أعلنت إحدى الجامعات الخاصة أنها تقبل هذا العام طلابا من الحاصلين على الثانوية العامة فى كلية الطب، بمجموع يبدأ من 50 فى المائة فقط، أى الحد الأدنى من الدرجات لدى مكتب التنسيق، وعادة لا يجد صاحب هذا المجموع مكانا فى أى كلية، ناهيك عن أن تكون كلية الطب، شريطة أن يتجاوز الطالب بعض القواعد التى تحددها، وقيل إن هناك مقابلة سوف تتم للطالب. المتابعون والخبراء اعتبروا أن هذه «القواعد» أو «الشروط» المزعومة هى لتبرير قبول الطالب بهذا المجموع، الذى يعد متدنيًا جدًا، التعويض عن المجموع المتدنى للقبول هو المصاريف المرتفعة، التى تتجاوز فى تقرير البعض تكلفة السفر إلى الخارج والالتحاق بكلية الطب هناك.
نقابة الأطباء نبهت إلى الأمر وحذرت من خطورة دخول المجال الطبى طلاب دون المستوى العلمى الذى يليق باسم وسمعة الطبيب المصرى.
قواعد الالتحاق فى كليات الطب «الخاصة» متروكة لوزارة التعليم العالى وما تتمتع به من اختصاصات تتيح لها وضع القواعد الصارمة، أما عن مسار الطالب داخل الكلية فهو يخص أعضاء هيئة التدريس بتلك الكلية واللوائح العلمية.
ويجب القول إن هناك هوسا تاريخيا لدى بعض الأسر فى أن يلتحق أبناؤهم بكلية الطب، حتى لو لم يحصلوا على الدرجة التى تؤهلهم لذلك فى الثانوية العامة، وكانت هناك دائما طرق للتحايل على المجموع ومكتب التنسيق، أهمها السفر إلى إحدى دول شرق أوروبا –رومانيا تحديدا- أو أوكرانيا وأحيانا السودان الشقيق، حيث كان ممكنًا الالتحاق بكلية الطب بمجموع 50 فى المائة وأحيانا 54 فى المائة إذا تشددت الجامعة، وضح ذلك للرأى العام، حين وقعت الحرب الأوكرانية- الروسية، وكان أبناؤنا هناك فى طريق العودة، وتم تدبير أماكن لهم هنا فى كليات الطب أين ذلك من طب قصر العينى أو طب المنصورة التى وصل المجموع لديها إلى 99 فى المائة فى بعض السنوات، وعادة كان هؤلاء يعودون إلى مصر ويخضعون فى نقابة الأطباء إلى شروط للتأكد من أنهم درسوا جيدًا ولديهم القدرة على ممارسة المهنة.
ويجب القول إنه حتى قبل ظهور مكتب التنسيق، وحين لم يكن لدى مصر سوى كلية طب قصر العينى، قبل تأسيس الجامعة المصرية، كان بعض الطلاب يسافرون إلى أحد البلاد الأوروبية لدراسة الطب هناك، حين كانت درجاتهم الضعيفة فى البكالوريا أو التوجيهية لا تسمح لهم بالالتحاق بكلية طب قصر العينى، ذات الشروط الصارمة علميا وأكاديميا.
«إسماعيل» بطل رواية يحيى حقى «قنديل أم هاشم»، كان واحدا من هؤلاء، حالت درجاته فى البكالوريا دون دخول قصر العينى، فتحملت الأسرة وأرسلته إلى لندن يدرس الطب فى جامعتها، وعاد بعد سبع سنوات طبيبا ماهرا للعيون، تخرج وتدرب ومارس الطب فى لندن فترة قبل عودته، لذا عاد ليمارس المهنة مباشرة، الرواية كُتبت بين عامى 1939- 1940، أى قبل 86 عاما، وهى تكشف وضع كلية الطب فى مصر والالتحاق بها، وفى صيف سنة 1925 تعرض الزعيم سعد زغلول لمحاولة اغتيال فى محطة باب الحديد وهو يتهيأ لركوب القطار المتجه إلى الإسكندرية، وتم إلقاء القبض على الإرهابى الذى أطلق الرصاصات وتبين أنه طالب يدرس الطب فى ألمانيا، كان والده قاضيا شرعيا من الدقهلية.. وقع الطالب فى ألمانيا بين يدى جماعة وطنية متطرفة، قيل إن الخديو عباس حلمى الثانى، وكان منفيا فى أوروبا، يدعمها ماليا وسياسيا.
يجب القول إن السفر إلى الخارج لدراسة الطب كان فى النهاية حالات فردية وليس ظاهرة عامة، وكان طريقة للتحايل على المجموع، ولم تكن قاعدة ذات طابع قانونى ولا تمتلك شرعية خاصة، وظلت فى هذا الإطار.
الذى يحدث الآن هو أن ما كان استثناءً أو تحايلاً، يتم تحويله إلى أمر عادى مقبول، ومنحه مشروعية قانونية كاملة، بمعنى أنه يمكن لطالب حصل على 50 فى المائة بالثانوية العامة أن يجد مكانًا، على الرحب والسعة، فى كلية طب خاصة، المهم أن تمتلك أسرته القدرة المالية على دفع مصاريف الكلية، ومصاريف العام الدراسى ما يقترب من نصف مليون جنيه سنويا، تشتمل على المصاريف الرسمية والإدارية، فضلا عن نفقات العام كله من مراجع ومعامل وما يلزم من دروس خصوصية، التى صارت منتشرة الآن.
قد تكون تلك الكلية حالة خاصة، وربما نُشر الإعلان من باب «جس نبض» واختبار الاقتراح ومدى تقبله اجتماعيا والإقبال عليه من الطلاب وأسرهم، المهم موقف الجهات الرسمية المعنية بالشأن الجامعى والشأن الطبى، لكن المؤكد أن السنوات الأخيرة شهدت ظهور كليات طب داخل مصر تقبل بمجموع يدور فى نطاق 70 فى المائة، بينما الكليات الرسمية تتجاوز 90 فى المائة وبعضها يصل إلى 95 فى المائة، هذا العام كلية طب المنصورة حققت أعلى نسبة فى المجموع طبقا لنتيجة مكتب التنسيق، لكن هناك داخل المنصورة نفسها، جامعات أخرى غير جامعة المنصورة بها كليات طب، لن تقبل الطلاب بذلك المجموع وإلا لما وجدت أحدًا، ومن ثم سوف يكون النزول بمستوى الدرجات ونسب المجموع.
أعرف أن بيننا مَن لا يعولون كثيرا على درجات الثانوية العامة لأكثر من سبب، الأول- أن مستوى الذكاء لدى الطلاب فى هذه المرحلة يتقارب جدا، والفارق فى مستوى الدرجات هو فارق المذاكرة والاستظهار، فضلا عن العوامل المساعدة التى تتمثل فى الدروس الخصوصية وغير ذلك، والدليل عند هؤلاء هو نتيجة كليات الطب فى السنة الأولى، فى طب أسوان كانت النتيجة 24 فى المائة، وفى طب سوهاج 33 فى المائة، وفى أسيوط أكثر قليلا، لكنها لم تصل إلى 50 فى المائة، هؤلاء الطلاب الراسبون جميعا حصلوا على مجموع مرتفع فى الثانوية العامة.. دعنا الآن من الحديث المبالغ فيه عن لجان «أولاد الأكابر» وغير ذلك، نحن فى النهاية أمام نتائج فعلية موثقة بالأرقام.. عن هؤلاء لا يجب أن نعول كثيرا على درجات الثانوية وأن الأفضل للابن أن يدرس هنا، فى مصر، دون أن يذهب بعيدا ولا ندرى ما الذى يمكن أن يتعرض له هناك، وإذا كانت الأسرة سوف تتحمل النفقات فلتتحملها هنا، ويمكن العائد هنا على منشأة مصرية.
ويذهب هؤلاء بعيدا إلى القول إن مجموع الثانوية العامة لا يجب أن يكون المعيار الحاكم لتحديد مستقبل إنسان، والدليل أن هناك دراسات ميدانية تابعت عبر سنوات مسار العشرة الأوائل سنويا على الثانوية العامة، فى التعليم الجامعى ثم فى مسار الحياة العامة بعد ذلك، ولم تكن النتيجة إيجابية، لم يحافظ معظمهم على التفوق بل فيهم مَن تعثر دراسيًا، أما فى الحياة العامة بعد التخرج فقد كانوا عاديين جدا، والدليل أن بعض النوابغ لدينا مثل د. أحمد زويل وفاروق الباز، وفى الطب مثل د. مجدى يعقوب وغيرهم، ما كانوا من البارزين فى الثانوية، أحمد زويل حصل على 64 فى المائة، بينما كان التفوق وقتها لن يتجاوز 80 فى المائة، لم تكن الثانوية عرفت مجموع 100 فى المائة أو 99 فى المائة، كما عرفناه فى السنوات الأخيرة.
فى المقابل هناك وجهة نظر ترفض ذلك المنطق تماما وتعاديه؛ إذ إن المجموع الذى يحصل عليه الطالب ثمرة جهد بذله وتعب استمر شهورا ومعاناة تحملها هو وأسرته، فلا يصح أن يتساوى ذلك مع مَن لم يبذل مجهودًا، وأن يكون تعويض ذلك بأموال تُدفع فى تعليم خاص.
وسوف نجد رأيًا صلبًا يذهب إلى أن مكتب التنسيق لا يعبر فقط عن حالة تعليمية وتوزيع الطلاب على الكليات وفق رغباتهم ودرجاتهم، لكنه يمثل ميزانا مقبولا للعدالة بين الطلاب، والحكمة المصرية تقول: «من جد وجد...»، وإن كسر هذه القاعدة يعد اعتداء على قيم استقرت فى الوجدان العام لأجيال، وهذا يعنى أن يتميز مَن لا يجتهد على الآخر الذى اجتهد، وهو تمييز بالثروة والمال، وهو أحد أشكال التمييز بين المواطنين، يجب العمل على الحد منها.
كثير من التربويين والعقلانيين يرون أن أخطر ما يهدد التماسك الاجتماعى هو كسر القواعد المستقرة أخلاقيا، وأهمها قاعدة العدالة وعدم التمييز بين الأفراد. وإذا كان التمييز يتم وفق العيار المالى فإن ذلك على المستوى البعيد سوف يهز معظم القيم، ويصبح المعيار المالى هو الأساس وكل شيء فى المجتمع والحياة، ليس فقط مقعدا فى كلية، بل أى شيء سوف يكون عرضة للثراء.. وهذا خلط للثروة بأمور تُدار بالقانون والقواعد الإدارية والدستورية، وبنظرة سريعة على تاريخ المجتمع المصرى سوف تجد أن أبناء المصريين، الذين أضافوا حقا إليها وحافظوا على تماسك هذا المجتمع والدولة كذلك، هم أبناء تلك القيم.. «من جد وجد ومن زرع حصد» وأن عنصر المال وإن كان مهما فى جوانب عديدة لكنه ليس كل شيء، والنماذج عديدة أمامنا، ليس فى الطب فقط، بل فى كافة مناحى الحياة، من أيام رفاعة الطهطاوى وعلى مبارك وصولا إلى لطفى السيد وطه حسين وعباس العقاد ونجيب محفوظ.
وهكذا نحن بين تيارين أو موقفين.. الأول يمكن تسميته تيار واقعى أو عملى، يذهب إلى أن من يمكنه أن يتحمل نفقات هذه الكلية فليذهب إليها، وأن يتم تطويع اللوائح والقواعد لتقبل ذلك وتمرره، والمهم بعد ذلك أنه سوف يواصل الدراسة فإن نجح كان بها، وإن أخفق فهذا شأنه، صحيح أنه قد يكون هناك شك فى ذلك، إذ إن الكلية التى تقوم على دفع الطالب النفقات سوف تحرص على أن ينجح الطالب، لأنه «زبون» وإذا أخفق سوف تفشل الكلية بالكامل ولن تجد إقبالاً.
التيار الثانى، وهو الذى يرى أن وجود تلك الكليات، التى تعتمد المعيار المالى، هو خلل فى العدل الاجتماعى وميزان العملية التعليمية؛ كل فريق لديه حججه وأسانيده، المهم أنه ليس نقاشا ولا جدلا نظريا، بل تنافس على أرض الواقع وبين الجمهور، جمهور الطلاب ومن خلفهم أسرهم وفئات اجتماعية بأكملها.
على المستوى الرسمى، أقصد وزارة التعليم العالى، فإن الطريقين مفتوحان: فريق مكتب التنسيق والكليات فى الجامعات العريقة مثل القاهرة وعين شمس والإسكندرية وأسيوط، لدينا الآن فى كل محافظة جامعة رسمية هى التى يمدها مكتب التنسيق بالطلاب والطالبات ويحدد مجموع الدرجات، لنقل الجامعات المجانية.
هناك أيضًا الجامعات الخاصة، ولها تنسيق خاص، حيث تقبل مَن لم يجد الفرصة التى يريدها فى الجامعات الرسمية أو مَن قرر من البداية أن لا يذهب إليها، وهنا يتراجع المجموع بالنسبة لمثيلاتها فى الكليات الرسمية، ويتم تعويض ذلك بالمصاريف المرتفعة والتى يتم الإعلان عنها فى المواقع الإخبارية وفى داخل كل جامعة.. وغالبا تفتح هذه الكليات باب القبول حتى بعد بدء العام الدراسى، لأن بعضها يعانى من قلة الإقبال.. بالأرقام لا تزال الغلبة والسيطرة للجامعات الرسمية ثم الجامعات الأهلية التى خرجت من رحمها جميعا، كل جامعة رسمية تتبعها جامعة أهلية، وبعدها تأتى الجامعات الخاصة.
هذا النقاش والجدل فى المجتمع والحراك على أرض الواقع يدور فى المحافل الطبية والأكاديمية وبين الأهالى، لكن الملاحظ أن معظم الأحزاب غائبة عن هذا المجال، رغم أن كل حزب يفترض أن تكون لديه أمانة للتعليم وللجامعات وأمانة للشأن الصحى.
أيا كان الأمر، فإن الأيام والسنوات سوف تكشف ميزات أو عيوب تلك الجامعات وذلك النظام، هل هو حل لمشكلات بعض الأبناء أم يضيف هموما ومشكلات جديدة إلينا؟.. الإجابة متروكة للنقاش وللتعامل العام ثم الأيام والسنوات.