رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

سلاطين التلاوة المنسيون.. الرجل الذى صنع العمالقة واختفى


27-2-2026 | 14:01

.

طباعة
بقلـم: محمد جادالله

فى ليلة قاهرية مثقلة برطوبة الصيف، كان مسجد الحسين يغصّ بالناس حتى عتباته. المصابيح ترتجف، والهمس يدور فى الأروقة كأن المدينة كلها تحبس أنفاسها. ثم فجأة انشقّ الصمت. لا أبالغ عزيزى القارئ إن قلت إن الصوت حين خرج لم يكن مجرد تلاوة، بل كان حدثًا. كأن حنجرة فولاذية قررت أن توقظ القاهرة من سباتها. توقفت حركة الشارع، تجمدت العيون فى أماكنها، وبكى رجالٌ لم يُعرف عنهم البكاء؛ فى صدر المشهد كان يقف رجل بعمامة بيضاء، مغمض العينين، كأنه يرى ما لا نرى. ذلك هو الشيخ على محمود... الاسم الذى ربما لم تسمعه من قبل كما ينبغي، رغم أنك سمعت أثره مئات المرات دون أن تدري.

 

دعنى أحكى الحكاية من أولها، لا كسيرة محفوظة فى كتب، بل كسرٍّ ظلّ يتوارثه أهل الفن همسًا، وُلد على محمود عام 1884، حفظ القرآن صغيرًا، وتخرج فى الأزهر، لكن صدقنى يا عزيزي، هذه التفاصيل وحدها لا تصنع أسطورة. السر كان فى شيء أعمق، فى تلك القدرة العجيبة على أن يجعل المقام الموسيقى خادمًا للمعنى لا زينةً له. كان يعرف أن كل آية لها ظلّ نفسي، وأن كل مقام بابٌ إلى شعور مخصوص. فإذا قرأ آية رحمة لم يكتفِ بالدفء، بل مزج الطمأنينة بشيء من الشوق، فتشعر أن الجنة ليست وعدًا بعيدًا بل ذكرى قديمة تحنّ إليها روحك. وإذا مرّ بآية وعيد لم يحتج إلى صراخ، بل كان يهبط بصوته إلى قرارٍ عميق يجعلك تشعر بأن الأرض تنسحب من تحت قدميك.

هنا يبدأ السر الحقيقى الذى أريدك أن تنتبه إليه، لم يكن على محمود قارئًا يؤدى النص، بل كان مهندسًا يعيد بناءه فى الهواء. كان يبدأ من مقام الراست بثبات الملوك، ثم يفتح فيه شقوقًا صغيرة يدخل منها إلى نهاوند حزين، ثم يعود بك فجأة إلى الأصل كأن شيئًا لم يكن. أنت لا تلاحظ الانتقال، لكنك تشعر به فى صدرك. هذا ما أسميه الزلزال الرخيم، يهزّك دون أن يسقطك. وصدقنى يا صديقي، هذه القدرة لا تُكتسب بالحفظ وحده، بل بولعٍ يصل حد العشق.

تُروى عنه ليلة رمضانية فى مسجد الحسين أريدك أن تتخيلها معى. مقرئٌ شهير أبدع فى مقام الصبا، والجمهور مأخوذ، حتى خرجت همسة متحدية تقول إن هذا هو الصبا الذى لا يُضاهى. كان على محمود جالسًا فى زاوية المسجد، صامتًا. نهض ببطء، عدّل عمامته، ومسح جبينه من عرقٍ لم يكن عرق تعب بل عرق اندماج. لم يبدأ بالصبا كما توقعوا، بل انطلق من مقام قوى فيه شموخ. كأنه يقول إن المعركة لا تُخاض من أرض الخصم. ثم شيئًا فشيئًا أدخل نغمات الصبا فى نسيجٍ جديد، حتى إذا وصل إليه، لم يعد هو الصبا الذى عرفوه. كان حزنًا مرفوع الرأس، شوقًا منتصرًا. انتهى، ولم يجرؤ أحد على التصفيق. كان الصمت أثقل من أى هتاف. فى تلك اللحظة، يا عزيزي، لم يكن قد غلب منافسًا، بل أعاد تعريف المقام نفسه.

وهنا ستسألني، وربما تسأل نفسك، إذا كان بهذه العظمة فلماذا لا نسمع اسمه كما نسمع محمد رفعت أو مصطفى إسماعيل؟ سؤال فى محلّه يا صديقي. الحقيقة أن تلامذته فهموا زمنهم. عصر الإذاعة كان يحتاج صوتًا واضحًا، مستقرًا، يصلح للبث المتكرر. كان يحتاج أيقونة يمكن للدولة أن تقدمها رمزًا. أما الشيخ على محمود فكان ابن اللحظة الحيّة، ابن المسجد الذى يتنفس مع جمهوره. فنه كان كثيفًا، عميقًا، يحتاج أذنًا صبورة. لذلك حين صعدت أصوات تلامذته إلى سماء الشهرة، بقى هو فى الظل، مثل منبعٍ يجرى منه النهر ثم ينساه الناس حين ينبهرون بالماء المتدفق أمامهم.

ومع ذلك، لا تظن أنه غاب. كل انتقالة مقامية جريئة فى تلاوة حديثة، كل وقفة محسوبة قبل جوابٍ عالٍ، كل دمعة تسقط من عين مستمع دون أن يدرى لماذا بكى، هناك فى العمق بصمة على محمود. لقد وضع النموذج الأول، ثم جاء غيره فهذّبه ونعّمه وقدّمه فى صورة تناسب العصر. هو المنبع الخفى الذى جرت منه أنهار التلاوة فى القرن العشرين.

لكن ما يشدنى إليه أكثر ليس عبقريته الفنية وحدها، بل كبرياؤه كحاملٍ للقرآن. كان يرى التلاوة رسالة لا استعراضًا. يُروى أنه رفض دعوة حين شعر أن المقصود منها وجاهة اجتماعية لا توقيرًا للكتاب. كان إذا قرأ أغمض عينيه كأنه يحاور النص لا الجمهور. يده ترتفع قليلًا عند الذروة، لا لتستجدى إعجابًا، بل كأنها تمسك بخيطٍ يصل السماء بالأرض. وحين ينتهى يعود إلى صمته، وكأن شيئًا لم يحدث. هذا اليقين يا صديقى هو ما صنع هيبته.

أكتب لك هذه السطور وأنا أشعر أن علينا دينًا تجاه هذا الرجل. كم من مرة استمعنا إلى العمالقة ولم نسأل من علّمهم كيف يكون الصوت جسرًا بين الأرض والسماء؟ كم من مرة تأثرنا بانتقالة مقامية مدهشة دون أن نعرف جذورها؟ ربما تشعر الآن بشيء من الدهشة، وربما بشيء من التقصير. وهذا بالضبط ما أريده منك، يا عزيزي، أن تبحث، أن تسمع، أن تعيد اكتشاف المنابع لا الأنهار فقط.

هذه ليست مجرد سيرة قارئ نعيدها إلى الضوء، بل بداية رحلة سنخوضها معًا طوال شهر رمضان، نكشف فيها عن سلاطين التلاوة المنسيين الذين صنعوا المجد ثم اختفوا خلفه. ما رأيته اليوم هو أول الخيط فقط، حكاية المنبع الذى جرت منه أنهارٌ عظيمة، بينما انشغل الناس بالماء ونسوا العين الأولى.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة