من المؤكد أن هذه الزيارة التاريخية سوف تتبعها طفرة ملموسة فى مختلف المجالات، خاصة ما يتعلق بتوطين الصناعة ونقل التكنولوجيا، باعتبارهما يحتلان أولوية لدى البلدين، كما قال الرئيس عبد الفتاح السيسي.
ولعل من أهم الثمار تدشين المرحلة الثالثة من توسعات المنطقة الصناعية المصرية الصينية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، بما يطلق مرحلة جديدة من الأعمال فى قطاعات رئيسية، مثل الطاقة المتجددة، وصناعة السيارات، والنسيج، والألياف الكيماوية.
ناهيك عن التزام الدولة الصينية، كما ورد على لسان رئيسها شى جين بينج فى كلمته الختامية للزيارة، بتنفيذ مقررات الشراكة الاستراتيجية مع مصر، المعلنة فى عام 2014، وحرص الصين على الارتقاء بها إلى آفاق أرحب، ومواصلة تشجيع الشركات الصينية على زيادة استثماراتها فى مصر، والاستفادة من المزايا والمقومات التى توفرها السوق المصرية وموقعها الاستراتيجى، واستمرار نقل الخبرات والتعاون الفنى فى مجالات البنية التحتية والطاقة والتصنيع والزراعة.
بكل تأكيد، لن أكرر الحديث عن علاقة الصداقة والشراكة بين مصر والصين، فقد تناولها الزميل الأستاذ عبد اللطيف حامد، رئيس تحرير مجلة «المصور»، بشكل رائع فى مقاله الرئيسى بالعدد الماضي، لكننى سأتحدث فى عدة محاور وزوايا وتساؤلات، منها: هل يمكن اللحاق بقطار الصين العظيم؟ وكيف نستطيع محاكاة التجربة الصينية فى صناعة التكنولوجيا باعتبارها مصدر القوة الرئيسى؟ وهل هناك أوجه تشابه ومقومات مشتركة بين البلدين تتيح تحقيق حلم اللحاق بقطار الصين؟
فربما نخرج منها ببعض الدروس المستفادة، لا سيما أن الصين لم تُولد عملاقًا صناعيًا، بل تحققت عملقتها التى بهرت العالم عبر مراحل تدريجية تحلت خلالها بالصبر والتحمل، واعتمدت فيها على التعليم أولًا، ثم التصنيع والاستثمار، وفق خطط وسياسات حكومية طويلة الأجل.
وتعاملت الصين مع التكنولوجيا باعتبارها مشروع دولة، ترى أنه جزء لا يتجزأ من أمنها الاقتصادي، وليست مجرد مشروعات هنا ومشروعات هناك تنفذها شركات خاصة. كما اعتبرت التعليم الفنى والهندسي، الذى اهتم بالتوسع فى إعداد المهندسين والباحثين والعمالة الفنية المدربة وربط مخرجاته باحتياجات سوق العمل، عنصرًا أساسيًا فى بناء قاعدة التصنيع والإنتاج التكنولوجي، دون إغراق أو استغراق فى عالم الابتكارات والاختراعات.
وهذا الأمر يفسر فتح أبواب ونوافذ الدولة أمام الشركات العالمية، وتذليل العقبات كافة أمامها، حتى نجحت تلك الشركات فى الانتقال تدريجيًا من التجميع والتصنيع لحساب الغير إلى تطوير تلك المنتجات، لتصبح «براندات» صينية غزت الأسواق المحلية الضخمة، التى تعاملت معها كمختبر لجودة تلك المنتجات، ثم انطلقت منها نحو أسواق العالم قاطبة.
لقد تبنت الصين سياسة توطين صناعة التكنولوجيا، دون الاكتفاء بجذب الاستثمارات العالمية، حتى نجحت بالفعل فى بناء قدرات محلية حققت طفرة هائلة، مكنتها من بناء منظومة تضم المواد الخام والمكونات والمصانع واللوجستيات والبرمجيات والتسويق والتصدير، إلى جانب مواصلة رحلة البحث والتطوير.
إن المدقق فى قراءة ما ورد فى الفقرات السابقة من المقال يرى أن مصر بدأت السير بخطى إيجابية حثيثة وثابتة نحو اللحاق بقطار الصين، وليس بعيدًا أن تصبح قوة اقتصادية وصناعية وتكنولوجية لا يُستهان بها خلال السنوات العشر القادمة.
ومن الأمور المبشرة أن مصر قد بدأت بالفعل تنفيذ خطط مهمة، قوامها بناء القدرة على إنتاج التكنولوجيا وتطويرها وامتلاك سلاسل توريدها، من خلال توفير تعليم مناسب لسوق العمل، وبحث علمى تطبيقي، وتصنيع محلي، وفتح أبوابها أمام شركات تكنولوجية عالمية عملاقة مثل سامسونج، والتركيز على سوق محلية كبيرة، ثم الانتقال منها إلى التصدير والمنافسة العالمية فى مرحلة لاحقة، وبذلك تتحول من دولة مستهلكة للتكنولوجيا إلى دولة منتجة ومصدرة لها.
إن دولة عملاقة بحجم الصين، صاحبة ثانى أضخم اقتصاد فى العالم، بلغ ناتجها المحلى نحو 19.5 تريليون دولار فى العام الماضي، بمعدل نمو 5فى المائة، وفق أحدث بيانات صندوق النقد الدولي، ويتوقع أن يقفز إلى 20.7 تريليون دولار هذا العام، وتتمتع باحتياطات نقد أجنبى قدّرها صندوق النقد بنحو 3.7 تريليون دولار فى 2025، جديرة بأن نحاكى تجربتها.
بالفعل، لا يمكن أن نكون نسخة صينية مكررة، لكن بإمكاننا محاكاة أجزاء مهمة من التجربة، نستفيد فيها من نهج الصين التى أصبحت أقوى قوة اقتصادية وصناعية فعلية فى العالم.
من هنا، دعونى أثمّن توجهات القيادة السياسية التى بدأت العمل بجد على عدة محاور، على رأسها تحويل الصناعة إلى مشروع قومى طويل الأجل يُنفذ من خلال خطة تمتد من 15 إلى 20 عامًا، بهدف جعل مصر منافسًا عالميًا فى صناعة السيارات ومكوناتها، فضلًا عن الإلكترونيات والصناعات الغذائية والدوائية والمنسوجات والبرمجيات والذكاء الاصطناعى والطاقة المتجددة ومكوناتها، عبر البدء فى إنشاء مدن متخصصة ومتكاملة تضم الاختصاصات السابقة، مثل منطقة العين السخنة الصناعية، التى تضم أنشطة متعددة فى مجالات الإلكترونيات والسيارات والأدوية والصناعات الثقيلة والغذائية، ثم الانتقال من مرحلة التجميع إلى التصنيع، ومن الاكتفاء بالسوق المحلية إلى التصدير.
وإذا كانت مصر قد بدأت بالفعل فى امتلاك بنية يمكن البناء عليها، فإنه لا يزال ينقصها خلق شركات ضخمة قائدة، قادرة على المنافسة عالميًا، وليس الاكتفاء بتقديم دعم حكومى لعدد من الشركات الواعدة، فالدعم الحكومى وحده لا يكفي!
مصر بحاجة إلى تغيير استراتيجيتها الحالية القائمة على استيراد التكنولوجيا المتطورة، والانتقال بها إلى مرحلة البحث والتطوير المستمر، حتى تنتج تكنولوجيا محلية تتولى شركات مصرية الإنفاق عليها، بعيدًا عن موازنة الدولة، وحتى تحذو حذو الشركات الصينية التى أصبحت تتحمل نسبة كبيرة من الإنفاق العالمى على البحث العلمى والتطوير.
الصين، يا سادة، لديها الآن 524 شركة من بين أكبر 2000 شركة عالمية تستثمر فى مجال صناعة التكنولوجيا.
مصر بحاجة إلى التوقف فورًا عن أى استثمار حكومى لا يأتى بعائد، والتخلى تمامًا عن حماية الشركات المحلية من المنافسة، والاهتمام بجودة الإنتاج وإمكانية تصديره، وتحويل التكنولوجيا إلى مصدر لجلب العملات الأجنبية، والانتقال من استهلاك التكنولوجيا إلى تصنيعها، لا سيما أن فاتورة واردات مصر من الهواتف المحمولة والمكونات المرتبطة بها بلغت نحو 1.9 مليار دولار العام الماضي.
حسنًا فعلت القيادة السياسية أيضًا حين أطلقت مبادرة «مصر تصنع الإلكترونيات»، فى خطوة للتحرك من نقطة استخدام واستيراد التكنولوجيا إلى توطين صناعتها.
ومن الأمور المبشرة أيضًا فى محاكاة التجربة الصينية واللحاق بقطار الصين، وجود قواسم مشتركة بين البلدين، فالدولة فى البلدين هى المتحكم فى زمام الأمور، كقائد يدير دفة الاستثمار ويوجهه نحو التعليم والتصنيع فى قطاعات التكنولوجيا، بالإضافة إلى أن مصر تشبه الصين فى امتلاك سوق محلية ضخمة يمكن أن تجمع بينها وبين التصدير، مستغلة موقعها الجغرافى المتميز الذى جعلها بوابة مهمة للخروج إلى معظم دول العالم.
وهذا الموقع من أهم مزايا مصر التنافسية فى مجال التكنولوجيا، ويمكنها من خلاله أن تصبح مركزًا إقليميًا للبرمجيات والذكاء الاصطناعى والإلكترونيات ومكونات السيارات والطاقة المتجددة.
وإذا كانت الصين قد استثمرت بكثافة فى التعليم الهندسى والتقني، فإن مصر هى الأخرى بدأت بناء قاعدة بشرية مماثلة عبر برامج التدريب الرقمى التى استهدفت تدريب أكثر من 600 ألف شخص فى قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات خلال خطة 2025/2026.