حالة متباينة بين التفاوض والتصعيد والتهديد بالتدخل العسكري، بين الجانبين الأمريكي والإيراني، مستمرة منذ الوقف المؤقت لإطلاق النار في أبريل الماضي، فمع أنباء التوصل لاتفاق تفاهم يقضي برفع الحصار البحري عن إيران وفتح مضيق هرمز والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، يأتي البرنامج النووي والتصعيد الأمريكي والضربات المتبادلة بين الجانبين لتؤجل التوصل لاتفاق ثنائي، في ظل استمرار المفاوضات.
وأكد سياسيون أن التصعيد العسكري المستمر بين الطرفين لم يوقف المحادثات الدبلوماسية للتوصل لاتفاق تفاهم، إلا أن كلا الطرفين، يحاول أن يحقق أكبر قدر من المكاسب، إذ تحاول الولايات المتحدة الضغط على النظام في طهران لدفعه إلى تقديم تنازلات، إلا أن الجانب الإيراني يمتلك أوراق ضغط لا يريد التنازل عنها.
موقف أمريكي لا يميل للحرب
قال الدكتور إكرام بدر الدين، أستاذ العلوم السياسية، إن هناك محاولات كانت تُبذل للتوصل إلى مذكرة تفاهم بين الجانبين الأمريكي والإيراني، خلال الأيام الماضية، للتفاهم بشأن بعض القضايا الخلافية ومن بينها الإفراج عن الأموال المجمدة والبرنامج النووي الإيراني، إلا أن هذه الجهود لم تصل بعد إلى نهايتها بشكل كامل، ورغم ذلك، شهدت الساعات الأخيرة بعض التطورات الإيجابية.
وأوضح بدر الدين، في تصريح لبوابة دار الهلال، أن إيران تربط بين وقف القتال مع الولايات المتحدة وبين وقف العمليات العسكرية في جميع الجبهات، أي لبنان بالدرجة الأولى، إلى جانب غزة وغيرها من الساحات، مضيفا أنه يبدو أن هناك نوعاً من الاختراق قد تحقق في هذا السياق؛ إذ كانت هناك نية لدى إسرائيل لتنفيذ هجوم يستهدف بيروت والضاحية الجنوبية، إلا أن الأمر توقف خلال الساعات الماضية.
وأكد أن ذلك يعود إلى التحذيرات الإيرانية التي أكدت أنه في حال استمرار مثل هذه الهجمات، فإنها سترد باستهداف مناطق داخل إسرائيل، كما ستوسع نطاق المواجهة ليشمل مضيق باب المندب، فضلاً عن منع مرور السفن عبر مضيق هرمز، ويبدو أن هذه التهديدات شكلت عامل ضغط إضافياً، الأمر الذي دفع الولايات المتحدة، إلى ممارسة ضغوط على إسرائيل من أجل وقف أي هجوم محتمل على بيروت.
وأشار إلى أنه يمكن اعتبار هذا التطور مؤشراً إيجابياً قد يمهد لمزيد من الخطوات الإيجابية خلال الفترة المقبلة، مؤكدا أن استئناف التصعيد لا يصب في مصلحة أي من الأطراف المعنية، والولايات المتحدة بدورها لا تبدو راغبة في العودة إلى مرحلة الحرب الشاملة.
وأكد أن هذه المعطيات مجتمعة تدفع إلى الاعتقاد بوجود مؤشرات إيجابية قد تظهر خلال المرحلة المقبلة للتوصل للاتفاق، مشددا على أنه في ظل تمسك كل طرف بموقفه وشروطه يبرز دور الوسطاء والدول التي تبذل جهوداً دبلوماسية مكثفة لتقريب وجهات النظر بين الأطراف المختلفة، وقد يتمثل دور هؤلاء الوسطاء في دفع الجانبين الأمريكي والإيراني إلى إظهار قدر أكبر من المرونة، بحيث يقدم كل طرف بعض التنازلات أو يمنح الطرف الآخر بعض المكاسب.
وأشار إلى أن الهدف من ذلك هو الوصول إلى صيغة تتيح لكل طرف أن يشعر بأنه حقق مكسباً معيناً، من دون أن يبدو أي طرف وكأنه تعرض لهزيمة ساحقة، وهذا الدور الأساسي الذي ينبغي أن يضطلع به الوسطاء، وربما يمكن إحراز تقدم حقيقي في هذا الاتجاه خلال الفترة المقبلة.
إيران تمتلك أوراق قوة
ومن جانبه، قال الدكتور مختار غباشي، الأمين العام لمركز الفارابي للدراسات السياسية والاستراتيجية، إن الولايات المتحدة الأمريكية تمتلك مجموعة من الأهداف في حرب إيران، لم تتمكن من تحقيقها عبر المسار العسكري، وتسعى الآن إلى تحقيقها من خلال مسار التفاوض، في المقابل، يمتلك الجانب الإيراني مجموعة من أوراق القوة التي اكتسبت أهمية أكبر خلال المرحلة الأخيرة، وهو متمسك بها ولا يرغب في التخلي عنها أو تقديمها للولايات المتحدة دون مقابل، وهنا تكمن الفجوة الأساسية بين الطرفين.
وأوضح "غباشي"، في تصريح لبوابة "دار الهلال"، أنه من أبرز هذه الأوراق مضيق هرمز، الذي تنظر إليه إيران باعتباره ورقة استراتيجية اكتسبت بعداً جديداً، وأصبح موقعه وأهميته مختلفين تماماً عما كانا عليه قبل الحرب، ومن ثم، فإن الولايات المتحدة مطالبة بأخذ هذه المعطيات الجديدة في الاعتبار والتعامل معها.
وأكد أن الأمر الثاني يتعلق بالأرصدة المالية المفرج عنها، وآلية إدارتها، إضافة إلى قضية التعويضات عن الأضرار الناجمة عن الحرب، موضحا أن الولايات المتحدة عالجت هذا الملف من خلال طرح تحدثت عنه بعض وسائل الإعلام الأمريكية، يتمثل في إنشاء صندوق استثماري تتراوح قيمته بين 300 مليار دولار وتريليون دولار، تساهم فيه الولايات المتحدة إلى جانب عدد من الدول الأخرى، بحيث يُستخدم لتعويض إيران عن الأضرار التي لحقت بها، بدلاً من الدخول في نقاش مباشر حول التعويضات التقليدية، وبهذه الطريقة تكون واشنطن قد حافظت على مكانتها السياسية وتجنبت الإقرار المباشر بمسؤولية التعويض.
وأشار إلى أن التطور الثالث، يرتبط بمبدأ "وحدة الساحات"، إذ أعلن مقر خاتم الأنبياء بإيران، بالأمس أن أي هجوم إسرائيلي على الضاحية الجنوبية في بيروت سيقابله رد إيراني مباشر يستهدف شمال إسرائيل، وعلى ضوء هذا الموقف، قيل إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أجرى اتصالاً مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وُصف بأنه كان اتصالاً حاداً، طالبه خلاله بعدم اجتياح بيروت أو توجيه ضربة إلى الضاحية الجنوبية.
وشدد على أنه بذلك أصبحت معادلة "وحدة الساحات" تمثل تحدياً أمريكياً وإسرائيلياً، كما أن معادلة مضيق هرمز تمثل تحدياً آخر، وكذلك ملف الأرصدة والتعويضات، مضيفا أنه في المقابل أُرجئ البرنامج النووي الإيراني، إلى مرحلة لاحقة، وأن الولايات المتحدة قدمت لإيران إجابة أو تصوراً بشأنه في الوقت الراهن.
وأكد أن هذه هي الفجوات الأساسية، فالولايات المتحدة تحاول تقليصها وتضييق نطاقها، بينما يتمسك الجانب الإيراني بها باعتبارها أوراق قوة مهمة، وفي الوقت ذاته، فإن عامل الزمن يصب بصورة كاملة في مصلحة إيران، مضيفا أنه في ضوء ذلك الكفة تميل بوضوح إلى مصلحة إيران، والتي تمكنت من حسم الجزء الأكبر من هذا الصراع لصالحها، خاصة أن دخول الولايات المتحدة في مواجهة عسكرية جديدة، خيار لا يمكن التنبؤ بعواقبه، كما أن حساباته معقدة للغاية بالنسبة لصناع القرار الأمريكي.
ولفت إلى أن الولايات المتحدة تواجه جملة من الضغوط الداخلية، فمن جهة، تقترب استحقاقات دولية مهمة، مثل بطولة كأس العالم المرتقب انطلاقها خلال أيام الشهر الجاري، وأي إخفاق في إدارتها أو تأثرها بالأوضاع الأمنية قد يمثل إحراجاً كبيراً لواشنطن، مشيرا إلى أنه يواجه الرئيس ترامب انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، وقد تؤدي الحرب إلى خسارة الحزب الجمهوري أغلبيته في مجلسي الشيوخ والنواب.
وأوضح أن ترامب يواجه ضغوطاً اقتصادية داخلية، من بينها ارتفاع أسعار الوقود، حيث ارتفع سعر جالون البنزين من نحو 2.98 دولار إلى ما يقارب 4.5 دولارات، وهو أمر يثير استياءً واسعاً داخل الولايات المتحدة، مشيرا إلى أن إيران اعتادت التعايش مع العقوبات والضغوط الاقتصادية والحصار، وبالتالي فإنها لا تنظر إلى هذه التحديات بالطريقة نفسها التي تنظر بها الولايات المتحدة إلى ضغوطها الداخلية.
وأكد أنه يبدو أن احتمال اللجوء إلى عمل عسكري واسع النطاق أصبح أبعد من السابق، أما الاحتمال الأكثر ترجيحاً حالياً، فهو استمرار المناورة السياسية والدبلوماسية بين خيار الاتفاق وخيار تقريب وجهات النظر، عبر جهود الوسطاء والأطراف الإقليمية والدولية، إضافة إلى التحركات الإيرانية المباشرة، موضحا أن الولايات المتحدة تواجه ما يمكن وصفه بـ"ضغط الزمن"، فالوقت لا يعمل لصالحها، في ظل الضغوط الاقتصادية الداخلية، والاستحقاقات السياسية المقبلة، والتحديات الدولية والإقليمية المتزايدة.
وأضاف أن واشنطن لم تحقق الأهداف التي كانت تطمح إلى تحقيقها من خلال الحرب، وهو ما وضع الإدارة الأمريكية في موقف معقد، كما وضع إسرائيل في وضع مشابه، حيث حاولت إسرائيل التعامل مع الساحة اللبنانية باعتبارها الحلقة الأضعف في هذه المعادلة، إلا أن الدخول الإيراني المباشر والواضح على خط الأزمة، من خلال التأكيد على أن استهداف الضاحية الجنوبية سيقابله استهداف لشمال إسرائيل، أدى إلى خلق معادلة جديدة في إدارة الصراع، وجعل الساحة اللبنانية في صدارة المشهد الحالي.