رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

عمارة المتحف.. امتياز بـ «شهادة الخبراء»


5-11-2025 | 15:20

.

طباعة
تقرير: منار عصام

«إنجاز يرقى إلى حد الإعجاز».. درس مصرى جديد قدمه أبناء المحروسة للعالم أجمع، فإلى جانب الحفل الأسطورى لافتتاح المتحف الكبير، والمشاركة اللافتة للنظر، سواء من قادة العالم أو وسائل الإعلام الدولية؛ حرصت على أن تكون حاضرة «على الهواء مباشرة» لنقل الحدث الأهم خلال الفترة الحالية، فإن زاوية مضيئة كانت وستظل شاهدة على عظمة «إبداع المصرى»، تلك الزواية التى يمكن من خلالها النظر إلى «التصميم المعماري» للمتحف المصرى الكبير، الذى جاء وبشهادة الخبراء متوافقًا مع طبيعة المكان الذى شيّد فيه المتحف الأكبر فى العالم، ومتسقًا بشكل كامل مع ما يقدمه للبشرية من «كنوز».

 

وقال المهندس سيف أبو النجا، رئيس جمعية المعماريين، إن «فكرة المتحف المصرى الكبير تعود إلى وزير الثقافة الأسبق فاروق حسنى، وحصلت تلك الفكرة على موافقة وتصديق الرئيس الراحل محمد حسنى مبارك، على أن يتم تنفيذها بتمويل دولى إيطالى، وبدأت الأعمال الهندسية لإنشاء المتحف المصرى الكبير بإعداد مرجعية التصميم، وهى عملية استغرقت ما يقارب من 3 سنوات، حيث تم خلالها الوقوف على مشتملات المتحف من المعروضات، التى يأتى على رأسها المجموعة الكاملة لمحتويات مقبرة الملك توت عنخ آمون، بجانب تمثال الملك رمسيس الثانى، بجانب عدد كبير من القطع الأثرية التى يتم اختيارها، وفقا لتقرير أمناء المتحف المصرى، بعضها فى المخازن، والبعض الآخر منتشر فى المتاحف الإقليمية بالمحافظات».

وأضاف «أبو النجا» أنه فور الانتهاء من وضع مرجعية التصميم، طرح الاتحاد الدولى للمعماريين وجمعية المهندسين المصريين المعماريين مسابقة كانت الأكبر على مستوى العالم؛ إذ شارك فيها 1575 معماريا عالميا من أكثر من 67 دولة، قدموا تصميماتهم ومشروعاتهم أمام لجنة تحكيم دولية، ضمت ممثلين من اليونيسكو والاتحاد الدولى للمعماريين وجمعية المعماريين المصريين، وانتهت اللجنة لاختيار 300 مشروع ليتم الفصل بينها، وفى الأخير وقع الاختيار على 5 مشروعات فائزة، كانت جميعها على مستوى عالٍ ومتقارب فى الاحترافية فى التصميم».

رئيس «المعماريين»، أكد أن «أهم ما يميز مشروع المتحف المصرى الكبير هو اختيار الموقع المميز القابع إلى جوار أهرامات الجيزة، أحد أهم المعالم الأثرية على مستوى العالم، لذلك طرح المشروع فى مسابقة معمارية دولية طبقا لقواعد الاتحاد الدولى للمعماريين UIA عام 2002 شارك فيها 1757 مكتبا معماريا دوليا، وتم التحكيم فيها على مرحلتين، واختارت لجنة التحكيم الدولية منها 20 مشروعا حتى يتم اختيار أفضلها فى المراكز الخمسة الأولى وهى، الأول: مشروع متميز لمكتب أيرلندى لمعمارى كورى موهوب وزوجته المعمارية من أيرلندا وتم التعاقد معه كاستشارى للمشروع، والثانى: مشروع متميز لمكتب لمعمارى نمساوى، والثالث: مشروع متميز لمكتب معمارى تشيكى عميد كلية العمارة فى كراكوف، والرابع: مشروع متميز لمكتب لمعمارى إيطالى، ودار حوله جدل ومناقشات فنية كبيرة، والخامس: مشروع متميز لمكتب لمعمارى برتغالى شهير، ودار حوله مناقشات فنية كبيرة».

«أبو النجا»، انتقل بعد ذلك للحديث عن مراحل التنفيذ التى مر بها المتحف وصولا إلى افتتاحه الرسمى فى الأول من نوفمبر الجارى، وقال: بعدما وضع الرئيس المصرى الأسبق محمد حسنى مبارك حجر أساس المشروع فى فبراير 2002 بالقرب من أهرامات الجيزة بعد إجراء الدراسات الأولية، أطلقت مصر فى العام ذاته مسابقة معمارية دولية لأفضل تصميم للمتحف تحت رعاية منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) والاتحاد الدولى للمهندسين المعماريين. وفى يونيو 2003، فاز بالمسابقة تصميم مقدم من مكتب استشارى صينى أيرلندى يتخذ من دبلن مقرا، وذلك نظرا لأن التصميم يجمع بين الحداثة والأصالة، والتصميم يمثل أشعة الشمس الممتدة من قمم الأهرامات الثلاثة، وقد اُختير موقع بناء المتحف عند التقاء تلك الأشعة فى منطقة فى شكل كتلة مخروطية، كما يبدو المتحف نفسه من منظور رأسى على شكل هرم رابع.

وأكد «أبو النجا» أن «عمليات التمهيد وإزالة العوائق الطبيعية بدأت فور الاستقرار على التصميم واستمرت نحو ثلاث سنوات حتى تدشين عمليات الإنشاء فى مايو 2005 بقرض تنموى من هيئة التعاون الدولى اليابانية، وبعد الانتهاء من المتحف وإنشائه بأيادٍ مصرية، شعر الجميع بفخر واعتزاز بما قدموه من جهد وعمل شاق، استمر سنوات حتى تقدم مصر هديتها إلى العالم».

من جانبه، أكد الدكتور مجدى شاكر، كبير الأثريين بوزارة الآثار، أن «الرمزية المعمارية للتصميم الهندسى للمتحف المصرى الكبير مستوحاة من الحضارة المصرية القديمة، وهو ما نجده فى وضع المسلة فى مدخل المتحف والتى كانت توضع قديما أمام المعابد، موضحا أن «المسلات فى عقيدة المصرى القديم كانت لها علاقة بالمعبود رع «الشمس»، وكانت تشير إلى قدسية المكان الذى توضع أمامه».

وأضاف تلك المسلة روعى عند اختيار موقعها فى مدخل المتحف أن تكون مميزة، لذلك صُممت لتكون المسلة المعلقة الوحيدة على مستوى العالم، فيستطيع الزائر أن يعبر من أسفلها ورؤية الخرطوش الملكى للملك رمسيس الثانى المنقوش فى بطن تلك المسلة، واللافت أيضا فى تلك المسلة هو النقوش التى زينت جوانبها الأربعة، التى تدل على الأسماء التى تعنى «مصر» بمختلف اللغات المعروفة فى ذلك الوقت.

كبير الأثريين بوزارة الآثار تحدث كذلك عن تصميم واجهات المتحف الذى زين بعدد من «الموتيفات» من الفن المصرى القديم، أبرزها مثلثات تمثل الأهرامات المصرية وكذا رءوس المسلات، بجانب تدوين عدد من الخراطيش الخاصة بالملوك المصرية فى الحضارة المصرية القديمة.

وفيما يتعلق بـ«سقف المتحف»، أوضح «شاكر» أنه تم تصميمه على شكل «جمالوني»، مشيرا فى ذلك إلى مبدأ الأبدية الذى كرسه المصرى القديم، وكذا مخرات السيول التى حرص المصمم على جعلها على شكل «زجزاج»، الذى يشبه حرف M فى اللغة المصرية القديمة.

«شاكر» تحدث كذلك عن منطقة البهو بالباهرة، موضحًا أنها «تجمع بين المعمار الحديث، وكذا عدد من التماثيل المميزة والقطع الأثرية الرائعة، أبرزها تمثال الملك رمسيس الثانى الذى يعد أيقونة بهو المتحف المصرى الكبير، وقد أضفى المصمم المعمارى، على موقع تمثال الملك رمسيس الثانى فى بهو المتحف، لمسة جمالية، بوضعه داخل بحيرة صغيرة من المياه مثلثة الشكل، التى ترمز إلى نظرية الخلق عند القدماء المصريين، التى كانت مبنية على أساس أن الكون كان فى بدايته عبارة عن مياه «نون»، ثم بدأت تلك المياه فى الانحسار ليظهر تلّ ليخلق فيما بعد آتون وهو أول المخلوقات عند المصرى القديم، ثم جسد المصمم صعود الروح فى العقيدة المصرية القديمة بالدرج العظيم الذى يوجد فى بدايته مجموعة من التماثيل للملوك تليها تماثيل الآلهة ثم مجموعة من المعماريين الذين شيدوا المعابد والمقابر، وفى آخر الدرج نجد نافذة الخلود التى تطل على أفق الأبدية والمتمثل فى منطقة الأهرامات.

وأشار إلى أنه تم الاعتماد على مواد صديقة للبيئة فى إنشاء المتحف المصرى الكبير مثل الألباستر والزجاج المشعّ الذى يضفى لمسة جمالية فى الليل، لافتًا إلى أن المتحف قد حصل على 8 شهادات «جودة» قبل أن يتم افتتاحه رسميا، فضلا عن اعتباره أكبر منشأة معمارية صديقة للبيئة من قِبل معمارى فيرساى، وكذا متحف محايد كربونيا، أى أنه لا يسبب أى ضرر للبيئة.

كما أكد أن «موقع المتحف المميز لا يتسبب فى قطع الهوية البصرية للهرم، فعندما نمر إلى جوار المتحف من كافة الاتجاهات يمكننا الاستمتاع بالمنظر الجمالى للهرم، بل إن تصميمه من الأعلى يعد كأنه هرم رابع، والألوان المستخدمة أيضا تأثروا فيها بالألوان المستخدمة فى جدران المقابر والمعابد، وروعى فى تصميم المتحف الاعتبارات الهندسية المتعلقة بالزلازل فهو صُمم ليبقى لمئات وآلاف السنوات، كما تم تزويد المتحف بأحدث الوسائل التكنولوجية للعناية بالآثار وتوفير تجربة زيارة فريدة للزائرين، بجانب تأمين المتحف بمنظومة تقنية شاملة للعاملين والزائرين، بما يضمن أمن وسلامة الآثار والزائرين.

ووصف كبير الأثريين بوزارة الآثار، المتحف المصرى الكبير بـ«البوابة الزمنية التى يطل من خلالها من جهة على القاهرة بحداثتها وفى الجهة المقابلة يطل المتحف على أهرامات الجيزة، التى تعد أبرز ما شيده المصرى القديم، لذلك فإن المتحف يعد جسرا يربط بين الماضى والحاضر ويعطى نظرة للمستقبل عن طريق شرفة نافذة الظهور، على حد وصفه.

كذلك، سلّط الضوء على أن المتحف المصرى الكبير أسهم فى عرض بشكل كامل مجموعة الملك توت عنخ آمون للمرة الأولى فى متحف واحد منذ اكتشافها، مضيفا أن «أبرز ما يميز تلك المجموعة هو قناع الملك توت عنخ آمون الذى يعرض داخل المتحف بشكل مميز يتيح للزائرين الاستمتاع بواحدة من أغلى القطع الأثرية على مستوى العالم».

وعن أبرز التحديات الهندسية التى واجهت عملية إنشاء المتحف، أوضح كبير الأثريين بوزارة الآثار، أن «الموقع كان عبارة عن هضبة رملية عالية أسفلها مجموعة من التجاويف الجيرية والكهوف، فضلا عن دراسة طبيعة مناخ المنطقة لتحديد طبيعة اتجاه الرياح مستوى الرطوبة، وكذا أماكن هطول الأمطار وغيرها من العوامل الجوية الأخرى التى أسهمت فى خروج المتحف بصورة مميزة، فضلا عن النجاح فى تحقيق ظاهرة تعامد أشعة الشمس على وجه رمسيس الثانى كما يحدث فى معبده بأبو سمبل من كل عام امتدادا للبراعة فى المعمار المصرى، الذى استخدم أيضا أحجارا كالجرانيت والحجر الجيرى الذى تم الاعتماد عليه فى بعض أجزاء المتحف المصرى الكبير».

وشدد على أن «رؤية الدولة المصرية للمنطقة لا تقتصر فقط على إنشاء المتحف المصرى الكبير، لكنها تشمل تطوير منطقة الأهرامات ككل باعتبار أنها ستصبح واجهة مصرية حضارية يسعى العالم أجمع لزيارتها، والمتحف المصرى الكبير هو حكاية مصرية خالصة نرويها كأجيال حديثة إلى أبنائنا وأحفادنا كما فعل المصريون القدماء، فقد كان أمنحوتب هو المعمارى الأول فى التاريخ صاحب أول هرم مدرج، لذلك كان لزامًا على الأحفاد أن يكونوا على هذا القدر من التاريخ فى تقديم منشأة تحتضن تراثا مصريا ممثلا فى مئة ألف قطعة أثرية لا يمكن أن تتكرر، والمتحف المصرى الكبير يحافظ ويحمى الهوية المصرية من كل حملات التشويه».

أخبار الساعة