وبالنظر إلى أطراف تلك المنظومة المعقدة نجد أن شركات الإنتاج ولا سيما الشركة المتحدة قد فعلت ما عليها، وبادرت بالإنتاج الدرامى طوال العام حتى ولو على نطاق أقل من ذلك الذى يشهده الموسم الرمضانى بطبيعة الحال، وأن القنوات العارضة ولا سيما أيضا القنوات التى تديرها الشركة المتحدة قد استجابت لعرض هذه الأعمال طوال العام بعيدا عن الموسم الرمضانى المعتاد، فما المشكلة إذن؟
لقد فعلت مصانع الدراما – إذا جاز التعبير – ما عليها، وعرضت منتجاتها فى منافذ البيع، وأعنى القنوات الفضائية، يبقى إذن دور الأطراف الأخرى، إذ لا بد أيضا من تغيير أنماط المشاهدة وعاداتها، بحيث ينجذب المشاهد لمتابعة ما تضخه شركات الإنتاج عبر الشاشات، فلا تكون كثافة المشاهدة متمركزة فقط خلال ثلاثين يوما فى العام هى كل أيام الشهر الكريم، وإنما تنسحب إلى أيام السنة بأكملها، أو على الأقل خلال فترات أخرى موازية أثناء العام، وهذا لا يسرى فقط على المتلقى المصرى، وإنما كذلك على المتلقى العربى الذى يتم تسويق أعمالنا إليه، والتى يحرص مشتروها من الأشقاء العرب على أن يحظوا بالعرض الأول لتلك الأعمال أو على الأقل بالتزامن مع عرضها الأول فى مصر، وهو حق أصيل لهم على كل حال، وهذا هو أحد أسباب تعقد الوصول إلى الهدف المنشود فى خلق مواسم درامية موازية، إذن لا بد من البحث عن أفكار درامية جاذبة وغير تقليدية تستطيع أن تجذب المشاهد المصرى والعربى على السواء، وتدفعه لتغيير أنماط المشاهدة وعاداتها مع محاولة الاستفادة من آلية المنصات التى لا ترتبط بمواسم مشاهدة معينة، والتى باتت واقعا فعليا وملموسا فى المعادلة الدرامية.
فإذا ما تحقق ذلك كله أيقنت الجهات المعلنة أن أمامها جمهورا مستهدفا عريضا يمكن أن تقدم له الخدمة الإعلانية على نطاق واسع فى أوقات أخرى بعيدا عن شاشة رمضان، فالتكلفة الباهظة للإنتاج الدرامى تقوم على تمويلها كعكة الإعلانات التى تتنافس عليها كافة منافذ العرض، ولا صناعة حقيقية للدراما بدون عوائد الإعلانات، وهى حقيقة لا بد من الاعتراف بها والتعامل معها، ومن ثم حينما يدرك المعلن أن جمهوره المستهدف قد تضاعف بعيدا عن رمضان، سوف يقبل على شراء الزمن الإعلانى الذى يستطيع أن يمول إنتاجا دراميا جديدا ومناسبا للمشاهدة فى مواسم أخرى بخلاف موسم الشهر الكريم.. ألم أقل لكم إنه أمر بالغ التعقيد بحاجة إلى مزيد من الوقت، وإلى توافر نيات كثير من الأطراف هم فى الحقيقة عناصر المنظومة بأكملها.
وإلى أن يحدث ذلك كله سوف يبقى للموسم الرمضانى السبق فى كل شىء: فى كثافة المشاهدة، وفى تسليط الضوء على أعماله، وفى الضخ الإعلانى الضخم، وحجم الأموال المتداولة فى السوق الإعلانية، ليس داخل مصر وحدها وإنما فى كافة الأقطار العربية أيضا، وعليه فإن ما بدأت الفضائيات المختلفة فى عرضه منذ بداية الشهر الكريم من أعمال درامية وإعلانية يستحق التوقف أمامه، غير أنه ليس من الإنصاف أو المهنية الحكم على مستوى هذه الأعمال من مجرد بضع حلقات، ومع ذلك يمكن أن نضع أيدينا فقط الآن على بعض الشواهد التى يصح التأسيس عليها عند الكتابة عن هذه الأعمال فى وقت لاحق.
وأول ما يلفت الانتباه هو تلك الاستجابة المخلصة من جانب الجهات الإنتاجية وخاصة الشركة المتحدة لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسى ولتوصيات لجان النهوض بالدراما، فقد تراجعت إلى حد كبير الأعمال الدرامية التى كانت تستفز المتلقى، وتدعوه إلى التمرد على واقعه، من ثم التفكك الأسرى، وكذلك خف استخدام الألفاظ الخادشة، وأيضا النبرة الزاعقة حتى عند أولئك الفنانين الذين اعتادوها مثل أحمد العوضى وعمرو سعد، وانحسرت المشاهد التى لا تناسب قيمنا الأصيلة، وأصبحنا إلى حد كبير مطمئنين إلى ما يشاهده أبناؤنا عبر شاشة التليفزيون، وكأن الأمر كان بحاجة إلى تدخل رأس الدولة حتى يلتفت صناع الدراما إلى تلك الآفات والنواقص والتعامل معها بوعى وحذر.
وفى سعيها لطرد العملة الرديئة وإحلال العملة الجيدة بدلا منها استمرت الشركة المتحدة فى حرصها على تقديم أعمال درامية تخاطب الوعى الجمعى، وتنمى روح الانتماء الوطنى، وتدفع إلى الاهتمام بقضايانا الجادة وطنية كانت أو اجتماعية، فتابعنا مسلسلات بالغة الأهمية فى مضمونها مثل «رأس الأفعى» بطولة شريف منير وأمير كرارة وإخراج محمد بكير، و«صحاب الأرض» من بطولة منة شلبى وإياد نصار وإخراج بيتر ميمى، كذلك تعرضت الدراما لأفكار غير تقليدية مثل ضمور العضلات والتوحد ومخاطر الإنترنت والاستغلال السلبى للتكنولوجيا، وهو استمرار لمحاولة الخروج على المألوف الدرامى على النحو الذى رأيناه فى دراما رمضان الماضى فى أعمال مثل «لام شمسية» و«وراء الشمس» وغيرهما، وهى بالتأكيد موضوعات يمكن أن تخلص الدراما المصرية من رتابة أفكارها وتكرارها، وتدفع بالمشاهد إلى متابعة الجديد الذى لا يلبى فقط احتياجه إلى المتعة والتسلية، وإنما كذلك مخاطبة اهتماماته والتعاطى مع قضايا حياته اليومية بأسلوب شيق وجذاب وهادف فى الوقت نفسه.