلى العالم القديم. وهو ما خلق حالة من الهوس بكل تفاصيل حضارتها. ومنها ما أسماه البعض بـ«ايجبت مانيا» أى الهوس المصرى. والبعض تلبسه الهوس بالملك توت عنخ آمون وأطلقوا عليها «توت مانيا»، خاصة بعدما طافت مقتنياته الذهبية أهم المدن والعواصم حول العالم. واليوم لا تزال تحقق معارض الآثار المصرية المؤقتة فى الخارج نجاحات غير مسبوقة. لم يعد النجاح يقتصر فقط على الإيرادات المادية فقط. بل تجاوزها ليحقق تحولاً نوعيًا فى طريقة تقديم الحضارة والتراث من منظور مختلف. من العرض الصامت إلى السرد التاريخى الواعي. ومن وضع القطعة الأثرية بشكل منفصل مبتور إلى تقديم القصة الواقعية بشكل متكامل. وهو الأمر الذى نجح المعرض المؤقت فى تحقيقه من أجل الترويج السياحى وإعادة صياغة الحضور الثقافى المصرى حول العالم.