ما زلت أدعى النصر والصبر ورؤية الأمل بمشاعر معجونة بالخيبة.. وأكرر على نفسى مجرد مشاعر وأحاسيس مؤقتة.. أتجاهل نداء عقلى وجسمى المتعب من مقاومات أضاعت العمر وأجمل ما فى الزمان.. أردد سأخرج إلى اللازمان إلى مكان يليق بصخب الفرح!.. فأنا لا أعشق الهدوء ولا أميل إليه.. بل أذهب إليه فى خرس المضطر منْ أعمته الهزيمة وأضاناه الخذلان بحجة الاستراحة والتقاط الأنفاس.. أغلق هاتفى وعقلى عن التفكير.. فهو منْ يرهقنى كثيرا حتى فى نومى.. فالنوم للشقى يقظة؟!.. يعانده جسمه وعقله ومشاعره.. تجافيه الراحة المعهودة بالنوم حتى فى حالات الهروب بفرط النوم وإن مثل إغماءة!.. توقظه تلاحقات الأفكار بضربات قلب وأنفاس سريعة تكاد تقتله.. ورغما عنه تذهب كل إشكاليات الراحة.. حتى الذكريات الجميلة تصير مؤلمة.. ويستحضر الجميل المؤذى وصور الراحلين فى تكالب وتحالف.. يقسم عليه ألا يهدأ.. وألا يستطيع الفرار إلى ركن يلتقط معه الأنفاس.
ويحل اللاوعى محل الوعى دون استئذان أو رحمة تذهب به لحواف الموت.. يكره المقاومة المفروضة عليه والتى تهدد قوته.. فى اهتزاز ودون مواجهة مع الحقيقة العارية بأنه بات شخصا آخر يكرهه.
يبذل محاولات للتعرف والتصالح معه وسط ريبة وشك وعدم رحمة.. فى تساؤلات يطلقها منْ حوله بكيف صرت هكذا؟!.. ماذا دفعك لآخر؟!.. ربما صرت آخراً محاولا أن تكون متوحشا أو لا مبالٍ!.. لا تعلم حدود المأساة أو حجم التلفيات!.. وما تبقى لك من صلاحية للحياة.. فما زلت على قيدها.. تتنفس.. تأكل ولو دون شهية.. تشرب حين يداهمك العطش.. لكنك محروم من كل أشكال الراحة والاستمتاع.. تحارب نفسك ومنْ حولك لتقاوم حتى تنعم بسر الحياة الذى يبعد عنك كثيرا.. ولم تعلمه وقد لا تبلغه!.. فغالبا لا أحد يصل إليه سوى الزاهدون فيه.. فلا راحة لمتعلق الحياة.. فحينما تعلم منْ يطلبها تعذبه.. فى سير يتداولها من حوله رغم أنهم لا يختلفون عنه كثيرا.
فيحيا بحالة لا يمكن معها لمس الحياة أو تذوقها!.. وعليه أن يدفع الحساب دون تناول وجبته منها!.. ويقبل ويغض الطرف ويدعى أنه باحث عن الهوية!.. أو أى صيغة تؤمنه شرها.. ويخطو خطوات داخله وخارجه ويقف ويتأمل ويسقط وهو الأحمق الذى يقتات خدعها!.. يحيا أقدارا لا تسمح له سوى بمشيئتها.. وحتى الآن لم أصل لصيغة أهديها إليك سوى عدم الراحة وأظن أنها السير المتداولة المكررة بين بنى البشر؟!.
شغف.. حلم.. حنين.. تحدٍّ.. نكتمل ونبتر فى مفاهيم وأحاسيس وتفسيرات ورموز بلا منطق.. بلا بداية أو نهاية.. صرنا لا نتذكر ما وجب تذكره ولا ننسى ما وجب نسيانه!.. قد نبلغ من الزهد ورجاحة العقل ما يعلمنا أن كل الأشياء سواء قبلناها أو رضخنا لسيفها مفروضة علينا!.. فالحياة تعلمنا الحكمة وتخلق منا أناسا غير ما نعرفهم.. تخلق فينا فضيلة وجوب الرضا دون سقف، وتعلمنا أن ما عشناه وما ننتظره يحمل لافتة دون فائدة!.. وكأن حيواتنا قربانا لرضا الحياة عنا!.. جسورا تعبرنا.. تتقاذفنا الريح ونلوح لها بالرضا والسعادة!.. حتى لا تجرفنا أو تصفعنا.
بين غربة وهروب نعانق النجاة.. نتحسس الحياة من خلف ضباب.. باستراق طيف من سراب فى بقايا مبتورة.. نقترب ونبتعد.. نتستر بحاجز واهم يفصلنا عن غدرها.. غضبها.. نختبئ.. نحاول انتزاع أمننا.. ورغم كل المحاولات لنحظى بسلامة الطريق لا نبلغها فى غالب الأمر!.. بين مقدرة وعجز مع حقائق غائبة عن موجودات تحمل الغموض وتحمل معها الشقاء.. بين اغتراب وتيه فى فراغ نركض لآخر نأمله؟!.. بات علينا دائما أن نمضى وراءه دون أن نعرف النهاية!.. أو المعنى!.
ربما كان دافع الوجود هو ما يحركنا؟!.. نحمل الكثير وما يكفى أن نتعلم أننا لن نعرف!.. وأن غير الممكن أكثر من الممكن!.. نحمل الغريب الذى لم نكن أبدا مؤهلين له.. يقذفنا بقوة تجعلنا نتمنى الموت الذى نهابه!.. نقبل الانحناء وتكسر عظامنا.. ونتعلم البكاء وتجف دموعنا.. فالانحناء يعلمنا أن نفقد الكثير وأن نتقبل بعد الأشياء عن مواضعها.. وعلينا أن نكون ولا نكون مثل غيرنا!.. فالكل ينكر على غيره الخطأ وهو أول الخطائين!.. ونحمل الرغبة فى البقاء فى طرق بلا نهاية رغم حتميتها و ثقلها ومللها ووعورتها.. فيشتد بنا الألم عمقا بمرور الأيام.. ربما حملنا الثقة رغم هشاشة أحوالنا.. فى اختيال وزهو وخوف لنقنع الحياة بأننا على قدرها.. ونرضى ونرتضى ونردد أثقلتنا المحن!.. وننزوى رغم الخوف من العزلة فى طريقة للخروج نحو وجهة الرحيل.
نحلق.. ندعو.. نجذب.. نعانق.. نروح ونجىء ولا نعرف الخروج.. محبوسين.. محرومين حتى من العودة للوراء!.. لا نستطيع؟!.. نحن.. نحط.. نغرق.. نحلم بالذهاب للامكان.. بفرار من زمن أحكم قبضته على أناس لم يحن موعد الإفراج عنهم.. قابضا على أنفاسهم محدودي الحركة والصلاحية.. متابعين ينتظرون الهجوم.. يرجونه فى رقة ووداعة.. يحيوا الصراع المكتوم بين الواقع والمستحيل.. فى سعى فى صخب لأكذوبة الحقيقة!.
فى مرثيات الحياة كلٌّ يسعى.. مفروض عليه أن يأتى ويغادر دون أن يعلم أى اتجاه يكون.. ولا يفلت أحد منها.. مهما بلغ من الذكاء والمراوغة.. فالكل تحت سطوة الحياة.. تحركه كما عرائس الماريونيت مهما اتسع المسرح.. ومهما كانت خدع المشاهدة وأعداد المراقبين السذج.. لا يسمح لأحد تأثيث حياته.. بين بكاء وانكسار وحذر وتوجس وملل وبعد وقرب.. كل يضيع فى هباء الزمن مذبوح القلب.. مشتت الفكر بين ليت ومتى؟!.. كلٌّ يفنى ويصير كان فقط؟!.. مهما طار ولاحق وجاء وذهب وعانق وفارق وعبث.. ممحو الأثر!.. وما زال الباقون ينازعون ويلتحفون الظلم دون الالتفات لحكم القدر!.. فلا ملاذ آمن ولا أحد يأمن مكر الزمن ورجاله الأشرار.. أتباع وأقزام وأناس من الشرف تحاول الثبات.. فى تمرد تصارع وتكافح غدر وخسة وذئاب ومكائد وخديعة.
كلٌّ يحيا القياس ويقبل النتائج المتوافقة إلا من مفاجآت تزلزل ما يفوق احتماله.. يحيا بمنظوره حتى وهو يتفاعل مع هموم وأحوال غيره.. يسقط ذاته وأفكاره ويحاول جاهدا أن يستقى توافقا مقبولا مع كل ما يحمله.. بل إنه قد ينكر ويتجاهل ما يتعارض معه حتى ولو لم يكن يسبب له خسارة.. ربما لأنه يخشى الخسارة أو المغامرة؟!.. ودائما يرى هويته فى تأكيد ما يحمله من توافق تام مع ما يحمل غيره.. حتى تجاربه يبحث عن التشابه بينها وبين تجارب الآخرين ويرفض النتائج المغايرة!.
إشكالية حقيقية تجعلنا لا نعرف الكثير.. فحدود معرفتنا تكون مقصورة على ما نعلم فقط!.. ربما كان خوفا من الوصول لنتائج مغايرة أو ربما كان الكسل ما يبعدنا عن التفاعل.. أو ربما كان تفاعلا مشروطا ومحددا.. يرفض التغيير ويقبله كأمر واقع إذا كان فى صالحه.. هبة وضربة حظ.. يحمل كل الماضى معه حتى فى حالات الصعود.. يرفض ما يتنافر معه حتى ولو مثَّل له إخفاقا.. فبمرور الوقت نصل لقناعة الاكتفاء بما مر من تجارب وخسائر.. ونتفلسف فى إثبات نظريات مشوهة.. يدفع فينا دائما عجزا فى التواصل مع الحياة.. ومقاومة للعيش بسلاسة مع تقلبات الحياة رغم الترقب والبحث عن السعادة.. نهرب من السير للأمام ولا نبلغه إلا بدفع قسرى نواجهه بصمود وعبثية.
نفقد الأمانى وما نحمل من رغبات وبمرور الزمن تتساقط تباعا حتى تتلاشى مع أصحابها.. نصير فى عدم مع زمن أنهكنا فى تتابع وجثوم ومرور .. مسلطا سيفه على رقاب العباد.. نناديه ولا يسمع!.. نناجيه ولا يجيب!.. ولا نملك أن ننأى عنه فهو حصاد وجودنا على الأرض.. ويوما ما سيرفع يده ويعلن رحيلنا من فوق مسرحه.. يحكم مواقيته وتوقيتاته.. ولا شىء يبين ولا شىء يتحقق.. حتى وإن أوشك الباب أن يغلق بلا عودة.. نردد هل لنا من نصيب فى زفة أو جنازة الأبراج والأفلاك.. والأعوام تنقضى ولم تتحقق حتى نبوءة التاروت والدجالين.. وما زلنا نحلم ونطير ويقذفنا القدر إلى حيث لا نريد!.. ننسل من اليأس ما يغزل الأمل.. ومن البكاء أنس يضىء عتمة الحظ اللصيق.. نذهب ونعود أو نبقى على عهدنا مع المجهول.. ربما رأف بالمتعبين فى الخوف والانكسار وصاروا فى شيخوخة ولم يعودوا كما كانوا ولا يعلمون منْ كانوا؟!. يحملون المرأى المهترئ.. يخطون بخطوات العجز.. يعيشون فى جسد امتثل للعطب.. بات الحذر يجهدهم والأمل يشقيهم!.. حتى جهد الفرح صار يتعبهم!.. ومن حولهم الناظرين تزداد نظراتهم قسوة.. يرددون الحياة للشباب والممات للعجزة رغم أن لا أحد يفوز بالحياة.. لكن هكذا يردد من حوته الحياة من أشياء وأناس تحمل الصلاحية المحددة؟!.