بداية، حظيت الدورة الثانية عشرة لمهرجان الطبول بمشاركة دولية واسعة؛ فما الذى ميزها تحديدا عن السنوات السابقة؟
تميزت الدورة الحالية من مهرجان الطبول الدولى والفنون التراثية بعدد من المحطات اللافتة التى تعكس تطور المهرجان واتساع تأثيره الجماهيرى والثقافى، فلأول مرة يُقام حفلا الافتتاح والختام بساحة دار الأوبرا المصرية، تنفيذًا لتوجيهات الدكتورة جيهان زكى وزيرة الثقافة، وهو ما أضفى على الفعاليات طابعًا احتفاليًا مميزًا، خاصة أن حفل الافتتاح شهد حضورًا جماهيريًا تجاوز خمسة آلاف متفرج، فى مؤشر واضح على تزايد شعبية المهرجان عامًا بعد عام، كما شهد الدورة الحالية تنوعًا كبيرًا فى الفرق المشاركة سواء من حيث الخلفيات الثقافية أو الأنماط الفنية المقدمة، مع إتاحة الفرصة لظهور فرق جديدة للمرة الأولى بما ساهم فى إثراء المشهد الفنى وفتح آفاق جديدة للتبادل الثقافى بين الشعوب.
كما عادت فعالياته مرة أخرى إلى الشوارع والميادين من خلال «ملتقى إبداع الشارع المصرى» الذى يمثل أحد أبرز الأنشطة المصاحبة للمهرجان، ويهدف الملتقى إلى تعزيز التواصل المباشر بين الفنانين والجمهور، واكتشاف المواهب الفنية الكامنة فى الشارع المصرى بما يعزز من دور الفن كأداة للتفاعل المجتمعى، ومن نتاج هذه التجربة الثقافية الفريدة تحويل ممر بهلر إلى ما يُعرف اليوم بـ«الممر الفنى والثقافى» بعدما استضاف على مدار السنوات الماضية فعاليات مهرجان الطبول وملتقى إبداع الشارع المصرى بفنونه واكتشاف المواهب من الجماهير، ليصبح نموذجًا لتوظيف الفضاءات العامة فى نشر الفنون والثقافة وكانت تُنظم هذه الفعاليات من خلال مؤسسة حوار لفنون ثقافات الشعوب، بالتعاون مع وزارة الثقافة ومحافظة القاهرة.
كيف ساهم مهرجان الطبول الدولى فى تعزيز الحوار بين الثقافات والشعوب من خلال الفنون التراثية؟
شعار المهرجان هذا العام هو «حوار الطبول من أجل السلام»، ويترجم هذا المفهوم إلى واقع عملى من خلال تقديم الفرق المشاركة وفنون الشعوب المختلفة للجمهور المصرى عبر فعاليات المهرجان، وفى الوقت نفسه ننظم ورشة دولية تجمع هذه الثقافات المتنوعة بما تحمله من فنون تراثية عريقة مع الفنون المصرية فى حوار فنى متميز يبرز خصوصية وتفرد الشخصية المصرية، ومن خلال هذا التفاعل الثقافى والفنى نسعى إلى توجيه رسالة سلام إلى العالم تؤكد قيم المحبة والتسامح والتعايش بين الشعوب.
ما المعايير التى تم على أساسها اختيار الفرق المشاركة فى المهرجان؟
المعايير الأساسية لاختيار الفرق المشاركة تمثلت فى أن تكون فرقًا متميزة وقادرة على التعبير عن ثراء وتنوع الفنون التراثية والشعبية فى بلدانها ومجتمعاتها، كما نحرص على أن تعكس هذه الفرق الخصوصية الثقافية لكل منطقة سواء من أقاليم مصر المختلفة أو من الدول المشاركة، بما يثرى تجربة المهرجان ويعزز التبادل الثقافى بين الشعوب.
إلى أى مدى يعكس المهرجان التنوع الثقافى والتراثى للشعوب المشاركة؟
عكس المهرجان هذا التنوع بصورة واضحة للغاية من خلال تعدد الفرق المشاركة وما تقدمه من فنون وتراث ثقافى عريق يمثل هويتها الوطنية والشعبية، ولا يقتصر هذا التنوع على العروض الفنية فقط، بل يمتد أيضا إلى الأزياء التقليدية والمظاهر البصرية التى تزين خشبة المسرح، لتشكل بانوراما إنسانية وتراثية مبهرة تجمع ثقافات شعوب العالم فى مشهد واحد، ومن خلال هذا التلاقى الثقافى والفنى ينجح المهرجان فى توجيه رسالة سامية تؤكد قيم السلام والمحبة والتفاهم بين الشعوب، انطلاقا من قوة الفن وقدرته على التقريب بين الثقافات المختلفة.
شهد المهرجان حضورًا جماهيريًا واسعًا بفضل مجانية العروض، كيف ترى أهمية إتاحة الفنون للجمهور دون حواجز؟
الحقيقة أننى أؤكد دائما على ضرورة أن تكون عروض المهرجان مجانية ومتاحة للجميع، لأن الفن حق لكل أفراد المجتمع ومنذ انطلاق المهرجان حرصنا على تقديم فعالياته فى الشوارع والميادين العامة، ما أتاح للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العروض والمشاركة فيها، والجماهير المصرية لا تكتفى بدور المتفرج بل تتحول إلى شريك حقيقى فى صناعة الحدث، فقد أسست من خلال هذا التفاعل ما يمكن أن نطلق عليه «كورال الجماهير»، حيث يشارك الجمهور بالغناء والعزف إلى جانب الفرق الفنية، وأتذكر على سبيل المثال إحدى الاحتفاليات فى شارع المعز حين شارك الكورال الجماهيرى بالغناء بمصاحبة فرق الآلات والموسيقى الشعبية، فى مشهد جسد حالة فريدة من التفاعل بين الفنانين والجمهور، لذلك، فالجمهور بالنسبة لنا ليس مجرد مشاهد بل هو عنصر أساسى وفاعل فى الاحتفالية، فنحن جميعا نشارك فى الإبداع وصناعة حالة فنية وشعبية مميزة، وهو ما يعكس تفرد الشخصية المصرية وثراء تراثها الثقافى وقدرتها الدائمة على التفاعل مع الفنون والاحتفاء بها.
ما الدور الذى تلعبه الفنون التراثية فى الحفاظ على الهوية الثقافية للشعوب فى ظل التطورات التكنولوجية المتسارعة؟
طبعًا له دور مهم جدًا، فوسط هذه الصراعات والتغيير وطمس معالم الهوية، تحافظ الفنون التراثية على الهوية المصرية العظيمة جدًا بتراثها الشعبى المتميز والغنى فى كل أقاليم مصر.
هل هناك رسائل أو قضايا إنسانية وثقافية يسعى المهرجان إلى طرحها هذا العام؟
نحرص فى المهرجان بكل دورة على التأكيد على رسالة السلام باعتبارها إحدى ركائزه الأساسية، ونسعى دائما إلى توجيه هذه الرسالة إلى العالم من خلال الفن والثقافة، ومن هنا جاء شعار المهرجان «حوار الطبول من أجل السلام» الذى يعبر عن فلسفة المهرجان ورؤيته، فالطبول ارتبطت تاريخيًا فى كثير من الحضارات بالحروب وإعلان المعارك، لكننا نسعى إلى إعادة توظيف هذا الرمز وتحويله من أداة ارتبطت بالصراع إلى وسيلة للحوار والتواصل بين الشعوب، ومن خلال إيقاعات الطبول والفنون التراثية المختلفة نؤكد أن الفن قادر على بناء جسور التفاهم ونشر قيم المحبة والتسامح والتعايش، ولذلك جاء شعار المهرجان ليجسد هذه الفكرة ويعبر عن رسالتنا فى نشر السلام بين شعوب العالم.
كيف يمكن توظيف الفنون الشعبية والتراثية فى مواجهة الأفكار المتطرفة وتعزيز قيم التسامح والتعايش؟
نعمل على تحقيق ذلك من خلال الحوار الفنى الذى ننظمه عبر الورشة الدولية والفرق المشاركة، حيث تتحول جميع هذه الفرق إلى معزوفة كونية ومنظومة فنية متكاملة تهدف إلى تأكيد وإرسال رسالة محددة إلى العالم أجمع.
ما أبرز الفعاليات أو العروض التى حظيت باهتمام خاص من الجمهور خلال هذه الدورة؟
جميع فعاليات المهرجان حظت باهتمام جماهيرى لافت، وهو ما نلمسه بوضوح فى مختلف مواقع العروض؛ ففى احتفالية شارع المعز على سبيل المثال، شهدنا حضورًا ومشاركة من آلاف المواطنين، وهو ما يعكس حجم التفاعل والمحبة التى يكنها الجمهور لهذا الحدث، والحقيقة أن ما نسعى إليه هو نشر البهجة وإدخال السعادة إلى قلوب الجماهير؛ ففى الاحتفالية التى أُقيمت مؤخرا بشارع المعز عشنا ليلة استثنائية بكل المقاييس، حيث شاركت أعداد غفيرة من الجمهور فى أجواء احتفالية مبهرة امتزج فيها الفن بالفرح الشعبى، وأؤكد دائمًا: نحن لا نقدم مهرجانًا بالمعنى التقليدى، بل نصنع احتفالية شعبية حقيقية بالشراكة مع الجماهير المصرية العظيمة التى تمثل عنصرا أساسيا فى نجاح هذه الفعاليات ومنحها هذا الزخم والحيوية.
هل هناك فرق دولية تشارك فى المهرجان لأول مرة؟ وما أهمية ذلك فى إثراء التجربة الفنية؟
المهرجان الدولى للطبول والفنون التراثية اكتسب مكانة دولية مرموقة، وجاءت التهانى من دول عربية وأجنبية مختلفة منها ألمانيا وفرنسا وإنجلترا، حتى إننا تلقينا دعوات لإقامة مهرجان مصغر للطبول فى ألمانيا.
ضمت الدورة الحالية عددًا من المكرّمين فعلى أى معايير تم اختيارهم؟ وما أهمية هذا الاحتفاء فى ربط الأجيال الجديدة بذاكرتنا الفنية؟
يحرص المهرجان فى كل دورة على تكريم شخصيات أسهمت بشكل مؤثر فى إثراء المشهد الفنى والثقافى، سواء على المستوى المصرى أو الدولى، تقديرا لعطائها وإسهاماتها فى الحفاظ على التراث وتعزيز الحوار الثقافى بين الشعوب، وضمت قائمة المكرمين هذا العام الموسيقار الكبير عمر خيرت تقديرا لمسيرته الفنية الثرية وإسهاماته البارزة فى الموسيقى العربية، إلى جانب الفنانة الكورية الجنوبية كيم سو هى، إحدى أبرز رموز فن «البانسوري» التقليدى فى كوريا الجنوبية، والفنانة الجنوب إفريقية مانتومبى ماتوتيانا التى تعد من أبرز حراس التراث الموسيقى لشعب الخوسا، كما اختارت إدارة المهرجان الدكتور ثروت عكاشة شخصية للدورة الثانية عشرة؛ تقديرا لدوره المحورى فى إثراء الحركة الثقافية المصرية والعربية، وإسهاماته الكبيرة فى تأسيس العديد من المؤسسات الثقافية ودعم الفنون والآداب، وتكتسب هذه التكريمات أهمية خاصة لأنها لا تقتصر على الاحتفاء بالمبدعين، بل تسهم أيضا فى توثيق إنجازاتهم وتعريف الأجيال الجديدة برموز أثرت الحياة الثقافية والفنية، بما يساعد على الحفاظ على الذاكرة الثقافية وتعزيز الوعى بقيمة التراث والإبداع الإنسانى.