رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الإمام صفى الدين أحمد بن علوان.. الشاعر البليغ والسياسى الشجاع (1-3)


27-2-2026 | 13:57

.

طباعة
بقلم: د. محمود مالك علوان

فى النصف الأول من القرن السابع الهجرى، كان اليمن يعيش عصره الذهبى تحت راية الدولة الرسولية، حيث كانت القصور تزيّنها قباب العلم، والأسواق تعجّ بترانيم التجارة، والأفكار تتناطح فى حلقات المساجد، واليمن يموج بالتحولات العلمية والسياسية تحت ظلال دولةٍ شجعت العلم وازدهرت فيها الفنون. فى ذلك الزمن البعيد، كان هناك شابٌ يرفل فى حرير الدنيا، يجلس فى ديوان السلطان، ويكتب بإمضاء يهزّ العروش. لكن قلبه كان يرفض أن يكون مجرد قلمٍ فى سجلّ السلطة، أو صوتٍ فى جوقة البلاط؛ إذ كان قلبه يبحث عن نغمٍ آخر، عن حقيقةٍ أعمق، عن لقاءٍ مع الوجود نفسه.

 

فى تلك اللحظة الفارقة، وفى قرية «يفرس» النائية، كان يُصنع تاريخٌ مختلف، حيث يطلّ علينا الإمام صفى الدين أحمد بن علوان، المتوفى عام 665 هـ فى أغلب المصادر، ليس كعالمٍ تقليدى يكرر المتون، بل كـ»فتحٍ» روحى جديد، وكـ»نهر من النور»، كما وصفه الشاعر عبدالله البردونى: «جرى فى ظلمات العصور، فما زالت أمواجه تصل إلى شواطئنا، تحمل لنا من النقاء ما ينقى، ومن الشجاعة ما يحرر، ومن الحب ما يرفع.» إنه الإمام أحمد بن علوان، الملقب بـ»الباهوت»؛ اللقب الذى لم يأتِ من فراغ، بل من حالة الذهول والحيرة الإيجابية التى كانت تعترى كلّ مَن جالس الإمام أو قرأ له، فكلامه يخرج من «مشكاةٍ» لا تحجبها الألفاظ، وحاله يغلب مقاله، وزهده يسبق دعوته. هذا الرجل، الذى عُرف بلقب «الباهوت» (الذى يُحير العقول ويُذهب الألباب)، استطاع أن يحول حياته الشخصية إلى قضية إنسانية كبرى، وأن يجعل من التصوف طريقًا للثورة على الظلم، ومن حب الله منهاجًا لإعمار الأرض، فكان بحق «جوزى اليمن» وفارس الإعقاب، الذى انتقل من ضيق الدواوين السلطانية إلى سعة الفضاء الملكوتى، ليصبح منارةً يستضيء بها السالكون فى دروب المحبة والتوحيد، وأحد أقطاب الصوفية المعدودين فى التاريخ الإسلامى.

ولقد بدأت سيرة هذا الإمام فى كنف الجاه والوزارة، حيث كان والده كاتبًا كبيرًا لدى السلطان الرسولى، فنشأ أحمد بن علوان فى بيئةٍ ترفل بالعلم والرياسة، فى بيتٍ كان العلمُ ضيفه الدائم، والأدبُ نسيجه اليومى، فأتقن الفقهَ والأدبَ واللغة، حتى صار «أمير البيان» الذى لا يُشقّ له غبار، وبرع حتى صار «أمير البيان» فى ديوان الدولة، وعمل كاتبًا فى الدواوين السلطانية كما كان أبوه. كانت الدنيا تبسم له، والمناصب تنتظره، والمستقبل يرسم له مسار الوزارة والجاه، لكنَّ القلق الوجودى والشوق الإلهى كانا يلحّان على قلبه، فشيء ما فى أعماقه كان ينتفض، يسأل: أين الحقيقة وراء الكلمات؟ أين الجوهر وراء الألقاب؟ أين الله فى زحام المناصب وصراع المصالح؟ وفى لحظةٍ تاريخية فاصلة، انخلع الإمام من مناصبه، ونفض عنه غبار الشهرة، واتجه نحو «الخلوة» والمجاهدة فى قرية «يفرس»، ولم يكن هذا هروبًا، بل كان بحثًا عن مقامٍ أعلى، يريد أن يكتب بكلمة القلب قبل كلمة اللسان، وأن يتعلم لغة الصمت قبل لغة الخطاب. هذا التحول لم يكن اعتزالًا سلبيًا، بل كان «إعدادًا ربانيًا» لرسالة أكبر؛ إذ أدرك أن الكلمة التى لا تستمد نورها من الله هى كلمة ميتة، فأراد أن يحيى كلمته بالخلوة مع الواحد الأحد، فصار «باهوتًا»؛ لأنَّ مَن عرف الله حق المعرفة بهتت فى عينه الدنيا بأسرها.

و«الباهوت» ليس مجرد لقب عابر، بل هو حالةٌ تحل، فهى ذهول العقلِ إزاء عظمةٍ لا تُقاس، وحيرةُ القلبِ أمام جمالٍ لا يُوصف، ولم يأتِ هذا اللقب من فراغ، فكلّ مَن جالسه كان يحسّ أنه أمام بحرٍ لا ساحل له، ونورٍ لا ظل معه، كلماته تخرج من مشكاة القلب، لا من ذاكرة العقل، يرى فى كل شيءٍ آية، وفى كل لحظةٍ معجزة. ولقد صدق أحد تلامذته؛ إذ يقول: «كنا نجلس معه فنسكت، ليس لأننا لا نعرف ما نقول، بل لأننا نعرف أن الكلَّ سوى ذكر الله لغوٌ، كان يُعلّمنا الصمت قبل الكلام، والخشوع قبل الحركة». وهذه الحالة من «الباهوت» هى التى ميزت مدرسته الروحية، وجعلت كلّ مَن يتذوق كلماته يشعر أنه أمام فيضٍ لا ينضب من العلم اللدنى، لا من العلم المكتسب، إنها حالة من الذهول الإيجابى الذى يصيب الإنسان عندما يقف أمام تجليات الحق، فيبهت اللسان وتعجز العبارة عن الوفاء بكنه ما يشهده القلب.

ومن هنا كان التوحيد عند الإمام أحمد بن علوان هو «القلب النابض» لكلّ تراثه، فهو لا يرى التوحيد مجرد «عقيدةٍ ذهنية» تُدرس، بل يراه «تجربةً وجدانية» تُعاش. فى كتبه، وبخاصة فى «الفتوح» و»التوحيد»، يسترسل الإمام فى تبيان أن التوحيد الحقيقى هو «إفرادُ الواحدِ بالشهود، كما هو منفردٌ بالوجود». إن مدرسة ابن علوان فى التوحيد كانت مدرسة القلب الباصر، لم يكتفِ بأن الله واحدٌ فى ذهنك، بل أراده أن يكون الواحدَ فى قلبك، فى مشاعرك، فى رؤيتك للوجود، وكان يرى أن التوحيد الحقيقى هو أن تغيبَ عنك الأكوان، ويبقى رب الأكوان. يقول الإمام فى إحدى إشراقاته: «ليس الموحد مَن قال لا إله إلا الله بلسانه وهو يرى النفع والضر فى غيره، إنما الموحد مَن غرق فى بحر الوحدانية حتى لم يبقَ فى قلبه أثرٌ لغير الله. التوحيد هو أن تمحو من مرآة قلبك صور الأغيار، لتشرق فيها أنوارُ الواحد القهار.» ويستطرد فى إحدى رسائله النورانية: «إذا رأيتَ السببَ فاشهد مسبب الأسباب، وإذا أعجبك الأثرُ فانظر إلى المؤثر. التوحيد أن لا ترى مع الله شيئًا.» ويسترسل الإمام فى توضيح أن التوحيد يقتضى «الفناء عن رؤية النفس»؛ فما دامت «الأنا» حاضرة، فإنَّ التوحيد لم يكتمل، لذا كان يرى أن الحجاب الأكبر بين العبد وربه هو «نفس العبد»، فطالما بقيت «الأنا» حاضرة، فإن الشرك الخفى باقٍ.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة