لا تبدو الأرقام التي أعلنها وزير المالية أحمد كجوك بشأن موازنة العام المالي 2026/2027 مجرد بنود حسابية عابرة داخل وثيقة مالية حكومية، بل تحمل في طياتها رسائل سياسية وتنموية تتجاوز لغة الجداول والنسب المئوية.
فحين تتجه الدولة إلى زيادة مخصصات الصحة بنسبة 30% والتعليم بنسبة 20%، في وقت ترتفع فيه المصروفات العامة بمعدل أقل يبلغ 13.5%، فإن ذلك يعكس محاولة واضحة لمنح القطاعين أولوية نسبية داخل خريطة الإنفاق العام.
الانطباع الأول الذي تتركه هذه الأرقام هو أن الحكومة تدرك أن معركة التنمية لم تعد تُقاس فقط بحجم المشروعات أو معدلات النمو الاقتصادي، بل بمدى انعكاس الإنفاق العام على حياة المواطنين اليومية. فالصحة والتعليم يظلان المؤشرين الأكثر حساسية لدى المواطن العادي، والأكثر قدرة على تشكيل صورة الدولة في وعي المجتمع. لذلك فإن تخصيص عشرات المليارات الإضافية لهذين القطاعين يوحي بوجود توجه نحو تعزيز الخدمات الأساسية التي تمس حياة الأسر المصرية بشكل مباشر.
وفي قطاع الصحة على وجه الخصوص، تبدو الزيادة المعلنة لافتة للنظر. فتخصيص 47.5 مليار جنيه للعلاج على نفقة الدولة ودعم التأمين الصحي والأدوية، مع نمو سنوي يصل إلى 69%، يعكس إدراكًا لحجم الضغوط التي تواجه المنظومة الصحية. كما أن التوسع في تطبيق التأمين الصحي الشامل بمحافظة المنيا يحمل دلالة مهمة، إذ يشير إلى استمرار الرهان على مشروع إصلاحي طويل الأمد يستهدف نقل الخدمة الصحية من منطق الدعم الجزئي إلى مفهوم التغطية الشاملة للأسرة المصرية.
أما تخصيص 90.5 مليار جنيه لـهيئة الشراء الموحد، فيوحي بأن الدولة لا تركز فقط على تمويل الخدمات الصحية، بل تحاول كذلك معالجة أحد التحديات المرتبطة بتوفير الدواء والمستلزمات الطبية. فالمشكلة في كثير من الأحيان لا تتعلق بحجم المخصصات بقدر ما ترتبط بقدرة المؤسسات على ضمان توافر الخدمة بصورة منتظمة وفعالة.
وفي قطاع التعليم، تبدو الرسالة مختلفة بعض الشيء. فتخصيص 7.8 مليار جنيه لطباعة الكتب الدراسية وتطوير مخصصات الصيانة قد لا يبدو رقمًا ضخمًا مقارنة بحجم التحديات التي تواجه المنظومة التعليمية، لكنه يعكس اهتمامًا بالجوانب التشغيلية التي تؤثر بصورة مباشرة على العملية التعليمية. كما أن الحديث عن توجيه المزيد من الاستثمارات الحكومية إلى تطوير البنية التحتية للمدارس والمؤسسات التعليمية يفتح الباب أمام تحسين البيئة التي يتلقى فيها الطلاب تعليمهم.
ومع ذلك، فإن قراءة هذه المؤشرات لا يمكن أن تنفصل عن سؤال جوهري يتعلق بمدى قدرة هذه الزيادات على إحداث أثر ملموس يشعر به المواطن. فالتجارب السابقة تؤكد أن ارتفاع المخصصات المالية لا يترجم تلقائيًا إلى تحسن في جودة الخدمات، إذ تبقى كفاءة الإدارة، وحسن توزيع الموارد، وآليات الرقابة والمتابعة عوامل حاسمة في تحويل الأرقام المعلنة إلى نتائج حقيقية على الأرض.
ومن هنا، يمكن القول إن أهمية هذه الموازنة لا تكمن فقط في حجم الأموال التي تم تخصيصها، بل في الرسالة التي تحملها بشأن ترتيب الأولويات الحكومية. فالمؤشرات المعلنة تعكس توجهًا نحو تعزيز الإنفاق الاجتماعي والاستثمار في الإنسان، وهو توجه يحظى بأهمية خاصة في ظل التحديات الاقتصادية والضغوط المعيشية التي تواجهها الأسر.
لتترك تصريحات وزير المالية انطباعًا بأن الدولة تحاول إعادة توجيه جزء أكبر من مواردها نحو القطاعات الأكثر ارتباطًا بجودة الحياة. غير أن النجاح الحقيقي لن يُقاس بحجم الزيادات المعلنة أو نسب النمو المسجلة، بل بمدى قدرة المواطن على ملاحظة تحسن فعلي في المستشفى الذي يتلقى فيه العلاج، والمدرسة التي يتعلم فيها أبناؤه، والخدمة العامة التي يتعامل معها كل يوم.