لماذا اخترت فيلم «زهايمر» للمؤلف نادر صلاح الدين لتقديمه الآن إلى جمهورك؟
- سيناريو فيلم «زهايمر» موجود عندى منذ ثلاث سنوات، وعندما سمحت الظروف قرأته، فأعجبتنى الفكرة؛ فقررت أن أقدمه.
أليست مغامرة أن تختار فيلمًا لمؤلف لم يعمل معك من قبل وهو نادر صلاح الدين؟
- الإبداع لا تصلح معه المغامرة، وقد شاهدت لهذا الكاتب بعض أفلامه، وعجبتنى مثل «جعلتنى مجرما» لأحمد حلمى، و«اللى بالى بالك» لمحمد سعد.
وماذا عرفت عن الزهايمر كمرض؟ وهل استعنت فى معرفته بالأطباء أم بالكتب الطبية والعلمية؟
- الزهايمر مرض خطير يعنى إتلاف الذاكرة، واسمه «آل زهايمر» وهو الطبيب الذى سُمى المرض باسمه، واخترنا للفيلم الاسم الدارج وهو «زهايمر».
وقد قرأت عن هذا المرض كثيرًا، وعرفت عنه الكثير من المعلومات من بعض أطباء المخ والأعصاب، واستندت إلى بعض الأبحاث والنشرات العلمية، كما ذهبت إلى إحدى المصحات الخاصة بهذا المرض، وعرفت الكثير من سمات هذا الداء اللعين، وقد أصاب هذا المرض بعض مشاهير السياسة والفن فى العالم، مثل: رونالد ريجان وجاكلين كيندى وريتا هيوارث.
شخصية محمود شعيب التى تجسدها فى «زهايمر» شخصية صعبة تحتاج إلى قدرة تمثيلية هائلة وقدرة انفعالية لسببين -كما قال نادر صلاح الدين مؤلف الفيلم- طبيعة الشخصية، وأن الفيلم يتم تصويره بطريقة التتابع؟
- الشخصية فعلاً صعبة، لأنها تعتمد على المشاعر والأحاسيس التى تربط الأب بأسرته وصديقه. والتعبير عن هذه المشاعر يحتاج إلى مجهود وانفعالات متفاوتة.. أما مسألة «التتابع»، فتعنى أن المشاهد السينمائية يتم تصويرها بطريقة التتابع أى بالترتيب 1، 2، 3، 4 وهكذا. وهذه الطريقة تحتاج إلى جهد أكبر وتركيز شديد.
وقد يفهم البعض أن الفيلم يناقش المرض، لا.. إنه لا يناقش مجرد المرض، ولكنه يناقش بعض القضايا الاجتماعية الموجودة فى الأسرة مثل الطمع والجشع.
سعيد صالح رفيق دربك فى الفن والحياة.. هل لهذا السبب اخترته صديقًا لك فى الفيلم؟
- على الرغم من أن دور سعيد صالح فى الفيلم عبارة عن مشهد واحد، فإننى تمسكت بأن يقدم هذا المشهد، وبالطبع قدمه باحترافية شديدة، وأعتقد أن الصداقة التى ربطت بيننا فى الحياة ظهرت بوضوح من خلال علاقتنا فى الفيلم، وهذه العلاقة ظهرت أيضا بيننا من خلال فيلمى «سلام يا صاحبى» و«المشبوه».
قصة هذا المشهد؟
المشهد الذى يبكى.. وخلاصته أننى عندما بدأت أشك فى إصابتى بالزهايمر ذهبت إليه كى أشكو حالى، وأطلب منه أن ينقذنى مما أنا فيه، لأن أولادى يريدون الحجر على ثروتى بحجة أنى مريض بالزهايمر، ويرفضون خروجى من البيت، وعندما ذهبت إلى صديقى سعيد صالح فإذا به مريض بالزهايمر هو الآخر، وعندما بدأت أتحدث معه فوجئت أنه يتبول على نفسه، وإذا بشخص يصرخ، ويقول: «إزاى المريض ده لم يرتدى البامبرز؟!» فتصعب علىّ نفسى ويصعب علىّ صديقى، فأبكى بكاءً مرًا على حالى وحال صديقى! سعيد صالح كان سعيدًا بهذا المشهد وبالصداقة التى جمعت بيننا.
هل من الممكن أن يتمنى الإنسان أن يصاب بالمرض حتى لو كان الزهايمر؟
- نعم.. عندما يفقد الإنسان الثقة فى أقرب الناس إليه وهو أولاده، يتمنى أن يُصاب بالزهايمر، خاصة عندما يعرف أن أولاده قرروا الحجر عليه من أجل أن يستولوا على ثروته، وهذا ما حدث مع شخصية «محمود شعيب» التى أجسدها فى الفيلم.
الكثير من المثقفين يقولون إن الإنسان العربى لديه «زهايمر» فى التاريخ.. ألم يقلقك هذا ويدفعك إلى كتابة قصة حياتك خاصة وأنت شاهد على عصر كامل من فوق خشبة المسرح؟
رجاء النقاش -الله يرحمه- كان هناك شبه اتفاق بيننا أن يكتب قصة حياتى، ورحبت بالفكرة خاصة بعد أن قرأت له قصة حياة نجيب محفوظ بروعة أسلوبه وجمال تعبيره فى كتاب «فى حب نجيب محفوظ»، وتشعر وأنت تقرأ الكتاب بعذوبة ورشاقة أسلوب النقاش، وكأن نجيب محفوظ هو الذى يتكلم ، وكانت هذه إحدى سمات رجاء النقاش.
- أيضا رامى إمام طلب منى أن يصورنى ويسجل قصة حياتى، وصعوبة هذا المشوار أنه مليء بالأحداث الساخنة، وأنا من الفنانين الذين حُكم عليهم بالسجن ثلاثة أشهر بسبب جملة فى مسرحية «شاهد ما شافش حاجة» حين قلت لممثل عضو الميمنة فى مشهد المحكمة: «مستر بيجن بيعوق مسيرة السلام»، هكذا كان تفكير الرقابة فى عصر السادات، أما وفى عصر مبارك حقا، فيتم إنصاف الفنان المصرى، وقدمت ولا أزال الكثير من الأفلام والمسرحيات الجريئة، ولولا الرئيس مبارك ما ظهرت إلى النور أعمال مثل مسرحية «الزعيم» وأفلام «الإرهابي» و«الإرهاب والكباب» و«المنسي» و«طيور الظلام» و«حسن ومرقص» وغيرها.
هل يتضمن فيلم «زهايمر» أية إسقاطات سياسية؟
كل أفلامى سوف تجد فيها إسقاطات سياسية بشكل أو بآخر، حتى «كراكون فى الشارع» وهو فيلم كوميدى، لكنه يتضمن إسقاطات سياسية، وفى «زهايمر» يناقش الفيلم قضية الطمع والجشع الذى تسبب فى شرخ الأسرة بين الأب وأولاده.
كلمة «زهايمر» تعنى فقدان الذاكرة التدريجى، ترى هل أصاب الزهايمر الذاكرة الوطنية للمصريين؟
للأسف صرنا ننسى الأبطال والنجوم ونهيل التراب على الرموز، فيه مثل عندنا بيقول «اللى يجد بيهد»!
وللأسف الشديد، المجتمع المصرى أصبح الآن بعيدًا عن القيم والمبادئ الأصيلة المتوارثة، وحل محلها الجشع والنفاق والكذب وإثارة الرأى العام وإشعال نار الفتنة، فى بلد يحسده العالم على أنه بلد الأمن والأمان والحرية والديمقراطية التى نتمتع بها فى مصر.
الحرية المقصودة فى بلدنا هى الحرية المسئولة، وليست الفوضى والإرهاب والتخريب وتشويه صورة رموزنا ووأد كل شيء جميل من أجل أغراض رخيصة؟
كيف لا نحترم رموزنا والعالم كله يحترم هذه الرموز ويقدرها؟!
حينما تُوفى جمال عبدالناصر، وبعد شهر من رحيله أخذت الصحف تهاجمه وتحصى أخطاءه! الشيء نفسه حدث مع السادات لولا الرئيس مبارك الذى نادى بضرورة الحفاظ على رموزنا من الرؤساء، وحافظ الرئيس مبارك على تاريخ زعمائنا كلهم، مثلما حافظ على مصر.
حتى المسلسلات التى تقدم عن بعض رموز الفن الكبار أمثال عبدالحليم حافظ وسعاد حسنى قُدمت بنوع من الاستسهال على الرغم من أن هؤلاء النجوم يحتاجون إلى جهد فنى ضخم يتناسب والعطاء الذى قدموه للفن والثقافة فى مصر والوطن العربى.
وهل أُصيبت أمتنا العربية بالزهايمر؟
لا، ولكنها أُصيبت بالحمى، ونتمنى أن تُشفى منها لتعود إليها قوتها وهيبتها ومكانتها.
أين يقف عادل إمام من مشواره الفنى: هل أنت فى منطقة المراجعة والتقييم أم منطقة اللاعودة؟
أنا فى المرحلة الأولى، الفنان المسئول دائمًا هو فى حالة مراجعة وتقييم لأعماله ومشواره الفنى، ودائمًا يسأل نفسه: هل ما قدمه من فن يفيد المجتمع؟ هل له تأثير إيجابى على الناس؟
على العموم أنا بشتغل وكل هموم بلدى فوق أكتافى، وأحاول من خلال أعمالى أن أطرح مشاكل المجتمع السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية.
ولأول مرة تشاهد فى مصر، ومنذ قيام الثورة وحتى عصر مبارك، أن من حق أى مواطن مصرى أن يرشح نفسه لرئاسة الجمهورية، وعلى العموم هذه الخطوة المهمة هى البداية، وحتما سوف تعقبها خطوات أخرى قادمة.. فمصر اختارت الحرية والديمقراطية طريقة وهدفًا لا تحيد عنه.
قلت إنك تشتغل وكل هموم وطنك وأمتك فوق أكتافك.. كيف؟
فى بداية الثمانينيات، عندما بدأ الارهابيون يضربون أمن واستقرار مصر، سألتنى عائشة صالح فى حوار مع «المصوّر»: ماذا أنت فاعل تجاه الإرهاب الذى بدأ يضرب مصر؟ فقلت لها: أفكر بشكل جاد أن أذهب إلى أسيوط لأعرض مسرحيتى هناك فى مواجهة أصحاب الجنازير من الإرهابيين الذى حرموا الفن هناك، بعدها كلمنى الأستاذ مكرم محمد أحمد، وسألنى السؤال نفسه، وقلت له: نعم سوف أذهب إلى أسيوط، وهو نفسه كان قد تعرض لمحاولة اغتيال من الإرهابيين الذين حاولوا اغتياله داخل سيارته، ثم كلمنى الوزير زكى بدر، وسألنى: هل ستذهب إلى أسيوط؟ فقلت له: سوف أذهب إلى أسيوط، وبالفعل ذهبت إلى هناك، وعرضت مسرحيتى «الواد سيد الشغال» هناك، وفتحت محلات القصب التى كان قد أغلقها الإرهابيون بسبب أغانى الكاسيت، وتزينت أسيوط بالفرح والأمان، وخرج الأطفال فى الشوارع فرحين وكأنهم فى العيد.
فى هذه الأوقات شاهدت فى المنزل الذى كنت أقيم فيه سيدات ينزلن بقمصان النوم ومعهن أطفالهن وهن يصرخن خوفًا على حياتهن من أن يكون الإرهابيون قد وضعوا متفجرات فى الشبابيك أو البيوت.
وعندما بدأت الجماعات الإسلامية المتطرفة تغتال رموز الوطن وتثير الذعر فى قلوب الشعب الآمن، قدمت فيلم «الإرهابي»، الذى فضح أفكارهم وكشف عن مخططاتهم، ولم أخشَ تهديداتهم.
وعندما حاولت «جماعة الإخوان الإرهابية» خلط الدين بالسياسة وتسييس الدين وإرهاب الأمة، قدمت فيلم «طيور الظلام» لوحيد حامد.
وعندما حاول البعض إشعال نار الفتنة بين المسلمين والأقباط، قدمت فيلم «حسن ومرقص».
هل بسبب هذه المواقف اتهمك البعض بأنك «بتاع الحكومة»؟
هذه المواقف تؤكد أننى فنان مسئول ومهموم بقضايا وطنى وأمتى، ولو كنت «بتاع الحكومة» لماذا تعذبنى الرقابة فى كل عمل فنى أقدمه لها وترفض منحى التصريح وتقدمه لأمن الدولة؟