شاهدتُ ذات مرة مقطعًا مصوّرًا لخريجٍ يقف فى لحظة تكريمه، وقد أحرز المركز الأول على دفعته، كان الفخر واضحًا فى صوته، غير أنّه قال جملة استوقفتنى طويلًا: إنّ هذه اللحظة تكاد تكون اللحظة الوحيدة التى شعر فيها بالسعادة خلال سنوات دراسته؛ فقد كان منشغلًا طوال الوقت بتحقيق حلمه فى أن يكون الأول.
لم يكن نادمًا على تفوّقه، ولم يكن يقلّل من قيمة ما حققه، لكنه كان يعترف بقدر كبير من الصدق، بأنّ الطريق إلى المركز الأول استهلك جانبًا واسعًا من حياته، وفى المقابل عاش معظم زملائه لحظات سعيدة كثيرة؛ فقد كان هدفهم تحقيق نتيجة معقولة تتيح لهم الانتقال إلى المرحلة التالية، من دون أن تتحوّل الدراسة إلى مشروع يبتلع اليوم كله، ويؤجل الفرح إلى موعد لا نعرف متى يأتي.
ولستُ أكتب هذا الكلام دعوةً إلى الكسل أو إلى التخلى عن الطموح، بل إنّ كاتبة هذه السطور كانت فى مرحلة من حياتها الأولى على دفعتها، ولذلك أعرف جيدًا معنى السعى والانضباط والحرص على أن يكون الإنسان فى أفضل صورة ممكنة، لكننى أعرف أيضًا أنّ التفوق له ثمن، وأنّ بعض مظاهر الحياة الجامعية المرفّهة قد تُدفع أحيانًا فى مقابل التركيز الكامل على الدراسة، ثم يأتى التعويض فى إجازة الصيف، حين نستعيد شيئًا من الوقت الذى أنفقناه فى المذاكرة والامتحانات والقلق.
المشكلة ليست فى التفوق ذاته، وإنما فى أن يتحوّل التفوق إلى المعيار الوحيد لقيمة الإنسان، وأن يصبح كل تقدير أقل من المركز الأول دليلًا على الفشل، فهناك فرق بين أن يسعى الطالب إلى التميز، وأن يعيش أسيرًا لخوف دائم من ألا يكون الأول.
والآن عزيزى القارئ مع اقتراب موسم الدراسة، تبدأ الأسر فى حجز الدروس الخصوصية كاستجابة تلقائية لخوف متبادل: تخاف الأسرة أن يتأخر ابنها عن زملائه، ويخاف الطالب ألا يفهم، ويخشى الجميع أن تكون النتيجة أقل من المتوقع.
وهكذا يتحول العام الدراسى إلى سباق طويل، لا ينتهى بانتهاء اليوم المدرسي، يذهب الطالب إلى المدرسة، ثم ينتقل إلى دروسه، ثم يعود إلى المنزل مثقلًا بالواجبات والمراجعة والقلق، ولا يرهقه ذلك وحده، بل تمتد آثاره إلى الأسرة كلها؛ فالأم تتابع المواعيد وتدير الميزانية وتتحمل التوتر، والأب يواجه أعباء مالية متزايدة، بينما يصبح البيت مكانًا دائمًا للحديث عن الدرجات والامتحانات والتقصير.
السؤال الذى ينبغى أن نطرحه بهدوء هو: هل يحتاج كل طالب فعلًا إلى هذا العدد من الدروس؟ وهل يمكن أن نُراجع افتراضنا بأنّ الدرجة الأعلى دائمًا تستحق كل هذا الوقت والمال والضغط؟
هل المستوى المتوسط يعنى الفشل؟ ما المانع فى أن تقبل الأم بأن يحصل ابنها على مستوى متوسط فى بعض المواد؟ فليست كل مادة ميدانًا لا بد أن يثبت فيه الطالب تفوقه، وليست كل مرحلة دراسية فاصلة فى مستقبله، فهناك سنوات دراسية عادية يمكن أن يتعلم فيها الطالب أن ينجح بالقدر الذى يناسب قدراته وميوله، من دون أن يُدفع إلى سباق لا يستطيع تحمّل تكلفته النفسية والمادية.
ليس المقصود أن نرضى بالتهاون، أو أن نبرر الإهمال، أو أن نمنع الطالب من أن يطمح إلى الأفضل، المقصود أن نمنحه مساحة واقعية للتعلم، وأن نُفرّق بين مادة يحتاج فيها إلى مساعدة فعلية، ومادة يمكنه فهمها من خلال المدرسة والكتاب والمراجعة المنظمة.
من حق الأسرة أن تتوقع من المدرسة أن تؤدى دورها الأساسي، لا ينبغى أن يصبح اعتماد الطالب على الدروس الخصوصية أمرًا حتميًا حتى يفهم ما يُفترض أن يتعلمه داخل الفصل، كما أنّ على الطالب نفسه أن يكتسب قدرًا من الاستقلال، وأن يحاول أن يسأل ويقرأ ويراجع، بدلا من أن يظل مقتنعًا بأنّ المعرفة لا تصل إليه إلا عبر درس مدفوع الأجر.
وفى المراحل الدراسية التى لا تحدد المصير، يمكن للأسرة أن تمنح أبناءها فرصة للتجربة والخطأ، وأن تساعدهم على اكتشاف نقاط قوتهم وضعفهم بدلا من أن تتعامل مع كل اختبار كأنه معركة نهائية، فالطفل الذى يحصل على درجة متوسطة فى الرياضيات اليوم ليس محكومًا بأن يفشل فى الحياة، والطالب الذى لا يكون الأول فى اللغة أو العلوم لا يعنى أنه بلا موهبة أو مستقبل.
الدرجات مهمة، لكنها ليست الصورة الكاملة، هناك الصحة النفسية، والقدرة على التواصل، والفضول، والاعتماد على النفس، والقدرة على حل المشكلات، وممارسة الرياضة، والوقت الذى يقضيه الابن مع أسرته، والذكريات التى يصنعها فى سنوات طفولته وشبابه، وهذه كلها جوانب لا تظهر فى شهادة الدرجات، لكنها قد تكون أكثر تأثيرًا فى تكوين شخصيته وحياته.
ربما أيضا تحتاج بعض الأمهات إلى أن يسمحن لأنفسهن بالاستمتاع بالأمومة بعيدًا عن دور المراقب الأكاديمى الدائم، فالأم لا ينبغى أن تختصر علاقتها بابنها فى سؤال متكرر: «ماذا ذاكرت؟ وكم حصلت؟ وهل أنهيت واجبك؟ وكأن حب الأم سيتدرج صعودًا وهبوطًا تبعًا للنتيجة فى الامتحان.
إنّ البيت الهادئ ليس بيتًا تخلى عن الطموح، بل بيت يعرف كيف يضع الطموح فى حجمه الصحيح، هو البيت الذى يقول للطالب: ابذل جهدك، لكن لا تحطم نفسك، اجتهد لكن لا تجعل الدرجة معيارًا وحيدًا لقيمتك، حاول أن تتقدم، لكن تذكر أنّ الحياة أوسع من ورقة إجابة، وأنّ النجاح لا يُقاس دائمًا بكونك الأول.
لا بأس أن يكون بين أبنائنا متفوقون يسعون إلى المركز الأول، ولا بأس أن نحلم لهم بالنجاح والتميز. لكن ليس من العدل أن نطلب من كل طفل أن يعيش الحياة نفسها، قد يكون بعض الأبناء قادرين على التفوق من دون أن يفقدوا توازنهم، وقد يحتاج آخرون إلى إيقاع أهدأ وهدف أكثر واقعية، والمهم أن نعرف أبناءنا، لا أن نقارنهم دائمًا بغيرهم.
لذلك، ومع بداية عام دراسى جديد، ربما يجدر بنا أن نسأل أنفسنا قبل أن نحجز كل الدروس: هل يحتاجها ابننا فعلًا؟ وهل ستساعده على الفهم، أم ستضيف عبئًا جديدًا إلى يومه؟ وهل نبحث عن تعليمه، أم نبحث عن صورة اجتماعية ترضى الآخرين؟.. افرحوا بالنجاحات الصغيرة ، حتى وإن لم تكن مصاحبة بدرجات كاملة.