كل عام وإخوتنا المسيحيون بخير؛ بمناسبة ميلاد سيدنا عيسى بن مريم عليه السلام، تلك التهنئة التى يرددها المصريون على مدار أكثر من ألفى عام ويقولها المسلمون فى مصر على مدار أكثر من ألف و ٤٠٠ عام، بل ويحتفلون بها أيضًا، فالشعب المصرى فى الموروث الشعبى محب للاحتفالات، بجانب أننا شعب متدين بطبعه نحب الله ونؤمن به وبكل الكتب السماوية وبكل الأنبياء، ولما لا ومصر كانت ملاذًا للأنبياء منذ مر نبى الله إبراهيم عليه السلام بمصر وصاهر المصريين بزواج السيدة هاجر أم سيدنا إسماعيل، ونبى الله إدريس أول من بُعث فى مصر وله دور كبير فى تعليم المصريين العلوم والفلك والرى، ونبى الله موسى الذى ولد فى مصر وكُلم الله فى سيناء، وللعلم فإن اسم موسى مصرى يعنى الوليد؛ كما جاء إلى مصر نبى الله يعقوب؛ كما عاش نبى الله يوسف فى مصر وأصبح عزيز مصر، ونبى الله عيسى عليه السلام جاء إلى مصر طفلًا مع أمه السيدة مريم العذراء فى «رحلة العائلة المقدسة»؛ هربًا من بطش الروم فى فلسطين وعاشوا فيها عدة سنوات قبل العودة.
وهنا لا أسرد وقائع يعلمها الجميع، ولكنها دليل قوى على أن مصر لها مكانة خاصة فى تاريخ كل الأديان، بجانب ذكرها فى القرآن الكريم فى أكثر من موقع سواء صراحة أو بالتلميح، وهو ما انعكس على طبيعة الشخصية المصرية والموروث الثقافى فى حرية العبادة والاعتقاد الدينى وعدم التشدد أو التطرف الدينى على مدار التاريخ حتى فى السنوات التى شهدت موجة التطرف الفكرى الدينى المستورد من الخارج، والتى كان منها عدم جواز تهنئة النصارى بالعيد، كان الشعب المصرى يرفض تلك الفتاوى الشاذة لإيمانه بأن ميلاد المسيح عيسى بن مريم معجزة من الله.
فلماذا لا نقدم لهم التهنئة، خاصة أن المصريين لا يفرقون فى التعامل فيما بينهم على أساس دينى، وهنا أذكر بعض الصور من ثورة يناير قبل أن تستولى عليها الجماعة الإرهابية عندما كان المصريون يصلون الجمعة فى الميدان وكان الإخوة المسيحيون يقفون لحمايتهم، وبعد وصول الجماعة للحكم زادت نسبة الهجرة أو السفر من الإخوة المسيحيين خارج مصر، وبعد ثورة 30 يونيو ظهر الانتقام من الجماعة الإرهابية باستهداف دور العبادة للإخوة المسيحيين بشكل كبير، وذلك لهدفين الأول، الانتقام من المسيحيين بعد موقف البابا تواضروس الداعم والمؤيد لثورة 30 يونيو من جهة، ومن جهة أخرى محاولة إحراج مصر خارجيًا بورقة اضطهاد الأقباط، وهى الورقة التى استخدمت سياسيًا على مدار عقود ضد مصر كمحاولة للضغط عليها فى عهود سابقة، سواء من أمريكا أو أوروبا، ولكن المصريين شعبًا وقيادة سياسية فطنوا إلى تلك اللعبة مبكرًا وأحبطوها، ليس خوفًا من الضغط بورقة الاضطهاد الدينى بل إيمان بحرية العقيدة، وهى إحدى ركائز الجمهورية الجديدة والتى واكبها أيضًا مطالبات الرئيس السيسى بوضع استراتيجيات لتجديد الخطاب الدينى، ومع الجمهورية الجديدة عادت مصر إلى المصريين وليس على أسس دينة تفرق بينهم وليس بشعارات المواطنة من خلال تصريحات إعلامية جوفاء، ولكن بالفعل والعمل فتم تعديل قانون بناء الكنائس فكان إصدار قانون تنظيم بناء وترميم الكنائس رقم 80 لسنة 2016، هذا القانون التاريخى الذى طال انتظاره لعقود طويلة، ولم تقتصر جهود الدولة على تقنين الأوضاع القائمة، بل امتدت لتشمل بناء كنائس جديدة تتناسب مع التوسعات العمرانية ومشروعات المدن الجديدة التى تشيدها الدولة المصرية، وهو ما يعكس اهتمام القيادة السياسية لضمان توافر جميع الخدمات بما فى ذلك دور العبادة فى التجمعات السكانية الحديثة، ليس هذا فحسب بل الاهتمام أيضًا بدور المناسبات والمبانى الخدمية الملحقة بالكنائس للأنشطة الاجتماعية والاحتفالات والتى شملها التقنين والبناء والتجديد، وهنا أتذكر موقفًا للرئيس السيسى فى عام 2018 عند افتتاح عدد من المشروعات القومية وتحديدًا فى إسكان حى السلام الأول الاجتماعى «أهالينا 1» عندما سأل الرئيس السيسى (فين الكنيسة يا عماد)، وانفعل الرئيس قائلًا «ليه؟.. ده توجيه.. الموضوع مايفوتناش تانى.. الكل يعبد».
هذا الموقف لا يدل فقط على موقف الدولة ولكنه يدل على الإيمان الحقيقى لرئيس الجمهورية كمواطن مصرى، أولًا بحرية العبادة للجميع وحقهم الأصيل فى وجود دور عبادة فى كل المدن الجديدة، لذا لم يكن من العجيب عند إنشاء العاصمة الإدارية التى تعد أحد رموز الـجمهورية الجديدة فى مصر والتى تجسد رؤية مصر المستقبلية للدولة الحديثة، فجاءت كاتدرائية ميلاد المسيح بالعاصمة الجديدة التى افتتحت رسميًا فى يناير 2019 بحضور الرئيس عبدالفتاح السيسى وقداسة البابا تواضروس الثانى رمزًا بارزًا للعصر الجديد، ليس لأنها الأكبر فى الشرق الأوسط حيث تم البناء على مساحة 15 فدانًا وتستوعب أكثر من 8 آلاف فرد، ولكنها تجسد رسالة الدولة فى بناء وطن يتسع للجميع بعد أن أصبحت كاتدرائية العباسية التى اُفتتحت عام 1968 لا تستوعب جميع المصلين فى الأعياد أو المهنئين، بالإضافة إلى أن موقعها الجغرافى يعوق الوصول إليها بسهولة وسط زحام شديد يعوق حركة المرور، ويصيب القاهرة بالشلل المرورى فى أيام الاحتفالات أو المناسبات، وهو الأمر الذى لم يكن له أى حل ممكن، ولكن اليوم نجد الآلاف فى العيد متواجدين ومعهم الرئيس السيسى بحرصه الشديد على تقديم التهنئة بنفسه داخل الكاتدرائية للمصريين كل عام.