رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

في ذكرى ثورة 30 يونيو..الاستثمار في صحة الإنسان ركيزة أساسية لبناء الجمهورية الجديدة

27-6-2026 | 10:03

مجال الصحة

طباعة
دار الهلال

شهد القطاع الصحي المصري خلال الأثني عشر عاما الماضية واحدة من أكبر عمليات التحول الشامل في تاريخه الحديث، بعدما أصبحت صحة المواطن محورًا رئيسيًا في رؤية الدولة لبناء الجمهورية الجديدة، فلم يعد الاستثمار في الصحة مجرد إنفاق على العلاج، وإنما تحول إلى مشروع قومي متكامل يستهدف بناء إنسان مصري أكثر صحة وقدرة على المشاركة في التنمية.

وانطلقت فلسفة التطوير الجديدة من رؤية واضحة تقوم على أن الوقاية والكشف المبكر لا يقلان أهمية عن توفير العلاج، وأن الوصول إلى المواطن قبل المرض يمثل حجر الأساس لمنظومة صحية حديثة تعتمد على البيانات والتكنولوجيا والجودة.

وخلال هذه السنوات بعد ثورة 30 يونيو ، تغير شكل ومضمون الرعاية الصحية في مصر، فلم تعد الخدمة الطبية مرتبطة فقط بالمستشفيات الكبرى داخل المدن، بل امتدت إلى القرى والنجوع والمناطق الحدودية من خلال عشرات المبادرات الرئاسية التي نجحت في الوصول إلى ملايين المواطنين، وأعادت تعريف مفهوم الصحة العامة في المجتمع المصري.

وجاءت مبادرة "100 مليون صحة" كأحد أبرز المشروعات الصحية في تاريخ مصر الحديث، حيث مثلت نقلة نوعية في مجال المسح الطبي الشامل والكشف المبكر عن الأمراض، ونجحت في بناء قاعدة بيانات صحية ضخمة ساعدت الدولة على التخطيط للخدمات الطبية وفقا للاحتياجات الحقيقية للمواطنين.

ووفقا لأحدث بيانات وزارة الصحة والسكان، قدمت المبادرات الرئاسية للصحة العامة أكثر من 212 مليون خدمة طبية للمواطنين، واستفاد منها أكثر من 94 مليون مواطن من خلال 14 مبادرة استهدفت مختلف الفئات العمرية.

وشملت المبادرات الكشف المبكر عن الأمراض المزمنة والاعتلال الكلوي، ودعم صحة المرأة المصرية، والكشف المبكر عن الأورام السرطانية، وصحة الأم والجنين، والكشف عن ضعف السمع لدى الأطفال حديثي الولادة، ورعاية كبار السن، والقضاء على فيروس "سي"، إضافة إلى برامج مواجهة السمنة والسكري وارتفاع ضغط الدم.

وأكدت وزارة الصحة أن هذه المبادرات ساهمت في اكتشاف ملايين الحالات المرضية مبكرًا، وتقليل المضاعفات، ورفع معدلات الاستجابة للعلاج، وهو ما انعكس على تحسين جودة حياة المواطنين وخفض العبء الاقتصادي للأمراض المزمنة.

ومن بين المبادرات التي حققت نجاحا ملحوظا خلال الفترة الأخيرة تأتي حملة "قلبك أمانة"، التي تنفذ بالتعاون مع شركة "باير" لصحة المستهلك، بهدف تعزيز الوعي بأهمية الوقاية والكشف المبكر عن أمراض القلب والأوعية الدموية.

وحققت الحملة التى دخلت فى عامها الرابع انتشارا واسعا، حيث قدمت أكثر من مليون و682 ألف خدمة طبية داخل 401 منشأة صحية في 21 محافظة، تضمنت قياس ضغط الدم والسكر، وإجراء رسم القلب، وتقييم عوامل الخطورة المرتبطة بأمراض القلب، بما يعزز مفهوم التدخل المبكر قبل تطور المضاعفات.

كما أصبحت مبادرة دعم صحة المرأة المصرية نموذجا إقليميا في مجال الكشف المبكر، بعدما نجحت في تغيير ثقافة التعامل مع سرطان الثدي والأمراض غير السارية لدى السيدات.

وقدمت المبادرة أكثر من 125 مليون خدمة طبية منذ إطلاقها، شملت الفحص المبكر للأورام، والتوعية الصحية، والكشف عن الأمراض المزمنة، وخدمات الصحة الإنجابية، بما ساهم في رفع معدلات اكتشاف الحالات مبكرا وتحسين فرص العلاج وتقليل معدلات الوفيات المرتبطة بالمرض.

ويرى خبراء الصحة أن نجاح المبادرة لم يرتبط فقط بأعداد المستفيدات، وإنما بقدرتها على ترسيخ ثقافة الفحص الدوري وتحويل الكشف المبكر إلى سلوك صحي مستدام داخل المجتمع.

ويظل ملف القضاء على فيروس الالتهاب الكبدي الوبائي "سي" أحد أبرز الإنجازات التي حظيت بإشادات دولية واسعة، بعدما نفذت مصر أكبر حملة مسح طبي للكشف عن الفيروس شملت أكثر من 60 مليون مواطن، مع توفير العلاج بالمجان للمصابين.

وتوج هذا النجاح بحصول مصر على المستوى الذهبي من منظمة الصحة العالمية ضمن مسار القضاء على فيروس "سي" باعتباره تهديدا للصحة العامة، لتصبح التجربة المصرية نموذجا عالميا في إدارة حملات الصحة العامة واسعة النطاق.

وأكدت منظمة الصحة العالمية أن التجربة المصرية أثبتت أهمية الإرادة السياسية، وتكامل قواعد البيانات، وتوفير العلاج المجاني، والوصول بالخدمات الصحية إلى جميع المواطنين، كما أشادت بالنموذج المصري في التعامل مع الأمراض المزمنة وبرامج الكشف المبكر.

ولم تقتصر عملية التطوير على المبادرات الصحية فقط، بل امتدت إلى إعادة بناء البنية التحتية للقطاع الطبي، من خلال إنشاء وتطوير المستشفيات والوحدات الصحية، ورفع كفاءة منظومة الإسعاف، ودعم التحول الرقمي، وتوطين صناعة الدواء والمستلزمات الطبية.

كما شهد القطاع توسعا كبيرا في تطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل، باعتبارها المشروع الأكبر لتحقيق التغطية الصحية الشاملة لجميع المواطنين وفق أعلى معايير الجودة.

وتواصل الدولة تنفيذ منظومة التأمين الصحي الشامل التي تعتمد على فصل جهات التمويل عن تقديم الخدمة والرقابة، بما يضمن رفع كفاءة المنظومة وتحقيق الاستدامة المالية وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.

وبدأت المرحلة الأولى من المنظومة في محافظات بورسعيد والأقصر والإسماعيلية وجنوب سيناء والسويس وأسوان، حيث تم تطوير المنشآت الصحية وتجهيزها وفقا لمعايير الجودة والاعتماد.

وتستعد مصر للتوسع في المرحلة الثانية من المنظومة، والتي تعد محافظة المنيا نقطة انطلاق مهمة لها، باعتبارها من المحافظات ذات الكثافة السكانية الكبيرة، حيث تبلغ تكلفة هذه المرحلة نحو 115 مليار جنيه.

وتستهدف المنظومة الجديدة تقديم خدمات صحية متكاملة لأكثر من 6 ملايين مواطن بمحافظة المنيا، بما يساهم في تحقيق العدالة الصحية وتخفيف الأعباء المالية عن الأسر المصرية.

وأكد الدكتور خالد عبدالغفار، وزير الصحة والسكان، خلال اجتماعات المتابعة الأخيرة، ضرورة الالتزام بالجداول الزمنية للتشغيل التجريبي للمنظومة في المنيا، مع ضمان جاهزية المنشآت الصحية ورفع كفاءة الكوادر البشرية وتطبيق أعلى معايير الجودة.

بدوره، أوضح الدكتور أحمد السبكي، رئيس الهيئة العامة للرعاية الصحية، أن الدولة نفذت استثمارات ضخمة بمحافظة المنيا استعدادا لتطبيق التأمين الصحي الشامل، شملت تطوير المستشفيات والوحدات الصحية وتجهيزها بأحدث الأجهزة الطبية ونظم المعلومات الصحية الرقمية.

وأضاف أن الهيئة تعمل على تطبيق نموذج متكامل للرعاية الصحية يعتمد على التحول الرقمي والملف الطبي الإلكتروني والحوكمة الطبية الحديثة، مع تدريب الفرق الطبية والإدارية ورفع جاهزية المنشآت الصحية لضمان تقديم خدمات تضاهي النظم الصحية العالمية.

وشهد القطاع الصحي كذلك توسعا في استخدام التكنولوجيا من خلال ميكنة الخدمات الصحية، وإنشاء قواعد بيانات موحدة، وتطوير منظومة التسجيل الطبي الإلكتروني، بما يتيح تحسين جودة الخدمة وسرعة اتخاذ القرار الطبي وتوجيه الموارد وفقا للاحتياجات الفعلية للمواطنين.

وتؤكد المؤشرات المحلية والدولية أن ما تحقق خلال السنوات الماضية لم يكن مجرد برامج صحية مؤقتة، وإنما تحول إلى استراتيجية وطنية متكاملة أعادت صياغة مفهوم الرعاية الصحية في مصر.

فقد انتقلت الدولة من نموذج يعتمد على علاج المرض بعد ظهوره إلى نموذج حديث يقوم على الوقاية والكشف المبكر والمتابعة المستمرة، وهو ما يمثل استثمارا حقيقيا في الإنسان المصري.

وبينما تواصل مصر تنفيذ خططها الطموحة لتطوير القطاع الصحي، تظل المبادرات الرئاسية ومنظومة التأمين الصحي الشامل علامات فارقة في مسيرة بناء الجمهورية الجديدة، وتجربة تؤكد أن الاستثمار في صحة الإنسان هو الركيزة الأساسية لبناء مجتمع أكثر قدرة على الإنتاج والتنمية وتحقيق مستقبل أكثر استدامة.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة