في السياسة، ليست القوة أن تتحدث كثيرًا.. وإنما أن تعرف متى تتحدث، وماذا تقول، ولمن توجه الرسالة.
وهنا تحديدًا تكمن أهمية الموقف الذي أعلنته مصر بشأن تايوان، عندما أكدت التزامها الثابت بمبدأ «الصين الواحدة»، وأن تايوان جزء لا يتجزأ من أراضي جمهورية الصين الشعبية، في رسالة سياسية جاءت بالتزامن مع زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى القاهرة .
قد يقرأ البعض التصريح باعتباره مجرد موقف دبلوماسي معروف، لكن من يقرأ المشهد السياسي الأوسع يُدرك أن الأمر محسوم.
الرئيس السيسي يعرف جيدًا قيمة الكلمة السياسية، ويعرف أن التوقيت في العلاقات الدولية قد يكون أهم من الكلمات نفسها .
فالرئيس الصيني كان موجودًا في القاهرة، ومصر تحتفل بمرور سبعين عامًا على علاقاتها الدبلوماسية مع الصين، والعالم يعيش مرحلة إعادة تشكيل لموازين القوى الدولية، وفي هذه اللحظة تحديدًا تأتي الرسالة المصرية واضحة، بلا التواء ولا غموض.
الرئيس السيسي.. عندما تتحول المناسبة إلى رسالة سياسية، ليس المهم فقط أن تقول مصر موقفها من قضية تايوان، فالقاهرة لديها موقف ثابت من مبدأ «الصين الواحدة»، لكن اللافت هو متى اختارت القيادة المصرية إعادة تأكيد هذا الموقف، وأمام أي قيادة، وفي أي ظرف دولي .
الرئيس السيسي لم يتعامل مع زيارة شي جين بينج باعتبارها مناسبة بروتوكولية عابرة.
لقد وضع العلاقة المصرية الصينية داخل إطار سياسي أوسع، وأعاد تقديم مصر باعتبارها دولة تستطيع أن تتحرك وسط التوازنات الدولية من موقع القرار، لا من موقع المتلقي، ومن هنا تأتي أهمية التصريح .
تايوان لم تكن هي القضية الوحيدة التي تتحدث عنها القاهرة، لكنها كانت واحدة من الرسائل التي اختارت مصر أن تضعها في قلب لحظة سياسية شديدة الحساسية.
وهذه هي براعة القيادة السياسة: أن تعرف الدولة أن بعض المواقف لا تحتاج إلى ضجيج، وإنما تحتاج إلى التوقيت الصحيح .
سبعون عامًا.. ومصر تقول للصين: التاريخ لم يُنسَ
الرسالة الحالية لا يمكن فصلها عن تاريخ طويل من العلاقات بين القاهرة وبكين.
في 30 مايو 1956، أقامت مصر علاقات دبلوماسية رسمية مع جمهورية الصين الشعبية، لتصبح أول دولة عربية وأفريقية تقدم على هذه الخطوة. وكان القرار المصري آنذاك جزءًا من رؤية أوسع لعلاقات القاهرة مع دول العالم الثالث والقوى الصاعدة .