رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

من إدارة الأزمة إلى صناعة قيمة مضافة.. صندوق إنقاذ المصانع المتعثرة


20-8-2026 | 15:23

.

طباعة
بقلم: د. عبد المنعم السيد

يمثل قرار مجلس الوزراء المصرى بالموافقة على تأسيس صندوق استثمار لإعادة هيكلة وتمويل المصانع المتعثرة، فى صورة شركة مساهمة مصرية لصالح الهيئة العامة للتنمية الصناعية، خطوة تتجاوز فكرة «إنقاذ المصانع» بالمعنى التقليدى إلى تبنى نموذج أكثر تطورًا فى إدارة الأصول الصناعية المتعثرة التى يتجاوز عددها 13 ألف مصنع وفقا لبعض التقريرات، والأهم أن الصندوق لن يقتصر دوره على ضخّ السيولة فقط، وإنما يستهدف المشاركة المباشرة فى أسهم وحصص الشركات، وإعادة هيكلة أعمالها ورفع كفاءتها الإنتاجية، بما يفتح الباب أمام تحويل الأصول المعطلة إلى أصول منتجة ومولدة للقيمة.

 

وتكتسب الخطوة أهمية خاصة فى ظل التحسن الملحوظ فى أداء الصادرات غير البترولية المصرية؛ فقد بلغت نحو 48.6 مليار دولار خلال 2025، مقابل 41.5 مليار دولار فى 2024، وفق بيانات الهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات، كما ارتفعت الصادرات غير البترولية خلال يناير– نوفمبر 2025 بنسبة 18.4 فى المائة إلى 44.4 مليار دولار، بينما تراجع العجز التجارى بنحو 11.9 فى المائة.

وهنا تظهر أهمية الصندوق باعتباره أداة للربط بين إعادة هيكلة الصناعة وزيادة الصادرات وتقليل فاتورة الواردات؛ فالقطاعات المستهدفة ليست قطاعات هامشية، وإنما تمثل جزءًا مهمًا من قاعدة الإنتاج والتصدير المصرية؛ إذ بلغت صادرات مواد البناء خلال يناير– نوفمبر 2025 نحو 13.7 مليار دولار، والكيماويات والأسمدة 8.6 مليار دولار، والصناعات الغذائية 6.4 مليار دولار، والسلع الهندسية والإلكترونية 5.9 مليار دولار، والملابس الجاهزة 3.1 مليار دولار، كما سجلت الصناعات الطبية نموًا بنسبة 26 فى المائة.

ولاشك أن القيمة الحقيقية للصندوق تكمن فى تكلفة الفرصة البديلة؛ فالمصنع المتعثر لا يمثل مجرد مبنى وآلات متوقفة؛ وإنما يمثل رأس مال سبق إنفاقه، وأرضًا وبنية تحتية، وعمالة مدربة، وسلاسل توريد، وعلاقات تسويقية، وتراخيص وخبرات تراكمية، لأن إعادة تشغيل مصنع قابل للحياة اقتصاديًا قد تكون أقل تكلفة وأسرع أثرًا من إنشاء مصنع جديد من نقطة الصفر.

لكن نجاح الصندوق لن يُقاس بحجم الأموال التى سيتم ضخها، وإنما بقدرته على تحقيق عائد على رأس المال بعد إعادة الهيكلة، ولذلك يجب أن يعتمد الاستثمار على دراسات جدوى وإعادة تقييم حقيقية للأصول، مع تحديد القيمة العادلة للمصنع وحجم التمويل المطلوب، ونقطة التعادل، والتدفقات النقدية المتوقعة، ونسبة الدين إلى حقوق الملكية، ومعدل العائد الداخلى للاستثمار، وفترة استرداد رأس المال.

ولكن من منظور مالى، يجب التفريق بين المصنع المتعثر والمصنع غير القابل للحياة. الأول يعانى غالبًا من أزمة سيولة أو هيكل تمويلى أو ضعف إدارة أو ارتفاع تكلفة أو خلل فى التسويق ويمكن إصلاحه.

أما الثانى فقد يكون نموذج أعماله نفسه غير اقتصادى. ضخ الأموال فى النوع الثانى قد يحول الصندوق إلى آلية لإعادة تدوير الخسائر بدلاً من خلق قيمة جديدة.

والأفضل أن يعمل الصندوق وفق نموذج الاستثمار فى الملكية الخاصة بحيث يدخل كمستثمر مؤقت، ويشارك فى الإدارة وإعادة الهيكلة، ثم يخرج بعد استعادة المصنع لقيمته من خلال بيع حصته لمستثمر استراتيجى أو مالى، أو طرحها فى سوق المال إذا أصبح المصنع مؤهلاً لذلك. وهذا يضمن تدوير رأس المال فى أكثر من مشروع بدلا من تجميده بصورة دائمة.

كما أن الإطار القانونى للقرار يحمل أهمية كبيرة؛ فقانون سوق رأس المال رقم 95 لسنة 1992 ينظم إنشاء صناديق الاستثمار، ويجيز لها التعامل فى مجالات استثمارية أخرى وفق القواعد والشروط التى تحددها الهيئة.

كما يشترط اتخاذ صندوق الاستثمار شكل شركة مساهمة برأسمال نقدى، وهذا يوفر إطارًا مؤسسيًا أكثر انضباطًا من برامج التمويل الحكومى المباشر التقليدية.

أما التحدى الأكبر فهو الحوكمة؛ فالاستثمار فى الشركات المتعثرة شديد الحساسية لتعارض المصالح، وتقييم الأصول، واختيار المصانع المستفيدة، ولذلك يجب أن تكون قرارات الاستثمار مبنية على معايير معلنة وقابلة للقياس، مع لجان استثمار مستقلة، وتقييمات من جهات متخصصة، وإفصاح دورى عن أداء المحفظة، وربط التمويل بمؤشرات أداء واضحة، وهذا ما ستقوم به الهيئة العامة للرقابة المالية على أكمل وجه بما تملكه من كفاءات وأدوات تؤهلها لتحقيق ذلك.

ولاشك أن الصندوق يمكن أن يتحول إلى منصة لإعادة تشكيل جزء من الخريطة الصناعية المصرية، وليس مجرد صندوق إنقاذ؛ فالأولوية يجب أن تكون للمصانع التى تمتلك ميزة تنافسية، أو قدرة تصديرية، أو فرصة لإحلال الواردات، أو ارتباطًا بسلاسل القيمة المحلية، أو إمكانية إدخال شريك استراتيجى وتكنولوجيا جديدة.

والميزة الأهم أن إعادة تشغيل هذه المصانع يمكن أن تحقق أثرًا مضاعفًا وهو زيادة الإنتاج، الحفاظ على فرص العمل، رفع الطلب على المدخلات المحلية، زيادة الحصيلة الضريبية مستقبلًا، دعم الصادرات، وتقليل الاحتياج إلى استيراد بعض المنتجات. وبالتالى فإن العائد الاقتصادى للصندوق قد يتجاوز بكثير العائد المالى المباشر على استثماراته.

والخلاصة أن تأسيس صندوق لإعادة هيكلة وتمويل المصانع المتعثرة يمثل تحولًا مهمًا من سياسة «تمويل التعثر» إلى سياسة إدارة الأصول وصناعة القيمة. وإذا اقترن التمويل بالحوكمة، والإدارة الاحترافية، وإعادة الهيكلة التشغيلية، والشراكة مع القطاع الخاص، واستراتيجية واضحة للخروج من الاستثمارات، فقد يصبح الصندوق إحدى الأدوات المهمة لتعميق التصنيع المحلى وتحويل الأصول الصناعية المعطلة إلى محركات للنمو والتصدير.

والرسالة الاقتصادية الأهم هى أن إنقاذ المصنع ليس الهدف النهائي؛ فالهدف هو إعادة المصنع إلى الربحية والقدرة التنافسية، ثم إعادة تدوير رأس المال فى مصنع آخر. عندها يتحول الصندوق من تكلفة على الاقتصاد إلى أداة استثمارية قادرة على خلق قيمة مستدامة.

الاكثر قراءة