رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

لا تسكنوا "قاع الهامور".. كيف نحمي عقولنا في عصر الحروب الإدراكية؟


25-8-2026 | 02:04

.

طباعة
بقلم: عمرو صبحي
إذا نظرنا إلى «الهامور» فى علم الأحياء، نجد أنها أسماك تعيش فى أعماق البحار السحيقة، حيث الظلام الدامس، والضغط المائى القاسى، والمياه الراكدة. وهذا بالضبط هو الوصف الدقيق لما يحدث فى الفضاء الرقمى المظلم؛ «قاع الهامور» هو تلك الغرف المغلقة، والمجموعات السرية، والخوارزميات المبرمجة هندسيًا لسحب المستخدم إلى أعماق سحيقة من السلبية، حيث يتعفن الواقع، وتُصنع الشائعات، ويُحبس العقل فى سجن من الشك واليأس.
ولكن ما هى الأداة الأخطر التى تُستخدم فى هذا «القاع»؟ إنها «السخرية والتهكم».

لم تعد الحرب الإدراكية تعتمد على التوجيه المباشر أو الدعاية التقليدية، بل لجأت إلى سلاح «الميمز» (Memes)، والعبارات الساخرة، والتهكم المبرمج على كل ما يخص الرموز والإنجازات .

السخرية هنا ليست نقدًا بناءً، بل هى «فيروس إدراكي» يهدف إلى تآكل المعنويات. عندما ينجح هذا القاع فى جعل المواطن يضحك باستهزاء على افتتاح طريق جديد، أو مشروع قومى، أو نجاح دبلوماسى، فهو لا يسرق منه فرحته فحسب، بل يسرق منه «الثقة» و«الفخر». إنهم يحولون الإنجاز إلى عبء، والرمز إلى مادة للاستخفاف، والتقدم إلى سبب للسخرية. وهذا هو جوهر «الهندسة الاجتماعية» على المستوى الوطنى؛ جعل المجتمع ساخرًا من ذاته، رافضًا لتقدمه، غارقًا فى لامبالاة قاتلة.

وهنا يجب أن نتوقف أمام «ثغرة أمنية» خطيرة فى العقل البشرى، ألا وهى «الفضول» .

كثير من الأشخاص يدخلون إلى عالم «قاع الهامور» بدافع الفضول لمجرد معرفة «ما الذى يتحدث عنه الناس» أو لرؤية «الترند». لكن فى عالم الأمن السيبرانى، نعلم أن الفضول هو البوابة الأولى لاختراق الأنظمة. الفضول فى عالم الإنترنت قد يكون بداية الدخول إلى مساحة يصعب الخروج منها بسهولة. بمجرد أن تتفاعل مع محتوى مبنى على الإثارة والصدمات والتهكم، تلتقطك الخوارزميات، وتبدأ فى تغذيتك بالمزيد من السموم، لتجد نفسك فجأة تعيش فى عالم افتراضى مشوه، بعيدًا كل البعد عن واقعك الحقيقى الذى تُبنى فيه الدول.

العالم تغير، وأدوات إدارة الأزمات تغيرت. الحروب الحديثة تعتمد على التلاعب بالمشاعر وصناعة الروايات. وقد يجد الإنسان نفسه دون أن يشعر أمام محتوى يستهلك وقته، ويشتت تفكيره، ويؤثر فى علاقاته بأسرته، ويملأ قلبه بالخوف والقلق .

ولذلك، تظهر أهمية «الوعى الرقمى» ليس كخيار، بل كدرع بقاء. الوعى لا يعنى أن نخاف من التكنولوجيا أو نغلق أعيننا، بل يعنى أن نبرمج لأنفسنا «جدار حماية إدراكي (Cognitive Firewall) - هذا الجدار يعمل بفلترة كل محتوى يدخل إلينا، ويطرح أسئلة أمنية صارمة: من المستهدف من هذا المحتوى؟ ما الرسالة التى يحاول إيصالها؟ لماذا انتشر فى هذا التوقيت بالذات؟ ومن المستفيد من حالة الجدل واليأس التى صنعها؟

هذه الأسئلة البسيطة هى خط الدفاع الأول. وأخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان أن يفقد قدرته على التفكير فى المستقل، ويتحول من باحث عن الحقيقة إلى مجرد «موجه» يصدق كل ما ترمى به الخوارزميات فى وجهه. إن الابتعاد عن المحتوى المجهول والسام ليس جبنًا أو تخلفًا عن العصر، بل هو قمة الحكمة، وحفاظ على العقل والوقت والاستقرار النفسى .

نحن نريد أن نصل إلى القمة لا أن نغرق فى القاع.

نريد أن نستخدم التكنولوجيا لصالحنا لبناء المستقبل، لا أن نسمح لها باستخدامنا لتدميره. نريد أن نعيش الواقع الحقيقى لإنجازاتنا على أرض الواقع، لا أن نستبدله بعالم افتراضى يصنع لنا العزلة والتطرف وفقدان الثقة فى مؤسساتنا .

الرسالة الأهم اليوم هي: انتبهوا.

انتبهوا لما تشاهدونه، وانتبهوا لما تشاركونه. انتبهوا لما يدخل إلى بيوتكم وعقول أبنائكم. لا تجعلوا الفضول يقودكم إلى مستنقعات لا تعرفون حقيقتها. فالإنسان الذى يعرف هدفه لا يسير خلف كل موجة، والذى يعرف طريقه لا يسمح لأحد أن يعيده إلى الخلف .

وفى إدارة الأزمات، القاعدة الذهبية هى أن «الوقاية دائمًا أفضل من العلاج». والوقاية اليوم تعنى وعيًا مجتمعيًا مشتركًا يبدأ من الفرد والأسرة والمدرسة. علينا أن نربى أبناءنا على التفكير لا على التلقى، وعلى السؤال لا على التصديق الأعمى، وعلى استخدام التكنولوجيا كوسيلة للإبداع والمعرفة، لا كأداة تسرق أعمارهم وتغرس فيهم الإحباط.

فى النهاية، الدنيا لا تمنحنا فرصة لإعادة الأيام التى ضاعت فى تصفح سموم الأعماق. ارفعوا رؤوسكم ولا تنحنوا أمام الأزمات، وكونوا أكثر وعيًا وقدرة على التفكير. فقد نختلف فى الرأى، لكن الهدف يجب أن يظل واحدًا: أن نحمى عقولنا وأسرنا ومجتمعنا، وأن نعبر كل أزمة بثبات حتى نصل إلى بر الأمان .

حفظ الله مصر وشعبها من كل سوء، وحفظ بلادنا من الفتن والشائعات وكل من يسعى إلى العبث بعقول أبنائها. وتبقى مصر دائمًا واقفة شامخة، لا تنحنى أمام الأزمات، ولا تنكسر أمام التحديات، ولا تخدعها أضلال القاع وهى تمضى نحو قمم المجد. تحيا مصر حرة أبية.

الاكثر قراءة