رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

صراع المصالح ينذر بحرب عالمية ثالثة


19-1-2026 | 12:00

.

طباعة
تقرير: يمنى الحديدى

أثارت تحركات الرئيس الأمريكى ترامب الأخيرة بالقبض على الرئيس الفنزويلى، واستخدام سياسة القوة بدلا من الدبلوماسية، العديد من المخاوف حول العالم من أن يؤدى ذلك إلى حالة من التأهب فى المعسكر الصينى الروسى واستخدام ذلك ذريعة لتقدم الصين إلى تايوان، ومزيد من التقدم العسكرى الروسى فى أوكرانيا وحتى لمزيد من الدول الأوروبية، الأمر الذى قد يؤدى فى النهاية إلى حرب عالمية ثالثة.

 

حذر العديد من الخبراء من أن الغارة الشاملة التى استخدمتها القوات الخاصة الأمريكية ضد فنزويلا أصبحت دليلا واضحا على عودة الجغرافيا السياسية إلى عقيدة الحرب الباردة القائمة على مناطق النفوذ، وبالنسبة لنفوذ الولايات المتحدة فإنها تهتم بنصف الكرة الغربى، فى حين أن القوتين الأخريين الصين وروسيا يهتمان بالجزء الآخر من العالم، فالصين تهمها تايوان، فى حين أن روسيا تهتم بمدّ نفوذها إلى أوكرانيا وحتى إلى العديد من بلاد الاتحاد السوفيتى سابقا والتى تعد حاليا جزءا من أوروبا، الأخطر أن تتحول هذه البؤر الساخنة المحتملة إلى حرب عالمية شاملة بسرعة كبيرة.

صحيفة التليجراف البريطانية تؤكد وجهة النظر هذه، وقالت فى تقرير سابق لها «من تايوان إلى استونيا ولاتفيا، يبدو أن احتمال اندلاع حرب عالمية ثالثة أقرب من أى وقت مضى، إلا إذا كنت من هؤلاء الذين يعتقدون أنها قد بدأت بالفعل».

بل يعتقد الكثير من الخبراء أن الوضع الآن أكثر سخونة مما كان عليه حتى فى فترة الحرب الباردة، ففى تلك الأثناء كان احتمال نشوب صراع أمرا عرضيا، لكن الأمور مختلفة تماما الآن، ففى روسيا وعبر أوروبا الغربية فهناك استعداد خطابى للصراع المسلح على نطاق لم يسبق له مثيل.

فمارك روته الأمين العام لحلف ناتو صرح مؤخرا بأن الغرب يجب أن يكون مستعدا كما قال «لحجم الحرب التى عانى منها أسلافنا»، بينما قال قائد القوات الجوية البريطانية المارشال السير ريتشارد نايتون «إن الوضع أكثر خطورة من أى وقت مضى خلال مسيرته المهنية»، وأضاف «للأبناء والبنات والزملاء والمحاربين القدامى دور يؤدونه جميعا فى البناء والخدمة، وإذا لزم الأمر فى القتال».

أما الرئيس الروسى فيلاديمير بوتين، بالإضافة لمماطلة روسيا فى محادثات السلام مع أوكرانيا، فقد حذر بوتين ذاته من استعداده لخوض حرب مع أوروبا إذا لزم الأمر، وذكرت صحيفة الإندبندنت البريطانية أنه إذا حدث ذلك، فمن المرجح أن يأتى عبر استفزاز من حلفاء الناتو الأوروبيين فى عدد من نقاط التوتر، لاسيما فى بحر البلطيق وشمال المحيط الأطلسى، وعبر البلقان».

وتوقعا لذلك بدأت موسكو بالفعل باختبار دفاعات الناتو وعزيمته من خلال سلسلة من التوغلات الجوية فى إستونيا ورومانيا وبولندا.

وفى مؤشر واضح على تزايد المخاوف من احتمال وقوع هجوم وشيك، أعلنت إستونيا ولاتفيا وليتوانيا، بالإضافة إلى بولندا وفنلندا انسحابها من معاهدة قديمة تمنع استخدام الألغام الأرضية، سعيا لتعزيز حدودها مع روسيا، كما تعالت الصيحات لإعادة إحياء «حزام المستنقعات» فى بحر البلطيق على طول الجناح الشرقى لحلف الناتو لحماية أوروبا من روسيا، ويعود هذا المصطلح إلى فترة الحرب الباردة حيث كانت تفخخ الدول حدودها سواء للحماية من الأعداء أو حتى لمنع هروب السكان.

على الجانب الروسى الذى ربما يستهدف بالفعل دول البلطيق، بدأت موسكو أيضا بتكثيف جهودها لإنتاج الصواريخ فرط صوتية، وذكرت صحيفة «إيكونميك تايمز» أن هذه الأسلحة متوسطة المدى قادرة على ضرب أهداف على بعد يصل إلى 3415 ميلا، مما يجعل مواقع فى جميع أنحاء أوروبا وحتى غرب الولايات المتحدة ضمن نطاقها المحتمل.

وساهم فى تصاعد الموقف صاروخ «بوريفستنيك» الروسى، وهو صاروخ نووى جوال تم اختباره فى أكتوبر الماضى وكانت تجربة ناجحة، وأظهرت اختبارات الصاروخ قدرته على الطيران لمدة 15 ساعة متواصلة وقطع مسافة 14 ألف كيلو متر (8700ميل)، لكن الرئيس بوتين صرح بأن مداه الحقيقى قد يكون غير محدود، ووصفت صحيفة ذا ميرور البريطانية ادعاء الرئيس الروسى بامتلاكه أعلى مستوى من الترسانة النووية فى العالم بأنه «إنذار مرعب باندلاع حرب عالمية ثالثة»، لكن ذلك يثير أيضا تساؤلات من الخبراء حول ما إذا كان اقتصاد بوتين وموارده العسكرية تتحمل مزيدا من التوسع فى أوروبا.

فى أوروبا هناك تخوف آخر من سياسة ترامب المتساهلة تجاه روسيا، ويخشى الأوروبيون من أن هذا النهج سيؤدى إلى مزيد من تشجيع من الجهود العسكرية فى المنطقة، وتحفيز بوتين على مهاجمة الناتو لاحقا، فى الوقت الذى يعتقد فيه المسئولون الأوروبيون أن طموح بوتين لا يقف عند أوكرانيا وأن تقديم تنازلات إقليمية سيؤدى بدوره إلى توسع روسى فى المنطقة.

وفى هذا السيناريو إذا شنت روسيا عملا عسكريا ضد أى دولة عضو فى الناتو، فستدفع التحالف العسكرى إلى صراع شامل، وعندها ربما تدعو روسيا حلفاءها للانضمام إلى الحرب وحينها ستتحول إلى حرب عالمية، الأمر الذى يزيد من المخاوف العالمية حول التصعيد الروسى والانزلاق العالمى لحرب شاملة كما حدث سابقا.

أما على الجانب الصينى فهناك اعتقاد سائد بأن التهديد الأكبر للاستقرار الجيوسياسى يكمن فى تصاعد التوتر بين الصين والولايات المتحدة، مع توقع أن تكون تايوان محور أى مواجهة عسكرية مستقبلية، ففى حين تعتبر بكين تايوان جزءا لا يتجزأ منها، تدعم الولايات المتحدة الجزيرة ماليا وعسكريا وإعلاميا لاستمرار استقلال الجزيرة.

وفى العام المنقضى أجرى جيش التحرير الشعبى الصينى تدريبات عسكرية بالذخيرة الحية فى مضيق تايوان، واستدل على ذلك بأنها «بروفة حقيقية لحصار مستقبلى للإطاحة بالحكومة فى تايبيه مستقبلا».

كما أجرت الصين تدريبات بالذخيرة الحية على مشارف أستراليا وفيتنام وتايوان، وكشفت النقاب عن قواطع كابلات بحرية قادرة على قطع خدمة الإنترنت عن أى دولة أخرى، وهى أدوات لا تعترف أى دولة أخرى بامتلاكها.

ويتوقع العديد من المراقبين أن تسعى الصين للتحرك نحو تايوان بحلول عام 2027، الذى ينظر إليه على أنه عام مميز لأنه يصادف الذكرى المئوية لجيش التحرير، ويمكن أن يشجع على ذلك انشغال الرئيس الأمريكى بتغير الأنظمة فى أمريكا اللاتينية، كما جاء فى صحيفة الإندبندنت أن أى محاولة غير موفقة لضم تايوان قد تثير رد فعل هائلا لدى جميع القوى الإقليمية الكبرى بما فى ذلك الهند واليابان وأستراليا والولايات المتحدة، وفى السيناريو الاسوأ قد ينذر ذلك بمواجهة عالمية حقيقية.

مدخل آخر ينذر بقيام هذه الحرب وهو مدخل الشرق الأوسط متمثلا فى إيران، حيث جدد ترامب تهديده بالتدخل الأمريكى فى إيران فى ظل استمرار موجة الاحتجاجات التى تعصف بالبلاد بسبب تدهور الوضع الاقتصادى، وسبق أن اتهمت وزارة الخارجية الإيرانية الرئيس الأمريكى بتصعيد التوترات فى المنطقة، وحذر ترامب أن السلطات الإيرانية ستواجه عواقب وخيمة فى حال سقوط المزيد من القتلى بين المتظاهرين.

وتعد هذه التوترات هى الأكثر حدة بين البلدين، وزاد من حدتها تصريحات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بتضامنه مع مطالب الشعب الإيرانى، ورغم ما حدث فى العام الماضى من هجمات أمريكية على إيران، ورغم زعم ترامب أنه قضى على القدرات النووية لإيران، إلا أن إيران حسب الإحصائيات تحتفظ بـ440 كيلو جراما من اليورانيوم عالى التخصيب، ويشير ذلك إلى وضع خطير للغاية، فرغم تراجع قدرات إيران بشكل طفيف، إلا أن دوافعها تضاعفت بشكل كبير لامتلاك برنامج نووى، لكن أيضا ضعف حزب الله فى لبنان وسقوط نظام الأسد فى سوريا أضعف كثيرا من قدرات إيران، وربما تستغل أمريكا حالة الضعف هذه فى ظل الاحتجاجات القائمة وتتخذها ذريعة لرد فعل من شأنه أن يشل النظام فى إيران.

وفى الحديث عن حرب عالمية لا يجب التغافل هنا عن كوريا الشمالية، فقد دعا الزعيم كيم جونج أون مصانع الذخيرة إلى مضاعفة طاقتها الإنتاجية للأسلحة التكتيكية الموجهة، وقد أطلقت كوريا عدة صواريخ باليستية من عاصمتها بيونج يانج باتجاه البحر، كما ذكرت شبكة سى إن إن الأمريكية أن كيم قام بسلسلة من الزيارات إلى مصانع الأسلحة، بالإضافة إلى غواصة تعمل بالطاقة النووية وأشرف على تجارب الصواريخ.

كما أن كيم منذ العام الماضى بدأ يبعد بلاده عن فكرة التوحيد السلمى مع كوريا الجنوبية، كما أنه رفض مرارا وتكرارا دعوات واشنطن لإنهاء برنامج الأسلحة النووية والصاروخية، ويواصل كيم إعطاء الأولوية لروسيا فى ظل سياسة خارجية تهدف إلى توسيع العلاقات مع البلاد التى تواجه أمريكا، وفى ظل تخوف الولايات المتحدة من أن تمد موسكو كيم بتكنولوجيا تعزز من قدرات جيش كيم النووى، والذى بدوره قد يشكل خطرا متزايدا من أن تغزو كوريا الشمالية كوريا الجنوبية، وحينها ستنضم الصين للمعسكر الكورى الشمالى الروسى، وهذا من شأنه أن يفتح جبهة جديدة ضد الولايات المتحدة مما يسهل على الصين من الجهة الأخرى الاستيلاء على تايوان.

طرق جميعها يؤدى فى النهاية إلى اندلاع نار قد تحرق العالم لأجل مصالح دول على حساب دول أخرى، ويحذر الخبراء من أنه إذا لم تكن هؤلاء القوى على حذر كافٍ فى التعامل مع الأمور، فإن أصغر شرارة قد تؤدى لاشتعال الفتيل.

    كلمات البحث
  • صراع
  • المصالح
  • حرب
  • عالمية
  • ثالثة

الاكثر قراءة