«المرشد الحقيقى للإخوان، والرجل المسيطر على كل جانب فكرى وتنظيمى داخل الجماعة».. بهذه الكلمات وصف مختار نوح المفكر والخبير بشؤون الجماعات المتطرفة، القيادى الإخوانى محمود عزت، والذى يعرض دوره ونشاطه السرى فى مسلسل «رأس الأفعى».
«نوح» أكد أن التنظيم الخاص، بقيادة «عزت»، فرض قواعد صارمة على الأعضاء، من البيعات الخاصة إلى إدارة مكتب الإرشاد، حيث لم يكن يُتخذ أى قرار إلا بعد موافقة «عزت» شخصيًا، حتى القرارات البسيطة مثل استقالة الأعضاء أو تغييرات المكاتب، كلها كانت تمر عبر قبضته المحكمة.
فى هذا الحوار، يتحدث «نوح» عن كواليس التنظيم السرى، ليكشف كيف صاغ عزت قواعد اللعبة وخطط كل خطوة، ليظل الرجل الذى يحرك الجماعة من الظل، مسيطراً على كل تحرك وفكر، حتى صارت قرارات الإخوان اليومية انعكاساً لإرادته وحده.. وإلى نص الحوار:
بداية.. ما الدور الحقيقى لمحمود عزت داخل جماعة الإخوان الإرهابية؟
من منظور الوعى العام والفهم التحليلى، يُنظر إلى محمود عزت باعتباره المرشد الفعلى، بل المرشد الحقيقى، إذ إن الجماعة تنقسم بين شخصيتين رئيسيتين: الجانب المالى كان يتولاه خيرت الشاطر بنسبة 100فى المائة، بينما كان الجانب النفسى والفكرى والتنظيمى بيد محمود عزت بنسبة 100فى المائة، إضافة إلى سيطرته الكاملة.
والخلاف كان قائمًا أساسًا بين محمود عزت وخيرت الشاطر من جهة، وعبدالمنعم أبوالفتوح من جهة أخرى، حيث كان أبوالفتوح معارضًا لهذا النمط من السيطرة، وكان يتصور إمكانية إدارة التنظيم بأسلوب حديث.
فى المقابل، تمكن محمود عزت بقبضة حديدية من اختيار عناصر التنظيم منذ عام 1980 وحتى اللحظات التى قُيّد فيها دوره بالكامل.
ومحمود عزت كان المتهم الأول فى قضية التنظيم السرى، بينما جاء خيرت الشاطر متهمًا ثانيًا، وهى القضية رقم 122 لسنة 1983 «إخوان مسلمين - تنظيم سرى - أمن دولة عليا»، وفى ذلك الوقت لم تحظ القضية بتغطية إعلامية، وهو ما يرجع فى هذا الوقت إلى وجود حالة من التواصل بين الدولة وتنظيم الإخوان عام 1983، إلا أن المؤكد أن الدولة كانت تمتلك تفاصيل التنظيم السرى منذ ذلك العام، وكان هناك شرط مع عمر التلمسانى يقضى بعدم تولى محمود عزت أو عناصر التنظيم الخاص أو مصطفى مشهور أو المقربين منهم أى مناصب قيادية داخل الجماعة.
كيف تصرف محمود عزت بعد هذا الشرط؟
عمر التلمسانى وافق على هذا الاتفاق، إلا أن النتيجة كانت أن محمود عزت قاد أول تحرك انقلابى داخلى عليه، إذ وضع مع خيرت الشاطر خطة سرية لتغيير القيادات، بحيث يستيقظ التلمسانى فلا يجد إلى جواره أحدًا من القيادات المؤثرة.
لكن تم تزويد التلمسانى بمعلومات كاملة عن التنظيم السرى وتحركاته، ما أسفر عن القبض على عناصر من الإخوان داخل معسكر فى الإسكندرية.
وغادر خيرت الشاطر البلاد برفقة محمود عزت، قُدمت القضية متأخرًا تحت رقم 122 لسنة 1983، حتى صدر قرار بحفظ القضية عام 1990، وهذه القضية الوحيدة التى جرى حفظها من بين نحو 4000 قضية مرتبطة بجماعة الإخوان.
على وجه التحديد.. متى توسع نشاط التنظيم السرى للإخوان الإرهابية؟
بعد حفظ هذه القضية عام 1990 بدأ ما يمكن وصفه بالعصر الذهبى للتنظيم السرى، حيث سيطر على كل مقدرات جماعة الإخوان دون أن يدرى أحد، وكانت نسبة سيطرته قبل سنة 1990 نحو 60فى المائة، ثم تحولت بعد ذلك إلى 100فى المائة.. وأصبحوا يغيرون فى المكاتب الإدارية بقرارات منفردة، ويستخدمون الانتخابات كواجهة يصعدون من خلالها من يريدون ويعزلون من يريدون.
ولوحظ تولى كثير من الأميين وقليلى التعليم إدارة هذه المكاتب، فى مقابل استبعاد المتعلمين مثل سليم نجم، ومحمد فريد عبدالخالق، وكان من قرارات التنظيم السرى - أو التنظيم الخاص - بقيادة محمود عزت أيضًا استبعاد كل وارد الجماعة الإسلامية عام 1974 من أنصار عمر التلمساني، وأُطلق عليهم اسم الجماعة الإسلامية أو «وارد عمر التلمساني»، وهو الاسم السرى الإخوانى لهم، لأن عمر التلمسانى هو الذى فتح التنظيم لأفراد الجماعة الإسلامية، وكان من أمثلتهم محيى الزايط، وأبوالعلا ماضي، وعبدالمنعم أبوالفتوح، وعصام العريان، والبلتاجى.
وكان الشرط الوحيد للاستثناء أن ينضم الشخص من هؤلاء إلى التنظيم الخاص ويبايعه البيعة الخاصة، وكانت البيعة بيعتين: بيعة لعموم التنظيم، وبيعة خاصة لأفراد التنظيم الخاص، والبيعة الخاصة لأفراد التنظيم الخاص تكون بعلم محمود عزت، إن لم تكن بحضوره، أما البيعة العامة فكانت لعدد كبير من الأفراد، وكثيرون ممن تقابلهم وينكرون الآن صلتهم بالإخوان بايعوا بيعات عامة، لكن التنظيم الخاص لم يكن يعتمد هذه البيعات كلها، بل كانت له بيعة خاصة لجنوده، ويُسمى الفرد فى التنظيم الخاص «جنديًا مجاهدًا»، ولا يُمنح هذا اللقب إلا لمن ينضم إلى التنظيم الخاص.
والتنظيم الخاص هو الذى يتولى المناصب؛ مثل الكتاتنى، إذ كان يتولى مواقع متعددة رئيس لجنة بمجلس الشعب، ورئيس مجلس الشعب نفسه بعد 2011، ورئيس حزب الحرية والعدالة، وكان محل ثقة التنظيم الخاص وحده، ولا يمكن أن يتولى أحد من أفراد التنظيم العام أى التابعين للصيغة العامة للبيعة مثل عصام العريان أو غيره - عملًا خاصًا أو موقع ثقة.
والتنظيم الخاص يرأسه محمود عزت فى كل القرارات الأساسية، لأنه المرشد الحقيقى، بينما يُسمى الآخر المرشد العام، الذى لا يتخذ قرارًا إلا بعد موافقة المرشد الخاص أولًا؛ وهذا هو سر التنظيم.
ما دور محمود عزت فى فرض قواعده لهذا التنظيم الخاص؟
اللائحة التى تنظم هذا العمل هى لائحة مكتب الإرشاد نفسه، ولا يمكن لأفراد التنظيم الخاص عقد جلسة لمكتب الإرشاد إلا بعد أن يعقدوا قبلها جلسة فى منزل محمود عزت أو فى المكان الذى يختاره.
وعلى سبيل المثال، قدم الشيخ الخطيب استقالته إلى مكتب الإرشاد بسبب مرضه؛ إذ كان قعيد المنزل وغير قادر حتى على العمل، وبعد عرض الاستقالة على المكتب أُلغيت الجلسة بالكامل لأنها لم تُعرض أولًا على محمود عزت، فأُعيد عقدها مرة أخرى، وبعد الموافقة على الاستقالة نظرًا لحالته المرضية الشديدة، أُعيدت الجلسة مجددًا وأُعيد الشيخ الخطيب مرة أخرى إلى مكتب الإرشاد.
وكان ممنوعًا صدور أى قرار حتى لو كان تقاعدًا، أو الموافقة عليه دون حضور محمود عزت أو عرض الجلسة عليه أولًا للحصول على موافقته.
وماذا عن دوره بعد 2011، خاصة فى مرحلة تولى الجماعة زمام الحكم؟
كل شيء، فمثلما ذكرت فلا شيء يُبرم من دون موافقته.. لذلك، أنا سعيد بمسلسل «رأس الأفعى» إذا استطاع أن يعرض محمود عزت كما هو.. محمود عزت رجل جبل من الصمت والأسرار، وداخله كتلة من الحركة والفكر والتنظيم، وهو تلميذ مصطفى مشهور الأول.
أما التحكم المالى فكان بيد خيرت الشاطر، فهو يضع الأموال حسب رؤيته، يعطى هنا، ويوفر تمويلاً لكتيبة هناك، ويدعم بعض العمليات خارج مصر، وغيرها من الأمور المماثلة، لكنه لا يتخذ أى خطوة دون موافقة محمود عزت.
حتى بعد انهيار الجماعة فى 2013.. هل كان هو الذى يقود التنظيم السرى للجماعة ويشرف على العمليات الإرهابية؟
بالطبع، لا يمكن حدوث أى شيء فى الجماعة من دون موافقة محمود عزت، فلا يمكن خصومة بين شخصين أن تُحل إلا بموافقته.. محمود عزت هو الأساس، وقد استطاع أن يقود ويشرف على شؤون التنظيم الخاص لمدة عشر سنوات بعد قضية 122 لسنة 1983.
بعد القبض على القيادات التاريخية للجماعة.. كيف أدار محمود عزت التنظيم السرى؟
محمود عزت استطاع الاختباء بعد ثورة 30 يونيو لمدة سنوات حتى ألقى القبض عليه فى أغسطس 2020، واستفاد من دوره فى التنظيم الخاص والعمل السرى للاختباء.. فالعمل السرى نفسه ابتكره محمود عزت، لأن العمل السرى بعد عام 1974 وتولى عمرالتلمسانى قيادة الجماعة كان أمرًا صعبًا.
عمرالتلمسانى كان معتمدًا على نقل الجماعة إلى العلنية والسيطرة من خلالها، بمعنى أن تسيطر على منشأة عبر زيادة عدد أنصارك ودعوة الآخرين للانضمام إليها.. أما محمود عزت، فقد كان يختلف، إذ يرى أن السيطرة على منشأة تكون عبر التحكم بالأفراد المتحكمين فيها.
ويؤمن التنظيم الخاص بأن أى وسيلة تقف أمام عودة الخلافة وتطبيق الإسلام من وجهة نظرهم تصبح مشروعة، وحتى إذا كان ذلك يتضمن الاغتيال، فإن التنظيم الخاص يبرر لنفسه ذلك.. كما أن التنظيم الخاص هو الذى أصدر الكتب التى تبرر قتل شخصيات مثل الخازندار والنقراشي، وينكر أى قول مضاد أو فتاوى لا يوافقون عليها.
ويستفيد التنظيم الخاص أيضًا من بعض مفاهيم السلفيين، مثل الكذب من أجل التبليغ، والغاية تبرر الوسيلة، والكذب على الدولة، وغيرها من الأمور التى تُبرر وفق رؤيتهم لتحقيق الهدف.
هل جميع الإخوان كانوا يعرفون أهداف التنظيم السرى وخططه؟
الإخوان نوعان: النوع الأول هو الإخوان كأفراد عاديين، هؤلاء على أعينهم غمامة، لا يعرفون شيئًا ولا يملكون معلومات، وعندما يُطلب منهم الإنكار يفعلونه بلا تفكير، لأن السمع والطاعة لديهم تلزمهم بالامتثال.. هؤلاء لا يملكون القدرة على التفكير، وحتى إذا حاولوا، فإن قدرتهم محدودة للغاية.. هذا يمثل الإخوان الذين تربوا على السمع والطاعة، ويطلق التنظيم على هؤلاء اسم «العوام»، وهم يشبهون الرعاع، لا كيان لهم، ولا يُعرض عليهم شيء، بل يقومون بما يُؤمرون به فقط.
أما النوع الثاني، فهو القادر على إنكار الحقائق وفهم الأهداف الاستراتيجية للجماعة. ومثال على هذا النوع، ظهر حديثًا شخص يُدعى الهامى محمدالهامى، الذى تربى على مبادئ التنظيم الخاص ويفهم جيدًا معنى القضاء على الدولة وأهداف الإخوان السرية.. يحظى بدعم كبير من العوام الذين يصفقون له دون أن يفهموا ما يقول.. هذا الشخص يعبّر عن أهداف التنظيم الخاص بالكامل، ولا يهتم بمصر أو بأى اسم إسلامى، فالأهم عنده تحقيق غرض الجماعة، وهو أن يعلو اسم الجماعة فوق كل الأنظمة أو أن يكون حاضرًا، وهو هدف مماثل للأفكار التى تبنّاها أيضًا شكرى مصطفى، الذى رأى أن الجماعة التى أسسها من خلال التكفير والهجرة ستعيد مجد الإسلام فى آخر الزمان.
خلال السنوات الماضية عُرضت الكثير من الأعمال الدرامية التى توثق إرهاب الإخوان.. كيف ترى هذا التناول من جانب الدراما؟
تأثير الدراما على عموم الناس، فهذا هو الشغل الصحيح، فالأعمال الدرامية التى عُرضت خلال السنوات الماضية كانت بمثابة مرآة حقيقية للواقع، إذ نجحت فى كشف الوجه الحقيقى لجماعة الإخوان وأساليبهم فى التحكم والتلاعب بالعقول، وتوضيح مخاطرهم على المجتمع والدولة.. وقامت بدور توعوى بالغ الأهمية، ووفرت فهمًا معمقًا لطبيعة الجماعة، وما أتمناه أن تعرض كل القضايا للجمهور عبر الدراما.
على سبيل المثال، قضية الفنية العسكرية يجب أن تُعرض فى عمل درامي، والتى تبرز كيف استحل الإخوان قتل الجنود وهم واقفون فى نوبة خدمة، أيضًا من الجرائم التى ارتكبها الإخوان بعد 2013 كانت كثيرة ولم تُعلن جميعها.. وعملية اغتيال المستشار هشام بركات تستحق عملاً دراميًا، فهو مثال لقمة العدالة فى مصر وقمة النيابة القضائية، وكيف يُقتل الأشخاص بهذه الطريقة دون أن تُعرض قصصهم فى الدراما.
أخيرًا، ماذا تصف محمود عزت فى جملة واحدة؟
هو «رأس الأفعى».. هذا هو الوصف الدقيق.