«دولة القانون ماضية فى طريقها بكل حزم، فالقانون فوق الجميع، وسيظل ملاذًا لكل صاحب حق، وتأكيدًا لهيبة الدولة»، رسائل قوية أكدت عليها النيابة العامة فى بياناتها عقب القبض على رجل الأعمال صبرى نخنوخ.
فقرارات «النيابة» جاءت بعد أن كشفت التحقيقات الموسعة أن القضية لم تقف عند حدود مشاجرة معرض سيارات التجمع الخامس، بل امتدت لتشمل عمليات غسل أموال ضخمة تجاوزت الـ190 مليون جنيه من طرق غير مشروعة، وعليه صدر قرار التحفظ على أموال المتهمين ومنعهم من التصرف فى كافة ممتلكاتهم، وتشمل الأموال المنقولة، والودائع، والخزائن، والمحافظ الإلكترونية، والأسهم، والصكوك، والسندات بالبورصة المصرية. كما أخطرت «النيابة» الجهات المعنية المتمثلة فى البنوك، والشهر العقاري، والبورصة، لتنفيذ القرار فورًا لحين الفصل فى القضية.
خيوط القضية تشكلت عندما تلقت النيابة العامة بلاغًا من صاحب معرض سيارات يفيد باقتحام «نخنوخ» ومجموعته للمعرض إثر خلافات مالية، والتعدى على أحد العاملين وإحداث إصابات به، وسرقة وحدة تسجيل كاميرات المراقبة، لتبدأ تحريات أجهزة الأمن بوزارة الداخلية.
سريعًا، وبناءً على إذن النيابة، تم مداهمة وتفتيش مسكن «نخنوخ» ومقاره، ما أسفر عن ضبط ترسانة أسلحة تضم بندقيتين آليتين، ورشاشًا، وطبنجة، وأسلحة صوت وضغط هواء، ونحو 1000 طلقة ذخيرة، علاوة على 5 أجهزة اتصال لاسلكى غير مرخصة، و10 قطع أثرية. ولم تتوقف المفاجآت عند الأسلحة، إذ أسفر فحص الهواتف المحمولة للمتهمين وتفريغها عن العثور على تسجيلات توثق جرائم أخرى شديدة الخطورة، وجارٍ التحقيق فيها بشكل مستقل، وأبرزها وقائع خطف مقترنة بهتك عرض، واحتجاز مواطنين وممارسة تعذيب بدنى بحقهم، وإكراه على توقيع مستندات وأوراق، إضافة إلى حيازة أدوات تعذيب وحيوانات برية شرسة لاستخدامها فى ترهيب الضحايا.
الأمر الأهم فى القضية هو ما شكلته إفادات النيابة، التى لم تقتصر على عرض وقائع البلاغ المتعلق بالتعدى على صاحب معرض سيارات، وإنما قدمت توضيحًا شاملًا لتداعيات القضية أمام الرأى العام، حيث تناولت الواقعة الأصلية باعتبارها خلافًا نشب بين المتهم وصاحب معرض سيارات، ثم الحديث عن نتائج التحريات وما تضمنته من اتهامات تتعلق بـ»تكوين تشكيل عصابى وممارسة أعمال البلطجة وفرض السيطرة والترويع والإخلال بالنظام العام». فرجال النيابة تحركوا لساعات طويلة على الأرض من أجل التوصل إلى التفاصيل، وشاهدوا الأوضاع جميعها، وجمعوا الخيوط التى توصلت إلى «هذا التشكيل العصابى الكبير»، ولا يزال رجال النيابة يواصلون العمل من أجل الكشف عن مزيد من الأحداث التى ستظهر صورتها كاملة أمام الرأى العام خلال الفترة المقبلة.
وهناك رسالة مهمة أشارت إليها الأحداث، وهى التأكيد على أن القانون يطبق على الجميع دون استثناء، وأن الدولة مستمرة فى ملاحقة أى ممارسات تخرج عن إطار الشرعية القانونية. وهذه الرسالة كانت من أكثر الرسائل تداولًا داخل المجال الرقمي، لأنها خاطبت بصورة مباشرة أحد أكثر الملفات حساسية لدى الرأى العام، وهو ملف العلاقة بين النفوذ والعدالة، والتى حسمتها النيابة بالتأكيد على أن «دولة القانون ماضية فى طريقها بكل حزم، فالقانون فوق الجميع، وستظل ملاذًا لكل صاحب حق لصون حقوق المواطنين دون تمييز».
فـ»النيابة» تواصل ضرباتها المتلاحقة لجميع عناصر «إمبراطورية نخنوخ» التى أخذت فى التساقط الواحد تلو الآخر، فبعد القبض على رجل الأعمال أحمد الحداد، زوج الفنانة هاجر أحمد، سقط صديق «نخنوخ» يحيى الصعيدي، وابن شقيقته، وعدد من مساعديه.
الدكتور مصطفى السعداوي، أستاذ القانون الجنائي، تحدث عن الوقائع المنسوبة للمتهم صبرى نخنوخ ومن معه، بقوله: إنها تضعنا أمام سلسلة من الجرائم الجسيمة التى تندرج تحت مظلة قانون العقوبات، وعلى رأسها جريمة البلطجة واستعراض القوة، موضحًا أن المادة 375 مكرر من قانون العقوبات حددت أركان هذه الجريمة بدقة.
وأشار إلى أن طبيعة الاتهامات الموجهة للمتهم، والتى تشمل اقتحام معرض سيارات بالقوة والاعتداء على العاملين، تجعل من الجريمة واقعة مشددة لكونها ارتُكبت بواسطة تشكيل عصابي، لافتًا إلى أن استغلال شركات الأمن كواجهة لفرض السيطرة يعد ظرفًا مشددًا يعكس إصرارًا جنائيًا على ترويع المواطنين.
وبحسب «السعداوي»، فإن التكييف القانونى للواقعة يتجاوز مجرد المشاجرة العادية إلى جريمة جنائية منظمة تهدد استقرار المجتمع، وهو ما سيترجمه القضاء فى حكمه المستقبلى بكل حزم وقوة لردع كل من تسول له نفسه العبث بالأمن العام أو التعدى على حقوق المواطنين وحرياتهم.
وأضاف أن حيازة الأسلحة والذخائر دون ترخيص تشكل خطرًا داهمًا يهدد السلم المجتمعي، خاصة بعد ضبط ترسانة متنوعة تشمل بنادق آلية ورشاشات وذخيرة حية تتجاوز الألف طلقة، موضحًا أن قانون الأسلحة والذخائر المصرى رقم 394 لسنة 1954 وتعديلاته وضع عقوبات صارمة لهذه الجرائم، حيث تصل العقوبة فى حالة حيازة الأسلحة الآلية والذخائر المستخدمة فى الحروب إلى السجن المؤبد.
كما أشار «السعداوي» إلى أن المشرع المصرى استهدف من هذا التغليظ حماية أرواح المواطنين ومنع تحويل الأفراد إلى تشكيل مسلح ضد الدولة، وبما أن التفتيش القانونى أسفر عن وجود هذه الكميات الهائلة، فإن النيابة العامة ستكيف هذه الواقعة كجريمة حيازة أسلحة نارية بقصد الاستخدام فى نشاط إجرامي، مما يضاعف المسؤولية الجنائية للمتهم، لأن وجود هذه الترسانة يشير بوضوح إلى نية مبيتة للقيام بأعمال إجرامية، ولا يمكن تبريرها بالدفاع عن النفس، وسيكون هذا الملف عنصرًا حاسمًا فى لائحة الاتهام التى ستدعم توقيع أقصى عقوبة مقررة قانونًا.
«السعداوي» تحدث أيضًا عن تفاصيل مثيرة للجدل كشفتها التحقيقات الناتجة عن تفريغ هواتف المتهمين، والمتعلقة بوقائع الخطف والاحتجاز القسرى واستخدام وسائل للتعذيب البدني، موضحًا أن هذه الأفعال تشكل خروجًا صارخًا على القيم الإنسانية والقوانين، فالمواد 280 وما بعدها من قانون العقوبات تنص على عقوبات مشددة لجريمة الخطف تصل إلى السجن المشدد، وإذا اقترن الخطف بالتعذيب أو التهديد بالقتل فقد تصل العقوبة إلى الإعدام فى حال أفضت الأفعال إلى نتيجة جسيمة.
وقال إن الأدوات التى تم ضبطها ويشتبه فى استخدامها للتعذيب تعد قرائن مادية قوية تدعم هذه الاتهامات. وأوضح أن «النيابة» تتعامل مع هذه الوقائع بجدية، حيث يتم إخضاع المقاطع المسجلة والمستندات الموقعة بالإكراه للفحص الجنائى الدقيق، كما أن إثبات «جريمة الإكراه» يضيف تهمة جديدة للمتهم تتعلق بالتهديد للحصول على منافع مالية، وكل هذه العناصر تتجمع لتشكل ملفًا جنائيًا ثقيلًا يجعل من المتعذر على الدفاع الدفع بالبراءة، بل يمهد الطريق لاحتمالية صدور عقوبات قصوى.
كما لفت إلى أن ضبط قطع أثرية بحوزة المتهم يفتح ملفًا قضائيًا جديدًا يخضع لقانون حماية الآثار رقم 117 لسنة 1983 وتعديلاته، معتبرًا أن الاتجار فى الآثار جريمة تمس التراث القومى ومصلحة الدولة العليا، موضحًا أن المشرع المصرى غلظ العقوبات لتصل إلى السجن المؤبد وغرامات مالية طائلة للمتاجرين فى الآثار، مشيرًا إلى أن وجود هذه القطع فى حوزة شخص يواجه اتهامات بالبلطجة يعزز فرضية تورطه فى شبكات إجرامية منظمة تتجاوز النشاط الفردي.
وأوضح «السعداوي» أنه فور انتهاء خبراء وزارة السياحة والآثار من فحص القطع الأثرية، سيواجه المتهم اتهامًا إضافيًا بجناية الاتجار فى الآثار، وهو ما يغير من طبيعة القضية برمتها، إذ يتحول المتهم من «بلطجي» إلى «مجرم يمس الأمن القومى والتراث الوطني».
وأضاف أنه عند النظر إلى مجموع الجرائم المنسوبة لصبرى نخنوخ من بلطجة، وحيازة أسلحة ثقيلة، وخطف، وتعذيب، واتجار فى الآثار، نكون بصدد «تعدد مادى للجرائم»، وهنا فإن القانون الجنائى يوجب فى حالات التعدد إيقاع العقوبة الأشد عن الجريمة الأكثر جسامة، مع إمكانية إضافة عقوبات أخرى.
وأشار إلى أنه بالنظر إلى جريمة الخطف المقترن بالتعذيب، وجريمة حيازة أسلحة آلية واستخدامها، فإن العقوبة المقررة تتراوح بين السجن المؤبد وتصل إلى الإعدام إذا استقرت المحكمة على وجود سبق إصرار وترصد وأفضت الأفعال إلى نتائج جنائية جسيمة، ويلفت إلى أن النيابة العامة، من خلال الأدلة التى تجمعت لديها من تحريات ومضبوطات مادية، تهدف إلى إعداد ملف إدانة متكامل يسد كافة الثغرات القانونية.
أما المستشار محمد أبو بكر، الخبير القانوني، فيرى أن بيانات النيابة العامة تعكس التزامًا أصيلًا بتطبيق القانون على الجميع دون استثناء، وأن تحركاتها تعنى الضرب بيد من حديد على كل الخارجين على القانون، وتأكيدًا على إرادة الدولة للتخلص من جميع الفاسدين وإقرار دولة القانون، موضحًا أن النيابة بصفتها الأمينة على الدعوى الجنائية تعمل على كشف شبكة المصالح والتمويلات التى مكنت المتهم من ممارسة أنشطته لسنوات، مشيرًا إلى أن التحقيقات المالية الجارية حاليًا حول أنشطة المتهم تهدف إلى تفكيك التشكيلات العصابية من جذورها، وأن تتبع الأموال المرتبطة بالأنشطة الإجرامية يعد ركيزة أساسية فى هذا الملف.
وأضاف «أبو بكر» أن النيابة ستعمل على مصادرة كافة الأصول التى ثبت أنها حصيلة لهذه الجرائم، وهو ما يمثل ضربة قاصمة لـ«كيان المتهم»، مشيرًا إلى أن إصرار النيابة على متابعة كل التفاصيل، من أجهزة التسجيل المفقودة إلى تفاصيل التعذيب، يعكس رؤية قانونية شاملة تهدف إلى إغلاق أى باب قد يلجأ إليه الدفاع للطعن فى صحة الإجراءات، مشددًا على أن الحق فى المحاكمة العادلة مكفول للمتهم، لكن هذا الحق لا يعنى الإفلات من العقاب عن جرائم تم توثيق أدلتها المادية بدقة، مما يعزز الثقة فى القضاء المصري.
وأشار إلى أن لائحة الاتهام الموجهة لصبرى نخنوخ هى حصيلة تحقيقات دقيقة وشاملة استندت إلى أدلة مادية ملموسة، موضحًا أن المتهم يقف الآن أمام استحقاق قضائى تاريخي، فاجتماع تهم البلطجة، والخطف، وحيازة الأسلحة المحرمة، والاتجار فى الآثار، يخلق حزمة عقابية من الصعب الهروب منها، مشيرًا إلى أن المحكمة المختصة، بناءً على أوراق القضية، ستكون أمام خيارات محدودة تتراوح بين السجن المشدد المؤبد أو عقوبة الإعدام.
«أبو بكر» قال إن ما شاهدناه على مدار الأيام الماضية، وما سوف يستتبع ذلك من ملاحقة جميع المتورطين فى هذه القضية، يؤكد أن سيادة القانون هى المرجعية الوحيدة.
وتبقى قضية «نخنوخ» حلقة جديدة فى سلسلة نجاحات وزارة الداخلية فى إسقاط وتفكيك جميع بؤر الإجرام والبلطجة والتصدى لها بكل حسم، قبل أن تتحول إلى ظواهر تهدد أمن واستقرار الوطن، من خلال توجيه الضربات الأمنية لكل البؤر الإجرامية مهما ازداد نفوذها أو جرائمها فى كل شبر على أرض مصر، وهو ما تؤكده يوميًا البيانات الصادرة عن «الداخلية» بأن أجهزتها الأمنية تواصل عملها لتحقيق الاستقرار وبث الطمأنينة بين المواطنين، بما يصب فى صالح الاقتصاد القومى ويشجع على جذب الاستثمارات فى كافة القطاعات والمناطق الصناعية بمختلف المحافظات.