الرسالة الأولى التى افتتح بها فخامة الرئيس كلمته، هى طمأنة الشعب المصرى على جاهزية القوات المسلحة للدفاع عن مصالح مصر وأمنها القومى، حتى خارج مصر.. وكان مهمًا أن نسمع ذلك التأكيد من الرئيس، نحن نثق فى جاهزية وقدرات جيشنا وقواتنا، لكن أن نسمعها مجددًا من القائد الأعلى للقوات المسلحة يزيدنا اطمئنانًا وتأكيدًا، وغنىّ عن القول إن أمن مصر يبدأ من الداخل ومن الخارج أيضًا الذى لا يقل أهمية؛ نحن نرى الجو العام حولنا عند حدودنا الغربية، وفى الجنوب حيث منابع النيل والأطماع والأحقاد التى تناوش البعض بخصوص حقوقنا المائية الثابتة تاريخيًا وبالقانون الدولى، هناك كذلك أمن مصر القومى عند مدخل البحر الأحمر، حيث مدخل قناة السويس، ناهيك عما يجرى فى الشمال بخصوص الضفة الغربية وغزة، أى القضية الفلسطينية، وفى ظل حرب إيران وأمريكا التى لم تُحسم بعد، وحرب إيران على الدول العربية فى الخليج وأذرعها هنا وهناك، باختصار نحن نتحرك وسط كتلة من النار واللهب، لا تنطفئ أبدا، تشتعل ثم تهدأ وتشتعل مجددا، فى هذا المناخ العمل السياسى مهم، لكن قبل كل ذلك وبعده لابد من قوات مسلحة، تمتلك الجاهزية لحماية حدودنا وأمننا، بالمعنى الكامل للحماية، ولا يغيب عن فطنة أحد أن الرئيس افتتح كلمته فى هذه المناسبة العطرة بهذه القضية فإنها تعنى أولوية قصوى لديه ومن ثم لدى الدولة كلها، وهى كذلك لدى الجمهور المصرى المتابع، بل ولدى الرأى العام العربى، وربما العالمى.
وكان مهمًا أن تسمع سائر الأطراف فى المنطقة وخارجها تلك الرسالة من الرئيس بذلك الوضوح والمباشرة، ذلك أنها قيلت فى حضور رموز الأمة؛ رئيس الوزراء ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الشيوخ، فضلاً عن فضيلة الإمام الأكبر وعدد كبير من العلماء الأجلاء والشخصيات العامة، هى بمعنى ما رسالة تحذير لأولئك الذين يسيئون تقدير الأمور ويتصورون أن صبر مصر بلا حدود، وأنه يمكن لهم التحرك بمنطق فرض الأمر الواقع علينا، ثم إن لهجة البعض صار فيها قدر من الغطرسة، كان يجب تحذيرهم ولجمهم.
فى تجارب سابقة، كان الرد المصرى حاضرًا وفوريًا، للتذكرة التعامل المصرى مع الدواعش عند حدودنا الغربية، الذين أعدموا عددًا من المواطنين الأقباط، وتصوروا أنهم فى منأى عن الرد المصرى.
الرسالة إلى مختلف الأطراف، سواء الذين يتصورون أنهم من موقعهم يمكنهم التحكم فى المصير المصرى، أو أولئك الذين يتصورون أنهم قد مدوا أذرعهم هنا ويمارسون العبث.. وقد انتشرت الأذرع فى عدد من دول المنطقة؛ نحن نرى الوقائع أمامنا.
القوات المسلحة تتعامل مع الأمن القومى كله، ليس على جبهة واحدة كما يتخيل البعض، ذلك أن جبهاتنا كلها مفتوحة ومعبأة بالخطر والنيران، ولا يصح أن نستهين بأى منها ولا يليق أن يتساءل البعض: لماذا يتم تسليح الجيش على هذا النحو؟ لولا ذلك يعلم الله ماذا كان يمكن أن يحدث فى هذا اللهيب، والمسيّرات وأدوات الشر التى تعبث يمينًا وشمالاً.
وإذا كانت الرسالة ضرورية لأطراف الخارج جميعا، سواء حكومات أو ميليشيات وجماعات إرهابية ومرتزقة يعبثون خارج الحدود، لكنها مهمة لنا أيضًا فى الداخل لندرك حجم المخاطر المحدقة بنا.
التحديات الخارجية تتطلب حالة من الاصطفاف الوطنى؛ الدولة والمواطن، الحكومة والمعارضة، والحق أن تاريخنا حافل بمثل هذه المواقف، حين يدلهم الخطر يصبح «الكل فى واحد»؛ حدث ذلك فى ثورة 19، وحدث أثناء العدوان الثلاثى سنة 1956، ثم حروب مصر بعد ذلك، حدث أيضًا فى مواقف أخرى، أيام ثورة 30 يونيو، والحرب على الإرهاب فى سيناء.
الأمن القومى له شقه وبعده الخارجى، وله بعده أو أبعاده الداخلية، وقد أفاض الرئيس فيها، أحيانًا بكلمات مقتضبة، وأحيانًا بتوسع.. من ذلك قول الرئيس بوضوح وتحديد: «الفاسد مالوش مكان بينا». هذه الجملة تكفى، وهى موجهة للحكومة وكل أجهزتها ومؤسساتها، فضلاً عن الجهات الرقابية، وما نتابعه أن هذه الجهات تطارد الفساد والمفسدين، آخرها واقعة سكرتير عام محافظة أسوان، الذى قُبض عليه وهو أمام القضاء الآن، ويجب القول إن هناك حالات كثيرة تُكتشف ويتم التعامل معها وقد لا يتم الإعلان عنها، وربما لا تهتم وسائل الإعلام بها، غير أن المتابع الجيد للقضايا أمام محاكم القضاء الإدارى والقضاء العادى يمكن أن يتبين الجهد الذى يُبذل فى هذا الجانب. قول الرئيس يقطع الطريق على أولئك المتشائمين الذين يصرون على أن الأصل فى الحياة وفى العمل العام هو الفساد، وأنه لا بقاء فى الحياة دون فساد، والحق أن هؤلاء خطر حقيقى على الوعى العام، لأن هذا التشاؤم يصيب البعض بالإحباط واليأس.
الدولة تتعامل بجدية مع هذا الملف، خاصة أن الفساد مع التقدم التكنولوجى وثورة الاتصالات راح يأخذ أشكالاً وأبعادًا جديدة، لم تكن معروفة من قبل، ولعل الإمساك بالمتلاعبين فى أرقام الهواتف المحمولة وغيرها يؤكد هذه المتابعة.
حديث الرئيس وتوجيهاته كلها تصبّ فى هدف واحد هو طمأنة المواطن المصرى وتخفيف متاعبه، سواء الخائف من التهديدات المحيطة بنا، أو القلق من الأحاديث المبالغ فيها عن استشراء الفساد، وهناك كذلك الهموم اليومية التى يتعرض لها المواطن، وهنا جاء التوجيه مباشرة إلى وزارة الكهرباء فى متابعة الفواتير الشهرية، والتأكد من أنه ليس هناك تقدير جزافى لاستهلاك المواطن.
وطوال الشهرين الماضيين، كانت هناك عدة شكاوى فى هذا القطاع، بدءًا بالعدادات الكودية وظهور فواتير شهرية ضخمة، لا يتحملها المواطن، فضلاً عن أن استهلاكه لا يوازى ذلك، وأن يهتم الرئيس بهذه القضية ويركز عليها؛ يعنى أن صوت المواطن يصل إلى الدولة فى أعلى مستوى من مستوياتها، وهذا لا ينفى أن وزارة الكهرباء حققت نجاحًا باهرًا هذا الصيف، حيث لم تلجأ إلى تخفيف الأحمال، رغم ارتفاع مستوى الاستهلاك إلى مستوى فاق كثيرًا من التوقعات.
التوجيه الأكبر كان إلى الحكومة كلها، بأن تعد برنامجًا أو بيانًا، بكل ما قامت به فى السنوات الأخيرة من المشاريع وتكلفتها، وأن يُقدم ذلك إلى الرأى العام خلال شهر أكتوبر، فى مؤتمر يُدعى إليه المتخصصون والمفكرون والمثقفون للنقاش، والحق أن الحكومة تأخرت فى هذا الملف، وكان يجب أن يكون حاضرًا دائمًا.
فى النقاش العام هناك حديث عن مدى أولوية بعض المشروعات.. هل كان مناسبًا القيام بها فى الوقت الحالى أم كان ممكنا تأجيلها إلى جيل قادم، مثل التوسع فى إنشاء مدن جديدة.. وكان ينبغى الرد فى حينه على كل ذلك وبالتفصيل، مشروع.. مشروع، مثلا المدن الجديدة.. كانت قائمة دائمًا فى تفكير الإدارة المصرية، لنتذكر أنه فى زمن الخديو إسماعيل خرجت القاهرة من حدودها الإسلامية لتتسع نحو العباسية ووسط البلد وصولاً إلى الزمالك وجاردن سيتى والمعادى، ثم مصر الجديدة، وخارج القاهرة كانت مدن القناة، مثل بورسعيد والإسماعيلية وبور توفيق وبور فؤاد وفى عصر ثورة يوليو استمر النهج نفسه، فكانت مدينة نصر وكانت الوادى الجديد، ومن ثم فإن ما يحدث اليوم هو استمرار لطريق قديم، وهو خروج من الوادى الضيق إلى الصحراء.
وهناك السؤال المتعلق بجدوى كل مشروع وتكلفته، وهنا يجب أن يكون الرد الاقتصادى المدروس، الذى يجيب عن سؤال مهم: ماذا لو لم يقُم المشروع وهل كانت إقامته ضرورة أم لا؟ وما التكلفة الحقيقية؟ وهل كان ممكنًا إقامته بتكلفة أقل من ذلك؟ ما فرص العمل التى وفرها والعائد الذى تحقق منه، فضلاً عن العائد المنتظر؟
حديث الأولويات والأفضليات فى المشروعات وعملية التنمية مطروح منذ سنوات، ويحتاج إلى نقاش موسع ومستحق من مختلف الأطياف الفكرية والثقافية، هذه القضية كانت مطروحة فى فترات عديدة، منها –مثلا- هل كان حفر قناة السويس فى عهد الوالى محمد سعيد أولوية؟ وهل كان بناء دار الأوبرا والقاهرة الجديدة «الخديوية» زمن الخديو إسماعيل أولوية؟ وفى أيامنا هذه هناك أسئلة من هذا النوع.. خطورة هذه القضايا أنها لا تحسم بكلمة نعم أو لا.
يمكن لصانع القرار والمسئول أن يحسمها بالخطوات التى يتخذها.. الوالى محمد سعيد حسم مسألة حفر قناة السويس وشرع فيه، دعنا –الآن- من الشروط المجحفة التى قبل بها بحق العمال المصريون، بينما جده محمد على (باشا) رفض الفكرة، لأنه رأى أنها ستجعل الدول الكبرى تتدخل فى الشأن المصري.. وإذا كان صانع القرار بحكم دوره التنفيذى لابد أن يصدر قرارًا وتتحتم خطوة عملية، فإن المسألة لا تكون على هذا النحو فى المجالين الفكرى والثقافى.. تظل هناك وجهات النظر المتباينة، لكن يمكن أن ترجح وجهة نظر على أخرى، وقد يختلف الأمر من جيل إلى جيل، مثلاً حين اتجه الرئيس السادات سنة 1977 إلى السلام، هاجمه قطاع كبير من النخبة السياسية والثقافية، لكن بعد جيل واحد فقط، تغير الرأى كثيرًا من رفض الخطوة إلى اعتبارها كانت سابقة لعصرها.
نتمنى أن تقدم الحكومة قائمة بما تحقق، ويتم النقاش فيه، ويُتاح لمختلف الآراء أن تعبر عن نفسها، ويرتبط بهذا الجانب بعد آخر أشار إليه الرئيس، وهو قضية «الدين العام» الداخلى منه والخارجى، هناك مخاوف كثيرة فى هذا البعد، ذكر الرئيس أنها «مقدرة»، ولذا يجب التفاعل الجاد معها.
التجربة المصرية فى القرن التاسع عشر مع الديون مريرة، زمن الخديو إسماعيل، استدان الخديو لإقامة مشاريع كبرى، وهذا فتح الباب لتدخل الدول الكبرى، خاصة بريطانيا وفرنسا، وانتهى الأمر باحتلال بريطانيا لمصر سنة 1882. على مستوى الدارسين والمؤرخين الغربيين وبعض المصريين، كانت المالية والإدارة المصرية قادرة على مواجهة الديون وسدادها، كانت هناك خطة بهذا المعنى لدى وزير المالية إسماعيل صديق «المفتش»، ولكن بريطانيا كانت قررت مسبقا التدخل فى الشأن المصرى واحتلالها، فاتخذت من الديون ذريعة، لا ننسى أنها حاولت ذلك سنة 1807.
التفاصيل التاريخية كثيرة، لكن ثبت فى وعى قطاع كبير من المصريين أن الديون خطر حقيقى على استقلال البلاد، ومن هنا القلق المتزايد الآن، صحيح أن مصر لم تتأخر فى سداد المستحقات عليها، بل إن هناك فائضًا فى ميزان النقد الأجنبى بالبنك المركزى. يُضاف إلى ذلك أن الديون فى نظر البعض لم تصل بعد إلى مرحلة الخطر، لكن هذه التفاصيل بحاجة إلى أن يتم نقاشها بالأرقام وأن تكون الحكومة جاهزة للنقاش، أولا بإعلان الأرقام كاملة، سواء منها الدين الداخلى أو الدين الخارجى، ثانيا: أن تكون هناك خطة مدروسة للتعامل مع هذه الديون وفق الظروف والاحتمالات القائمة.
ثالثا: أن نكون قد استوعبنا جيدا تجربة القرن التاسع عشر زمن الخديو إسماعيل والخديو توفيق، بما فيها من أوجه القصور والجوانب الإيجابية.
هناك تجربة أخرى لنا، وهى الديون مع الاتحاد السوفييتى (السابق)، فى بناء السد العالى الذى تم بمساعدة سوفيتية، هو وعدد من المشاريع الأخرى، ترتب عليها أن تراكمت الديون علينا للاتحاد السوفييتى، وكانت رقمًا مقلقًا وقتها، مع ذلك حدث الخلاف الشهير بين موسكو والرئيس السادات، وتمت جدولة الديون وتصفيتها، مرت التجربة بلا مرارات تجربة القرن التاسع عشر..
لا يعنى ذلك أننا نشجع الدين العام ولا نميل إلى التوسع فيه، ثقافتنا المصرية تكره الديون، لكن يجب دراسة كل هذه التجارب، ليس فى مصر فقط، بل مع الدول الأخرى أيضا، لتكون الأمور واضحة فى الأذهان.
الحكومة مطالبة أن تقدم بيانًا وافيًا بكل هذه التفاصيل، وذلك فى غضون شهر أكتوبر، وأن تُطرح للنقاش العام.