فى مقالى السابق حذرت من أن ظاهرة انتشار الجرائم البشعة فى مجتمعنا المسالم تدق أجراس الخطر من أجل لفت انتباه الأجهزة المعنية، فربما تفتح ذلك الملف «الخطير» وتعيره اهتمامها، وتجند له كافة المراكز البحثية من أجل الوقوف على الأسباب والتوصل إلى حلول!
كما ذكرت تشخيصاً مهماً للدكتور جمال فرويز استشارى وأستاذ الطب النفسى لتلك الظاهرة أشار فيه إلى أنها نتجت عن انهيار ثقافى، ترتبت عليه ازدواجية دينية، أخرجتنا عن المسار الدينى السليم، نتج عنه انهيار سلوكى وأخلاقى وقيمى واجتماعى.
وأضاف الرجل أنه مع التقدم التكنولوجى الرهيب، أصبح الموبايل والسوشيال ميديا أو وسائل التواصل الاجتماعى هما المصدر الأول لمعلومات ملايين المصريين، فالسوشيال ميديا تعنى الحرية المطلقة، ومن ثم أصبحنا نقلد أموراً لم يكن لنا أن نقلدها!، وفى تشخيصه أيضاً أشار الدكتور «فرويز» إلى الدور المهم الغائب الذى يجب أن تلعبه دور العبادة من مساجد وكنائس ودور التربية من مدارس وجامعات، وضرورة استعادة تلك المنابر المهمة لدورها الدينى والتربوى، محذراً من أن القادم ربما يكون «أسوأ» اجتماعياً، وسياسياً، واقتصادياً.
من هنا وجب تقديم الشكر للدكتور «الأزهري»، الذى أثبت أنه لا يعيش بمعزل عن أمراض المجتمع وما يحدق به من مخاطر، فكانت له الأسبقية ونقطة البداية حين وجه بأن تكون خطبة الجمعة الموحدة فى كل المساجد على مستوى الجمهورية عن خطورة إدمان الهاتف المحمول ووسائل التواصل الاجتماعى أو السوشيال ميديا، وانشغال شبابنا وأطفالنا بها وقضائهم معظم الوقت مع برامج غالباً ما تكون مهدرِة للوقت، عابثة بقيمنا وعاداتنا وأخلاقياتنا، لاسيما اليوتيوب والتيك توك، وسط غياب تام لرقابة الوالدين.. كل فرد من أفراد الأسرة الآن أصبح منكفئاً على «موبايله»، ولا أحد يعلم محتوى ما انكفأ عليه الآخر !
ومن غرائب الأقدار أن يخطف الموت صبياً فجأة على فراشه وهو ممسك بجواله، ليكتشف والداه أنه «مات» وهو يشاهد فيلماً إباحياً على الـ«يوتيوب»، وكأن تلك الواقعة رسالة من المولى عز وجل كى نراقب أبناءنا.
بكل أسف وكما ذكرت فى مقالى السابق تتصدر مصر قائمة الدول العربية الأكثر استخداماً لليوتيوب بإجمالى عدد مستخدمين بلغ 50.7 مليوناً، يليه موقع التيك توك الذى لا يقل خطورة بـ 48 مليوناً، وأغلبهم من شريحة الأطفال والمراهقين والمراهقات بحسب أحدث إحصائية لعام 2025.
وهنا تحضرنى أيضاً نتائج دراسة بحثية أجرتها جامعة أكسفورد البريطانية، أكدت أن الإفراط فى استخدام الهواتف المحمولة يتسبب فى تدمير خلايا المخ، فضلاً عن عدم التركيز وقلة التذكر، ويخلق حالة من العصبية المفرطة.
لا شك أن الوعظ والإرشاد والتحذير من تفشى الظواهر الجديدة والغريبة العابثة بقيمنا وعاداتنا وأخلاقنا والهادمة لثوابتنا المتأصلة على مدار مئات السنين، أصبحت من أهم الأدوار التى يجب أن تؤديها المنابر الدينية، الإسلامية ممثلة فى المساجد، والمسيحية ممثلة فى الكنائس، وأتصور أنها باتت أهم كثيراً من الاستغراق فى كلام متكرر يغوص فى أمور غيبية مللناها.
وإذا كانت المبادرة ولقطة البداية قد جاءت من قبل وزارة الأوقاف بصفتها المسئول الأول عن شئون الدعوة الإسلامية، فإننا نترقب بشغف قيام بقية الأجهزة من منابر دينية أخرى إسلامية ومسيحية، ووزارة التربية والتعليم والجامعات والمراكز البحثية وكافة الوسائل الإعلامية المكتوبة والمسموعة والمرئية والإلكترونية بتحمل مسئولياتها والقيام بدورها التوعوى المرتقب، وأن تحذو حذو وزارة الأوقاف، وكذلك ننتظر دور الدولة وضرورة قيامها بوضع الكثير من الضوابط عند استخدام وسائل التواصل الاجتماعى لا سيما موقعى «الـ يوتيوب»، والـ «تيك توك» الخطيرين حتى لو اقتضى الأمر غلقهما.
لابد أيضا من سن قوانين صارمة تتضمن عقوبات رادعة لمرتكبى كافة أنواع العنف مع ضرورة تطبيقها لضمان سلامة الأفراد والمجتمع الذى سادت فيه أشكال عنف لفظى تبدت فى كثرة استخدام ألفاظ بذيئة وجارحة فى الشارع المصري، وعلو الصوت، وحدة النبرة، والصراخ، والصخب والخشونة فى التعامل مع الآخرين فى الشوارع ووسائل المواصلات، غالباً ما تصل إلى التشابك بالأيدى لأتفه الأسباب، وربما تتطور إلى استخدام الأسلحة واستئجار البلطجية بحجة الدفاع عن النفس أو إرهاب الآخرين.
لابد من عودة الرقابة على المصنفات الفنية من أجل فلترة ما تصدره لنا الأفلام والمسلسلات من مشاهد عنف يقلدها الصغار قبل الكبار، وكفاناً انصياعاً لما يتشدق به البعض من شعار حرية الإبداع، فشتان بين الإبداع والترويج لأفكار هد تحض على العنف والقتل والبلطجة والرذيلة والخروج على القانون وأخذ الحق بالذراع والسلاح.
لابد من تعزيز دور المجتمع المدنى والمنظمات غير الحكومية فى نشر الوعى بجوانب العنف وكيفية التعامل معها، فالعنف المجتمعى ظاهرة خطيرة، تستوجب تضافر جهود كل أطياف المجتمع، للتقليل من حدته، وتحقيق بيئة آمنة تعزز من قيم التسامح التى باتت غائبة.
نعم.. علينا أن نقر بوجود ظاهرة عنف مقلقة اعترت المجتمع المصرى، هذه الظاهرة لا تزال فى تنامٍ مستمر كمّاً وكيفاً، وأصبحت تتكرر بشكل لافت ومؤثر فى حياتنا على كل المستويات، هذه الظاهرة تجاوزت نسب العنف الاستثنائية الموجودة والمتوقعة فى كل المجتمعات البشرية، ودخلت مرحلة الخطر الحقيقى، لكن ذلك لا يعنى فقدان الأمل أو التعامل بنظرة ظلامية حالكة السواد، فلا تزال البؤر المضيئة تؤتى نورها، ولا يمكن القبول بنظريات التعميم المبالغ فيها بادعاء أن المجتمع المصرى قد فقد قدرته على التسامح، وسقط فى بئر التعصب والعنف والتطرف.
فالفطرة المصرية متسامحة بطبيعتها، وإذا كانت «الظروف الاقتصادية هى أحد عوامل العنف المجتمعى فإن اختفاء أو اختباء المرجعيات الدينية والتربوية، قد أدى إلى تصاعد وتيرة العنف، كما ذكرت الدكتورة هالة منصور أستاذ علم الاجتماع بجامعة بنها فى العديد من الوسائل الإعلامية.