رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

عُمان بيئة تنافسية عالمية لتوطين الصناعات ذات التقنيات المتقدمة


15-12-2025 | 13:53

.

طباعة
بقلم: أحمد تركي خبير الشؤون العربية

يمرُّ الاقتصاد العُماني بمرحلة إعادة تشكُّل عميقة، تنتقل فيها الحكومة من إدارة الفوائض المالية إلى إدارة الخيارات، ومن الاعتماد على دَوْرة الطَّاقة إلى بناء قاعدة إنتاج قادرة على الصمود أمام تقلُّبات الأسواق، وخلال السنوات الأخيرة، ظهرت ملامح هذا التَّحوُّل في طريقة قراءة الأرقام، وفي طبيعة القرارات، وفي انتقال الخِطاب الاقتصادي من التركيز على الاستقرار المالي إلى الحديث عن الهيكل الإنتاجي والقدرة التنافسيَّة. ولم تَعُدِ المؤشِّرات الكليَّة تُقرأ بمعزل عن مضمونها، حيثُ أصبح السؤال الأهم يَدُور حَوْلَ مصدر النُّمو في الاقتصاد العُماني، وطبيعته، ومدى استدامته، وهنا تتقاطع إشارتان كاشفتان لمسار واحد، الأولى هي إشادة دوليَّة بتقدُّم سلطنة عُمان في توطين الصناعات المتقدمة، وأرقام ميزان تجاري تعكس تراجعًا في عوائد النفط مقابل صعود متدرِّج للصَّادرات غير النفطيَّة. فهذا التزامن يحمل دلالة اقتصاديَّة تتجاوز المصادفة، ويكشف عن لحظة مفصليَّة يُعاد فيها ترتيب الأولويَّات، ويجري فيها اختبار قدرة الاقتصاد العُماني على تحويل الرؤية إلى أدوات إنتاج، والسِّياسات إلى مصانع، والطُّموح إلى أرقام تكتب مستقبلًا أكثر قدرة على المناورة داخل اقتصاد عالمي شديد التقلب. يتجسد هذا التَّحوُّل بوضوح عند النَّظر إلى ما يحدُث داخل بنية الاقتصاد العُماني نفسها، حيثُ تعكس إشادة منظَّمة الأُمم المُتَّحدة للتنمية الصناعيَّة بتقدُّم سَّلطنة عُمان في توطين الصِّناعات ذات التقنيَّات المتقدمة، انتقالًا من اقتصاد يستقبل الاستثمارات إلى اقتصاد يُعِيد توظيفها داخل منظومة إنتاج محليَّة، فهذا التقييم يقيس قدرة الدَّولة على بناء سلاسل قِيمة مترابطة قادرة على المنافسة العالمية والاستمرار. حيث أكد تقرير منظَّمة الأُمم المُتَّحدة للتنمية الصناعيَّة أن سلطنة عُمان حققت قفزة ملحوظة في بناء سلاسل القيمة الصناعية المرتبطة بالصناعات ذات التقنيات المتقدمة، رغم حداثة دخولها هذا المجال؛ إذ تمكنت من تأسيس قاعدة صناعية واعدة في الصناعات المرتبطة بالخلايا الكهروضوئية، مستفيدة من استقطاب استثمارات نوعية، وتطبيق سياسات شراء حكومية محفزة، وتوفير بيئة أعمال جاذبة للتقنيات الحديثة. وسلّط التقرير الضوء على مجموعة من المشروعات الصناعية قيد التدشين، أبرزها مشروع "يونايتد سولار بولي سيليكون" في المنطقة الحرة بصحار، والذي يعد من بين أهم المشروعات الصناعية على مستوى المنطقة، مستهدفًا إنتاج 100 ألف طن سنويًا من مادة البولي سيليكون لتلبية الطلب الإقليمي المتنامي على حلول الطاقة الشمسية وتعزيز موقع سلطنة عُمان في سلاسل التوريد العالمية. كما أبرز التقرير المقومات التي تمتلكها سلطنة عُمان، مثل توافر المواد الخام كرمال السيليكا عالية الجودة، وقوة سطوع الشمس وحركة الرياح طوال العام، بالإضافة إلى الموقع الجغرافي الاستراتيجي على أحد أهم الممرات البحرية الدولية، كما توفر الحكومة مجموعة من الحوافز الاستثمارية أبرزها الإعفاءات الضريبية والملكية الأجنبية 100 بالمائة، مما يجعل سلطنة عُمان بيئة تنافسية لتوطين الصناعات المتقدمة. وأطلقت شركة "شيدا" أعمال بناء أول مصنع للألواح الشمسية على مساحة 11 ألفًا و250 مترًا مربعًا، إلى جانب توقيع اتفاقية مع شركة "جيه إيه سولار" الصينية لإقامة مصنع بقدرة 6 جيجاواط للخلايا و3 جيجاواط للألواح، باستثمار يبلغ 564 مليون دولار أمريكي، موجهة بشكل رئيس إلى الأسواق الخليجية والإفريقية. كما أعلنت عن مشروع "شركة موارد للتوربينات" في الدقم، الذي يهدف إلى تصنيع توربينات الرياح باستثمارات تقدر بـ181.8 مليون دولار أمريكي. وفي مجال تصنيع تقنيات الهيدروجين الأخضر، تستعد سلطنة عُمان لإنشاء مصنع لتجميع الإلكترولايزر بالتعاون مع "صن غرو" الصينية؛ ما يعزز موقعها ضمن خريطة التصنيع ذات التقنيات العالية في الدول العربية. الأمر اللافت أنَّ هذا التقدُّم والإنجاز تحقَّق في قِطاعات عالية الكلفة وشديدة المنافسة مثل البولي سيليكون والخلايا والألواح الشمسيَّة وتقنيَّات الطَّاقة الجديدة، وهو ما يُشير إلى تحوُّل في فلسفة السِّياسة الصناعيَّة نَحْوَ أنشطة ذات قِيمة مضافة أعلى، وتأثير أعمق على الاقتصاد الكُلِّي، وهذا المسار يؤكِّد أنَّ التنويع الاقتصادي العُماني أضحى مرتبطًا بتعدُّد القِطاعات وعُمقها وقدرتها على خلق تراكم صناعي ومعرفي يربط الموارد بالموقع والبنية التشريعيَّة ضمن منظومة إنتاج متكاملة وأكثر قدرة على الصمود. تزداد أهميَّة هذا التَّحوُّل الصِّناعي عند ربطه بأرقام الميزان التِّجاري، الَّتي تكشف عن مسار اقتصادي يتغيَّر تحت الضَّغط، فقد سجَّل فائض الميزان التِّجاري حتَّى نهاية سبتمبر 2025 نَحْوَ (3) مليارات و(885) مليون ريال عُماني، مقارنةً بفائض بلغ (6) مليارات و(743) مليون ريال خلال الفترة ذاتها من عام 2024، بانخفاض نسبته (42) بالمئة. ويرتبط التراجع مباشرة بانخفاض صادرات النفط والغاز بنسبة (16.5) بالمئة لِتصلَ إلى (10) مليارات و(913) مليون ريال، مقابل (13) مليارًا و(71) مليون ريال في العام السابق، في المقابل سجَّلت الصَّادرات غير النفطيَّة نُموًّا بنسبة (10.3) بالمئة لِتبلغَ (5) مليارات ومليون ريال عُماني، مقارنةً بـ(4) مليارات و(534) مليون ريال خلال الفترة نفسها من عام 2024، ما يكشف أنَّ مصادر الدَّخل البديلة بدأت تتحرك في الاتِّجاه الصَّحيح، في وقتٍ ارتفعتْ فيه الواردات بنسبة (9.3) بالمئة إلى (13) مليارًا و(297) مليون ريال، ما يفتح مساحة واسعة أمام الصِّناعة المتقدِّمة لتقليصِ فجوة الاستيراد عَبْرَ الإحلال المحلِّي. وهنا تتحوَّل الصِّناعات ذات القِيمة المضافة العالية من خيار تنويعي إلى أداة توازن فعلي، قادرة على تخفيف أثَر تذبذب أسواق الطَّاقة، وبناء قاعدة تصديريَّة أكثر استقرارًا ترتبط بالإنتاج والتقنيَّة لا بِدَوْرة سعريَّة متقلِّبة. ويمكن القول أن ما تشهده السَّلطنة اليوم يتجاوز حدود تحسين المؤشِّرات أو امتصاص الصَّدمات الظرفيَّة؛ لِيعكسَ إعادة صياغة واعية لِدَوْر الاقتصاد الوطني داخل الإقليم والعالم، وتوطين الصِّناعات المتقدمة، من البولي سيليكون إلى الخلايا والألواح الشمسيَّة، ومن توربينات الرِّياح إلى تقنيَّات الهيدروجين الأخضر، يجسِّد انتقالًا من اقتصاد يعتمد على تصدير الموارد إلى اقتصاد يصدِّر المعرفة والمنتج الصِّناعي. وهو ما يمنح السَّلطنة موقعًا أكثر تماسكًا داخل سلاسل التَّوريد الإقليميَّة، ويُعزِّز قدرتها على التَّفاعل مع عالم تتسارع فيه التَّحوُّلات التكنولوجيَّة وتحتدم فيه المنافسة على القِيمة المضافة، والرِّهان هنا لم يَعُدْ على وفرة المورد، وإنَّما على كفاءة الإدارة، وجودة التَّشغيل، وعُمق المحتوى المحلِّي، وهي عناصر تُشكِّل جوهر «الاستراتيجيَّة الصناعيَّة 2040» ورؤية «عُمان 2040». ومع ارتباط المسار الصِّناعي بأرقام الميزان التِّجاري، تتأكد حقيقة أنَّ الصِّناعة المتقدمة أضحتْ إحدى أدوات السِّيادة الاقتصاديَّة، وقاعدة أساسيَّة لبناء نُموٍّ أكثر استقرارًا، وقدرة أعلى على المناورة، واقتصاد أقلّ عرضة للاهتزاز أمام تقلُّبات الأسواق العالميَّة. ولعل هذه المنجزات جاءت نتاج تبنّي سلطنة عُمان سياسات صناعية محفّزة، ومبادرات ممنهجة تستهدف استقطاب الصناعات النوعية ذات التقنيات المتقدمة، فضلاً عن تسهيل الإجراءات أمام المستثمرين، ورفع جاهزية المناطق الحرة والاقتصادية لاستقطاب الصناعات المتقدمة، وتمكين القطاع الصناعي عبر حزمة واسعة من الحوافز، شملت تطوير إطار تنظيمي مرن، وتقديم حوافز ضريبية وإعفاءات جمركية، وتبسيط إجراءات الترخيص، إلى جانب توجيه الاستثمارات نحو المناطق الاقتصادية ذات البنية الأساسية المتكاملة والقادرة على ضم المشروعات الصناعية المتقدمة، بما يسهم في تعزيز القيمة المضافة المحلية وربط المستثمرين العالميين بالفرص الصناعية الواعدة. إجمالاً يمكن القول أن وتيرة تدفق الاستثمارات العالمية في هذا القطاع آخذة في التسارع، وأن الشركات الدولية باتت ترى في سلطنة عُمان مركزًا مثاليًا لتأسيس صناعاتها، مستفيدة من الدعم الحكومي المباشر، والحوافز الممنوحة للمستثمرين، وتوفير مواقع صناعية ذات جاهزية عالية. ومن هنا تعمل الحكومة العُمانية جاهدة على إطلاق وتنفيذ مبادرات تستهدف تطوير الموردين المحليين، لتمكينهم من أن يكونوا جزءًا رئيسًا في سلاسل التوريد، بما يعزز المحتوى المحلي ويُسهم في تطوير منتجات وطنية قادرة على المنافسة في الأسواق الإقليمية والدولية. والمؤكد أن المنجزات الصناعية المتوالية في سلطنة عُمان تُعيد رسم مشهد التصنيع المتقدم، وترسّخ مكانة عُمان كأحد المراكز الإقليمية الواعدة، في تحول جوهري ينسجم مع توجهات وأهداف الاستراتيجية الصناعية 2040 و"رؤية عُمان 2040

الاكثر قراءة