افتتاح المتحف المصرى الكبير، لا يمثل مجرد افتتاح لمبنى أثرى ضخم، بل هو تتويج لرحلة وعى واعتزاز وطنى امتدت لسنوات من العمل المتواصل والتخطيط الدقيق، ليجسد إرادة مصر فى إعادة تقديم حضارتها العريقة للعالم بروح معاصرة.
فهذا المشروع يجمع بين الهندسة المعمارية والروح الحضارية، حيث تلتقى فيه الحداثة بالتاريخ فى لوحة بصرية وثقافية فريدة تعيد تعريف معنى القوة الناعمة لمصر، وتؤكد أن الهوية المصرية قادرة دومًا على التجدد والعطاء.
الحضارة المصرية القديمة ليست مجرد تاريخ مضى، بل روح متجددة تسكن وجدان المصريين عبر العصور، فكل حجر فى الأهرامات وكل نقش على جدار معبد يعكس قيم العمل والابتكار والانتماء للوطن، واليوم، يعيد المتحف المصرى الكبير إحياء هذه القيم من خلال رؤية ثقافية جديدة تبرز عبقرية المصرى القديم فى سياق معاصر يربط بين الماضى والحاضر.
المتحف لا يكتفى بعرض الآثار، بل يتحول إلى منصة تعليمية وتفاعلية تنقل للعالم دروسًا فى الحضارة والتنوع والاحترام المتبادل، إنه يرسخ دور مصر كمنارة للمعرفة الإنسانية.
من المهم أن تكون الجامعات شريكًا فاعلاً فى هذا المشروع الحضارى، فالمتحف ليس مجرد وجهة سياحية، بل مورد معرفى وبحثى ضخم يمكن للجامعات استثماره فى التعليم والتدريب والبحث العلمى.
إن التعاون بين الجامعات والمتحف فى تنظيم الزيارات الميدانية، والمشروعات البحثية، والبرامج التدريبية فى مجالات التوثيق الرقمى والعرض المتحفى وإدارة التراث والسياحة الثقافية، سيحول المتحف إلى مختبر مفتوح للمعرفة ويجعل التجربة التعليمية أكثر ارتباطًا بالواقع.
هذا التعاون سيحول القاعات الدراسية إلى جسر يصل الطلاب بتاريخ بلادهم، ليصبح المتحف امتدادًا طبيعيًا للجامعة وميدانًا لتكوين الوعى العلمى والثقافى والوطنى، وعندما تلتقى الجامعة بالمتحف، يلتقى العلم بالتاريخ، والمعرفة بالهوية، والمستقبل بالجذور، ومن قلب هذا اللقاء تتجدد مسؤوليتنا فى صون التراث وبناء الوعى، حتى نظل نكتب فصول حضارتنا القادمة بنفس الروح التى خط بها أجدادنا أول حروف التاريخ.
إننا نعيش فى عالم تتغير فيه موازين القوى وتتقدم فيه المعرفة لتصبح قاطرة التنمية، وتأتى المشروعات الثقافية الكبرى لتعيد صياغة هوية الدولة الحديثة، والمتحف المصرى الكبير يمثل أحد أعمدة الهوية المعرفية الجديدة لمصر، التى ترى فى الثقافة والتعليم والوعى أدوات أساسية للبناء والتنمية المستدامة.
ما تحقق حول المتحف من تطوير شامل للبنية التحتية والطرق والتجميل الحضارى لا يهدف فقط إلى استقبال الزوار، بل يعكس رؤية مصرية متكاملة للتحضر فى الفكر والجمال وإدارة المشروعات، بما يعلى من قيمة الإنسان والمكان معًا.
إن افتتاح المتحف المصرى الكبير هو حدث عالمى يؤكد أن مصر لا تزال قادرة على الإبهار والتجديد، أدعو جميع المصريين وزوار العالم لزيارة المتحف والاستمتاع بتجربة فريدة تجمع بين التاريخ والمعرفة والجمال، فهذا ليس مجرد صرح أثرى يضاف إلى رصيد مصر، بل رمز لميلاد حضارى جديد تطل به الأمة على العالم بثقة واستنارة.