لم تعد تنشأ الترندات التى تجتاح منصات التواصل الاجتماعى فى مصر من خلافات سياسية عابرة إلى مناكفات رياضية إلى جدل دينى أو فنى عادة بشكل عفوى بل يحمل بعضها ملامح تنسيق واضحة، ونمطاً متكرراً فى الصياغة وتوقيتاً متزامناً للنشر وموجات من التعليقات تتشابه فى اللغة والحدة بشكل يصعب تفسيره بالتلقائية وحدها، هذا النمط ليس افتراضًا نظريًا ففى أكتوبر 2020 كشفت «ميتا» «فيسبوك سابقًا» عن إزالة شبكة مكوّنة من 31 حسابًا و25 صفحة وحسابين على إنستجرام وصفتها الشركة بأنها مرتبطة بجماعة الإخوان الإرهابية، وكانت تُدار من مصر وتركيا والمغرب وتستهدف بمحتواها جمهورًا فى مصر وليبيا وتونس واليمن والصومال والسعودية، هذا المثال وهو الأبرز الموثّق رسميًا من منصة عالمية حتى الآن يكشف طبيعة الشبكات المرصودة، التى تكون أقرب إلى معارضة سياسية منظّمة تعمل من الخارج منها إلى عدو دولة أجنبية تقليدى، أما خارج هذا النطاق الموثّق فتبقى أغلب الادعاءات حول جهات بعينها تقف وراء تأجيج الانقسام والتطرف عبر التعليقات والتفاعلات المفتعلة سواء بدوافع سياسية أو تجارية أو غير معروفة المصدر فى حاجة إلى تدقيق وتوثيق مماثل قبل الجزم بها، وهو ما يحاول هذا التحليل مقاربته بعيدًا عن التعميم،
فمنصات التواصل الاجتماعى خرجت من كونها مجرد فضاء للنقاش إلى ساحة صراع معلوماتى معقد تتكاثر فيها حملات موجهة وأنماط تفاعل غير أصيل تستهدف نقاط الانقسام داخل المجتمع المصرى سياسيًا ودينيًا ورياضيًا وفنيًا، هذه الحملات لا تعتمد فقط على نشر محتوى مضلل بل تركز على تصعيد النبرة فى الردود والتعليقات، حيث يتحول الاختلاف إلى عداء والنقد إلى تخوين أو تكفير، فالخوارزميات التى تكافئ المحتوى العاطفى تسهم فى تضخيم هذه الأصوات سواء كانت ناتجة عن استقطاب محلى أو عن شبكات منسقة قد تمتد جذورها إلى خارج الحدود.
التحدى الأكبر أمام أى تغطية مهنية يكمن فى التمييز بين الغضب الحقيقى والحملات المصطنعة، فالظاهرة عالمية والأدلة الفنية الموثقة عن شبكات التأثير فى المنطقة متوفرة لكن ربطها المباشر بـأعداء الخارج يتطلب معايير دقيقة تتجاوز الانطباعات إلى تحليل الأنماط والشبكات، من هنا تبرز أهمية مقاربة الموضوع بعمق تقنى واجتماعى بعيدًا عن التهويل أو التبسيط. وعلى المستوى المحلي، فتحمل الأرقام الرسمية المصرية مؤشرات لافتة رغم غياب تحليل تقنى مستقل يرافقها، ففى 2017 أعلنت لجنة الاتصالات بمجلس النواب رصد نحو 53 ألف «إشاعة» خلال 60 يومًا فقط، ثم قالت وزارة الداخلية فى 2019 إن ما بين 4 و6 ملايين صفحة تنشر معلومات مضللة تستهدف المصريين - وهى أرقام رسمية معلنة.
ومن المتوقع أن تصل خسائر الاحتيال الإعلانى إلى 172 مليار دولار بحلول عام 2028 وفق تقرير Trafficguard منصة البرمجة المتخصصة فى منع الاحتيال الإعلانى وحركة المرور غير الصالحة، مع خسارة العلامات التجارية بين 15 إلى 25 فى المائة من ميزانياتها الإعلانية السنوية بسبب حركة المرور غير البشرية والنقرات الوهمية، وتقدر صناعة احتيال النقرات ما بين 60 و100 مليار دولار سنويا حسب «Fraud Blocker» أداة رقمية متخصصة فى الحماية والأمن الرقمى، وهى فى ارتفاع مستمر، وفى عام 2023 شكل الاحتيال نحو 22 فى المائة من إجمالى الإنفاق الإعلانى الرقمى عالميا وفقا لـ«ClickSambo Blog» المتخصصة فى الحماية من الاحتيال الإعلانى واكتشاف حركة المرور غير الصالحة، أما احتيال انتحال النطاق Domain Spoofing وحده فقد كلف المعلنين نحو 72 مليار دولار فى 2024 بحسب «ClickFortify» منصة متخصصة فى الحماية من الاحتيال الإعلانى.
وتشير تقديرات «ClickzProtect» أداة برمجية متخصصة فى حماية الحملات الإعلانية ومنع الاحتيال الإعلانى إلى أن مزارع النقرات مسئولة عن نحو 15-20 فى المائة من إجمالى الاحتيال الإعلانى عالميا من الحسابات الوهمية والتفاعل المصطنع.
ويقدر أن 4-5 فى المائة من المستخدمين النشطين شهريا على منصات «ميتا» حسابات وهمية وفق تقرير «Trafficguard»، كما أسهمت الإعلانات الاحتيالية فى نحو 10 فى المائة من إيرادات «ميتا» الإعلانية خلال عام 2024 بحسب المصدر نفسه فى تحليل شمل 118 مليار زيارة خلال 12 شهرا حتى أبريل 2026 رصد 156 مليار حالة حركة مرور غير صالحة بنسبة 13.19 فى المائة من الإجمالى بزيادة 4 نقاط مئوية عن العام السابق وفقا لتقرير «Cheq» منصة الأمن السيبرانى المتخصصة فى حماية التسويق الرقمى والعمليات التجارية من الاحتيال.
وأظهرت بيانات «Shno» المتخصصة فى التسويق الرقمى تراجع معدل التفاعل على إنستجرام من 2.94 فى المائة فى يناير 2024 إلى 0.61 فى المائة فى يناير 2025، بينما انخفض على منصة إكس -تويتر سابقا- إلى 012 فى المائة واستقر على فيسبوك عند 015 فى المائة أما تيك توك فقد شهد تراجعا من 514 فى المائة إلى 456 فى المائة فى الفترة ذاتها، كما انخفضت التعليقات لكل منشور بنسبة 24 فى المائة على تيك توك و16 فى المائة على إنستجرام مما يعكس تحولا نحو التفاعل السلبى والمشاهدة دون تعليق، بالمقابل تجاوزت مشاهدات الريلز على إنستجرام وفيسبوك مجتمعين 140 مليار مشاهدة يوميا وفق «Shno» مما يخلق بيئة مثالية لازدهار مزارع التفاعل رغم انخفاض المعدلات النسبية للتفاعل الحقيقى استدراج الغضب الشكل الأبرز.
وفى المقابل، قدّم مثالاً أحدث نسبيًا صورة مغايرة تمامًا للمصدر، ففى 2024 رصدت منصات إعلامية مستقلة حملات هاشتاجات منسّقة استهدفت اللاجئين السوريين والسودانيين على منصة إكس، عبر وسوم مثل «#ارجع_يازول_سودانك» و«#ترحيل_السوريين_واجب_وطنى»، وخلصت إلى أن الحملة جمعت بين حسابات حقيقية وأخرى وهمية عملت معًا على تضخيم انتشار الوسوم - وهى، خلافًا للحالتين السابقتين، حملة نشأت وتحركت بالكامل من الداخل المصرى، لا من الخارج.
ويعتمد صنع الترند المفتعل على بنية هرمية من ثلاث طبقات غالبًا، طبقة البذر وتضم عددًا محدودًا من الحسابات البشرية أو شبه آلية تطلق الوسم أو المحتوى الأساسى فى توقيت متقارب، طبقة التضخيم وتشمل شبكات بوتات أو حسابات وهمية «Sock Puppets» مهمتها إعادة النشر والتعليق والإعجاب لدفع المحتوى داخل الخوارزمية، وطبقة الغطاء وهى حسابات تبدو محلية وأصيلة تمامًا بصور شخصية حقيقية الشكل ولهجة عامية وظيفتها إعطاء الحملة مصداقية أمام المستخدم العادى، والحسابات الوهمية غالبًا ما تُدار عبر لوحات تحكم مركزية «Bot Farms» تتيح لعدد قليل من المشغّلين التحكم فى مئات أو آلاف الحسابات دفعة واحدة.
من جانبها قالت إنجى الطوخى، الرئيس التنفيذى للجمعية المصرية للفنانين والأدباء إن وسائل التواصل الاجتماعى صارت تموج بالتريندات المختلفة سواء اجتماعية أو رياضية أو سياسية وإن كان بعضها حقيقيا ينبع من اهتمام جاد لدى المواطن مرتاد السوشيال ميديا، إلا أنه أحيانا بعض هذه التريندات لا يكون محركها الأوحد هو الانفعال بها فقط بل يكون هناك من يحركها لأغراض أخرى، وأضافت «الطوخى» لـ «المصور» أن أول وأهم غرض هو جمع الأرباح، فبعض التريندات قد تبدأ بشكل عفوى تماما، ولكن بعض الشركات أو حتى أصحاب الأعمال التجارية يجدون فيها مسارا لتنشيط أنشطتهم التجارية.
مثال على ذلك بحسب «إنجى» بعض التريندات الخاصة بأنواع من الطعام أو مستحضرات التجميل، فتستغلها الشركات لزيادة مبيعات منتجاتها من خلال تخصيص لجان إلكترونية تركز على إعادة نشر المحتوى أكثر من مرة وأحيانا تلك الشركات تلجأ إلى شركات تسويق متخصصة بهدف معرفة الطرق المناسبة للمشاركة فى التريند وإعادة إنتاجه، وشرحت «إنجى»: هنا لا يتم الاعتماد على خوارزميات الفيسبوك فقط أو غيرها من وسائل السوشيال ميديا، بل قد يتم الاعتماد على لجان إلكترونية متخصصة.
ولكن بعض التريندات لا تكون تجارية فقط وفق «إنجى» بل بعضها يكون هدفه سياسيا من خلال إثارة الفتن السياسية مثل ما حدث خلال كأس العالم، حيث استغل المباريات بين الدول المشاركة فى إثارة الفتن بين شعوب تلك الدول من خلال تريندات السوشيال ميديا والتى ظهرت بقوة بعد وصول مصر إلى دور الـ16 والمغرب لدور الثمانية، وبدأت الصراعات على السوشيال ميديا بشكل مبالغ فيه وغير منطقى حتى صارت «تريند»، مما جعل البعض يشك بوجود لجان تحرك وتؤجج ذلك التريند والهدف هو إثارة الفتنة بين البلدين رغم أن كلا البلدين لم يلعبا سويا خلال البطولة والعلاقات السياسية بينهما جيدة جدا، وفى النهاية بحسب «إنجى» فإن صناعة التريند ليست كلها ذات ضرر، فهناك تريندات يقف وراءها لجان إلكترونية تسهم فى تنشيط الحركة التجارية، فهنا الاستفادة تعود على المجتمع ككل، ولكن الخطر الحقيقى يتمثل فى صناعة التريندات التى تهدف إلى إثارة الفتن السياسية والطائفية ليس فقط بين أبناء الشعب الواحد بل بين الدول وبعضها البعض وخصوصا بين الدول العربية والمستفيد معروف.
وقال أحمد البندارى، استشارى متخصص فى التسويق الرقمى إن أخطر مغالطة شائعة فى النقاش العام حول التطرف الرقمى هى النظر إلى منصات التواصل الاجتماعى باعتبارها «ساحة محايدة» تنشط فيها أطراف خارجية فقط، بينما الحقيقة أن نموذج العمل الاقتصادى لهذه المنصات نفسه يكافئ الاستقطاب بشكل بنيوى، وليس عرضيًا، فالخوارزميات، بحسب «أحمد»، لا تُصمَّم لعرض «الأصح» أو «الأكثر توازنًا»، بل لتعظيم «وقت البقاء» و«معدل التفاعل»، والمحتوى الذى يثير الغضب أو الانقسام أو التعصب يحقق هذين الهدفين بكفاءة أعلى بكثير من المحتوى المتوازن أو الهادئ، النتيجة كما يصفها، أن المنصة تتحول من وسيط محايد إلى طرف مستفيد ماليًا من استمرار حالة الاحتقان، لأن كل دقيقة إضافية يقضيها المستخدم فى التفاعل الغاضب تعنى عرض إعلانات أكثر وإيرادات أعلى - بصرف النظر عن مصدر هذا الغضب أو نيته.
ويرى «أحمد» أن الإجابة تتطلب التفرقة بين «وجود السياسة» و«إنفاذها»، فمعظم المنصات الكبرى - فيسبوك وإنستجرام وإكس وتيك توك - لديها بالفعل سياسات معلنة ضد «السلوك المنسق غير الأصيل» وأصدرت عبر السنوات تقارير عن إزالة شبكات من هذا النوع، لكن المشكلة - كما يوضح - تكمن فى ثلاث نقاط أولًا أن الإنفاذ رد فعل غالبًا وليس استباقيًا، بمعنى أن الشبكة تُكتشف وتُزال بعد أن تكون قد حققت انتشارها وأثرها، ثانيًا أن معايير الإنفاذ تتفاوت جغرافيًا وسياسيًا بشكل ملحوظ - فبعض اللغات والمناطق تحظى بموارد إشراف بشرى وآلى أكبر من غيرها، ما يخلق فجوة حقيقية فى العدالة بين المستخدمين حول العالم، ثالثًا أن الشبكات المتطورة تتعلم من كل عملية إزالة سابقة وتُطوّر أساليب نفاذٍ جديدة، ما يجعل المعركة غير متكافئة بطبيعتها بين المنصة والفاعلين الخبيثين.
وأكد أن وضع شفافية البيانات الحالى غير كافٍ بشكل صارخ» مقارنة بحجم المشكلة، فرغم وجود أدوات مثل «مكتبة الإعلانات» فى ميتا، أو واجهات برمجية محدودة (API) أتاحتها بعض المنصات للباحثين، فإن الوصول الحقيقى إلى بيانات التفاعل التفصيلية - كأنماط النشر الزمنية، أو خرائط الشبكات بين الحسابات، أو بيانات الملكية الحقيقية - يبقى حكرًا شبه كامل على فرق داخلية فى المنصات نفسها، ولفت إلى زيادة هذه الفجوة اتساعًا، بعد أن قيّدت بعض المنصات مؤخرًا وصول الباحثين المستقلين إلى واجهاتها البرمجية لدواعٍ تجارية أو تنظيمية، وهو ما يجعل الصحفيين والباحثين العرب تحديدًا يعتمدون فى الغالب على أدلة سلوكية وظرفية بدل الأدلة الفنية القاطعة - وهى فجوة تفسر كثيرًا من الادعاءات غير الموثقة التى تنتشر حول «من يقف وراء» حملة بعينها.
وعن تجار التفاعل المدفوع يعتبر «أحمد» أنه من أخطر الجوانب المسكوت عنها فى النقاش العام، لأنه يقدّم تفسيرًا «غير أيديولوجى» لجزء كبير من الترندات المفتعلة، بعيدًا عن سرديات «العدو الخارجى» وحدها فهناك سوق قائمة وموازية تمامًا لسوق الإعلانات الرسمية، تُدار عبر مجموعات مغلقة وقنوات تواصل خاصة، تُباع فيها خدمات «تفعيل الترند» و«شراء التفاعل» و«مزارع التعليقات» كسلعة تجارية بحتة - قد تُشترى من قِبل حزب سياسى، أو شركة، أو نجم فني، أو حتى فرد يريد «الشهرة السريعة»، دون أى علاقة بأجندة دولة أو تنظيم، ويشير إلى أن هذا «الاقتصاد الخفى» غالبًا ما يُختلط عمدًا أو عن غير قصد مع عمليات التأثير السياسى المنظمة، ما يصعّب على المراقب العادى التمييز بين تريند تجارى بحت وتريند ذى دلالة سياسية أو أمنية.