لكن هذا النهج التفاوضى يعد فى جوهره بمثابة مقامرة من المحتمل أن تفشل وربما تغضب وتستفز من تفاوضه وتجعله يفض عملية التفاوض وينهيها بدون التوصل إلى تفاهمات واتفاقات حول القضايا والأمور التى يتم التفاوض حولها.
وهذا ما حدث فعلا قبل أيام فى جنيف والتى شهدت افتتاحية مفاوضات الستين يوما المقررة فى اتفاق المبادئ.. فقد استبق ترامب بداية هذه المفاوضات التى رتب لها كل من باكستان وقطر بتصريحات حادة جدا هدد فيها إيران بالتدمير بعد استئناف الغارات الأمريكية عليها، إذا أغلقت مضيق هرمز، ومنع مفاوضى إيران من العودة لبلادهم، وهو ما يعنى اختطافهم أو قتلهم، وقيام أمريكا بالسيطرة على المضيق وتولى إدارته مقابل رسوم تحصل عليها، وذلك رغم أن واشنطن تعارض أن يكون عبور المضيق مقابل دفع رسوم تحصل عليها إيران!.. وقد أثارت هذه التصريحات الحادة غضب إيران واستفزت الوفد الإيرانى المفاوض فغادر مقر المفاوضات، معلنا رفضه لتهديدات ترامب، كما قال رئيس البرلمان الإيرانى فى تصريحات له رد فيها على كلام ترامب.
وكان ممكنا أن يفجر ذلك المفاوضات لولا محاولات الوسطاء الباكستانيين والقطريين لإنقاذها بعد أن تم التوصل إلى آلية العملية التفاوضية التى اقتضت تشكيل لجان نوعية تختص بالقضايا المختلفة التى تضمنها اتفاق المبادئ مثل الملف النووى والعقوبات المفروضة على إيران، وأموالها المجمدة والمرور فى مضيق هرمز بعد انقضاء الستين يوما المقرر استمرار المفاوضات فيها بين أمريكا وإيران، أو بعد التوصل إلى اتفاق نهائى بين الدولتين، وهذا ما أعلنه الوسيط الباكستانى.
غير أن المشكلة الحقيقية التى تواجه مفاوضات الدولتين تتمثل فى أن ترامب ليس مضمونا التزامه بأى شىء.. فهو معتاد على التصريحات غير المنضبطة والمتهورة بل والمتناقضة والمثيرة للاستفزاز ليس لدى الخصوم فقط وإنما لدى الأصدقاء والحلفاء أيضا مثلما قال مؤخرا مع رئيسة الحكومة الإيطالية التى قال إنها توسلت إليه لكى تلتقط صورة معه الأمر الذى دفعها لتكذيبه والقول إنها لا تتوسل لأحد هى وبلادها!.
وقد تابعنا من قبل كيف يتحدث ترامب بلا انضباط دبلوماسى حول إيران ذاتها، ففى الوقت الذى كان نائبه يتحدث فى جنيف عن فتح صفحة جديدة بين أمريكا وإيران بناء على تعليمات رئيسه، كان ترامب ذاته يهدد إيران بالتدمير والوفد الإيرانى بالاختطاف أو بالقتل، وهو الذى أشاد من قبل بالقادة الجدد لإيران ويبدى استعداده للقاء المرشد الإيرانى الجديد مجتبى خامنئى، واصفا المفاوضات بأنها حدث تاريخى.
لذلك ليس مستبعدا أن يخرج ترامب مستقبلا ليلقى بتصريحات جديدة حول المفاوضات مع إيران، إذا تعثرت هذه المفاوضات أو واجهت صعوبات ومشاكل أو تعذر الاتفاق على بعض الأمور والقضايا التى تتناولها هذه المفاوضات. فإن ترامب لن يتغير بعد بلوغه الثمانين من العمر، خاصة أنه اعتاد أن يكرر القول بأنه حقق نصرا عسكريا ساحقا على إيران وقضى على القوات الجوية والبحرية الإيرانية وقام بتدمير منشآتها النووية وقواعدها الصاروخية، ومثل هذا الكلام من المؤكد أنه يستفز ويغضب الإيرانيين.
إذن نحن إزاء مقامرة خطيرة يمارسها ترامب تهدد بفشل المفاوضات الأمريكية- الإيرانية أو على الأقل تعطلها لأن بعض الوقت سوف يستهلك فى احتواء آثار وتداعيات تصريحات ترامب ورغبته فى وضع إيران تحت ضغط وهى تتفاوض.. وهذا سوف يلقى بعبء جديد على الوسطاء وهم يحاولون المضى بالمفاوضات إلى شاطئ الأمان متى تتمخض عن استعادة المنطقة السلام والأمان ونجاة العالم من كارثة اقتصادية تفوق أزمة الركود العظيم التى شهدها العالم.