ولدينا كعرب فن سردى نثرى آخر اسمه (المقامات) من الحريرى حتى المويلحى، كما أن فن القصة كان معروفا عند عرب الجاهلية، وفى الإسلام كحكايات تحكى فى الأسواق، وهى أنواع: منها الخرافية، والوعظية الدينية، والسياسية، وما قصص (كليلة ودمنة) إلا مجرد نموذج من القصص السياسية على ألسنة الحيوانات وحكاياتهم.
وإذا كان فن القصة المعاصر قد بدأ تاريخيا برواية (زينب) لمحمد حسين هيكل باشا، ثم مع محمود تيمور، ويحيى حقى، وتوفيق الحكيم، وطه حسين فى (القصر المسحور)، والعقاد فى روايته الوحيدة (سارة)، والمازنى، وغيرهم، فإن عميد الرواية العربية بلا منازع هو نجيب محفوظ، كمّا ونوعا، وتطورا، فقد أبدع خمسة وخمسين نصا ما بين رواية وقصص قصيرة، وتطور من التاريخية للواقعية، لتيار الوعى، للامعقول، للرمزية، وتوجت مسيرته بفوزه بجائزة (نوبل) عن جدارة، فى 12 أكتوبر سنة 1988م. وأصبح اسم محفوظ لدى مثقفى العالم معروفا، وعشق الأجانب مصر والحارة المصرية من قصص محفوظ، وأصبح اسم محفوظ (علامة تجارية ثقافيا) مميزة عالميا، فمنْ لم يقرأ له فهو جاهل!
ولكن الرواية العربية ليست محفوظ فقط، هناك عشرات الأسماء الكبيرة مثل: يوسف إدريس، وحنا مينا، ومحمد شكرى، والطاهر بن جلون، ويوسف السباعى، وإحسان عبد القدوس، وفتحى غانم، والطيب صالح، وعبد الحكيم قاسم، وإدوار الخراط، وجمال الغيطانى، وخيرى شلبى،.. إلخ إلخ، إلى عشرات الأسماء من كل الأجيال.
وبرزت أسماء نسائية روائية كبيرة من د. سهير القلماوى، إلى د. عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ)، ود. لطيفة الزيات، ود. رضوى عاشور، وأحلام مستغانمى، وإنعام كجه جى، ود. ريم بسيونى، ود. هدى النعيمى، وعشرات الأسماء المتحققة إبداعا أصيلا.
فما هو السبب فى خلو قائمة صحيفة (الجارديان) فى نسختها العربية، من اسم رواية عربية واحدة ضمن أفضل مائة رواية؟!..
إن هذا السؤال يثير بدوره أسئلة مهمة عن أداء المؤسسات الثقافية العربية، وعن مدى تأثيرها فى الآخر، وقيامها بنقل الإبداع العربى للآخر، كما يثير السؤال حول دور وأداء اتحاد الناشرين العرب، ومدى قيامه بمبادرات عربية – عربية، وعربية - أجنبية، أيضا يصبح السؤال جادا جدا عن دور مراكز الترجمة الرسمية العربية، وعن أهمية دعم مبادرات الترجمة الفردية والأهلية، وبصراحة مطلقة نحن اليوم أحوج ما يكون للتعاون العربى – العربى، على مستوى جامعة الدول العربية، خاصة فى الثقافة والإبداع، ومن منبر (المصور) أدعو لتأسيس مركز عربى للترجمة تحت مظلة الجامعة العربية، للترجمة من العربية للغات الأخرى خاصة (الإنجليزية، والفرنسية، والروسية، والصينية، والإسبانية، والألمانية)، كما أدعو لاختيار أعمال عظيمة لا خلاف عليها للبدء فى ترجمتها فورا، ثم البدء بترجمة الأعمال الفائزة فى المسابقات الأدبية العربية.
إننا كمصريين وكعرب لا نعانى نقصا فى الإبداع، بل نمتلك زخما منه، كمّا ونوعا، ولكن مشكلتنا فى التقصير فى تقديم أنفسنا بشكل يليق بنا، وفى عدم مد جسور التواصل مع المؤسسات الثقافية والإعلامية العالمية.
نحن المصريين أغنى ما نمتلكه القوة الناعمة من مبدعين فى كل المجالات، شعر وقصة، وموسيقى، ودراما، ومسرح،..إلخ، وكما أثرنا فى الجماهير العربية عبر قرن كامل، بحاجة لتقديم أنفسنا للآخرين، فنحن أصحاب بضاعة أدبية مميزة، وصناعات ثقافية ثقيلة، ولكننا نريد ألا نستمر فى التحدث إلى أنفسنا، نريد أن نتحدث مع الآخر، وسيكون العائد كبيرا، سياسيا واقتصاديا.
إننى أوجه بعض اللوم بكل صراحة لأقسام وإدارات العلاقات الثقافية الخارجية فى وزارات الثقافة، وكذلك إلى الملحق الثقافى بكل سفارة أجنبية، يجب أن نخرج من إطار العمل الوظيفى التقليدى إلى العمل الجسور، المشارك، والمقتحم، نريد ألا نكون رد فعل، أو نستند إلى حائط الانتظار، بل نقتحم الآخر، ونقدم أنفسنا فى معارض الكتب الخارجية بقوة.
حسنا، جرى ما جرى، ولكنه جرس إنذار ثقافى مهم جدا، فى أن نضع نصب أعيننا حقيقة بديهية ألا وهي: أننا لسنا فى العالم وحدنا، وأن الإبداع أصبح اليوم إنسانيا، وهو أقرب وأسهل طريقة للوصول إلى الآخر والتأثير فيه.
من حقنا أن نغضب على تقصيرنا، مؤسسات وأفرادا، ولكن يجب أن يكون الغضب قوة دافعة لنا نحو التحول من حالة السكون، إلى التفاعل والفاعلية، ومن حالة رد الفعل، إلى الفعل، ومن حالة الانتظار إلى المبادرة.
نحن أغنياء جدا إبداعا، ولكننا مقصرون فى التواصل الثقافى خارج حدودنا العربية، هناك جهود فردية لا شك، ولكن جهود المؤسسات الرسمية لا ترقى لطموحنا الثقافى، لذلك وجب دق جرس التنبيه، ورب ضارة نافعة.