رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

مستوطنات أم مستعبطات

10-5-2026 | 14:43

السفير جمال الدين البيومي

طباعة
السفير جمال الدين البيومي

مضى قرن من الزمان على وفاة اللورد “آرثر جيمس بلفور” رئيس وزراء بريطانيا الذي قامت إسرائيل بناءً على وعده. فذكَّرني ذلك بتجارب دبلوماسية عايشتها من بينها دعوة “موشيه ليبا” سفير إسرائيل في الكاميرون سنة 1993 لعشاء موسع حضره وزير الخارجية وعدد من السفراء وكبار القوم. وكانت وجبة الطعام غريبة عن طعامهم المعتاد، وشملت أكلًا فيه مرارة وآخر كان شديد الملوحة. ووقف السفير ليخطب فينا فإذا به يعلن أن مناسبة الاحتفال هي ذكرى خروج سيدنا موسى من مصر. واستفز ذلك الحضور، حتى إن وزير الخارجية أومأ لي يحفزني على الرد. فلما دعاني السفير لأقول كلمة شكرته لأنه يحتفل بمناسبة من مناسبات التاريخ المصري الذي خطه سيدنا موسى عليه السلام، وهو المصري المولود في مصر، وكل من اتبعه كان يهوديًا مصريًا. وسألت السفير عن علاقته بهذه الذكريات رغم أنه شخصيًا بولندي، ومستشارة السفارة التي تقف بجانبه من أصل روسي، وبالتأكيد ليس لأي من أجدادهما علاقة بفلسطين ولا باليهود الذين غادروا وادي النيل. واعتبرت أن احتفاله مجاملة لمصر وإقرار  بأن إسرائيل الحالية لا علاقة لها بيهود مصر ولا بالنبي موسى. وبهت الذي كفر.


وواصلت موضحًا أن اليهود الذين غادروا مصر مع سيدنا موسى هم مصريون، اعتنق بعض من أبنائهم وأحفادهم لاحقًا المسيحية، واعتنق بعض آخر من أحفادهم الإسلام، وأن يهود كل بلدان العالم الأخرى لا علاقة لهم ولا لأجدادهم بفلسطين أو بمصر. فالأرض أرضنا منذ كنا يهودًا أو مسيحيين أو مسلمين. وتلقيت تهاني واضحة وخفية من الوزير ومن بعض السفراء الذين استفزهم هذا "الاستعباط".


بعدها كنا في زيارة لمعرض للحرف اليدوية بمدينة ياوندي عاصمة الكاميرون، وكنت أتأمل بعض المشغولات الصغيرة المصنوعة من ورق البردي، فإذا بالسفير الإسرائيلي يقول: "هل تعرف أن أحسن بلد في إسرائيل تنتج مثل هذه المشغولات من البردي؟" واستطرد مستعبطًا: "إنها مدينة غزة". فقلت له بهدوء: "إن غزة لم تكن ولن تكون أبدًا مدينة إسرائيلية".


واستقبلنا وقتها وفدًا من خبراء الزراعة المصريين في الكاميرون لدراسة استثمار الإمكانات الزراعية المتوفرة هناك لزراعة ما نحتاجه من القمح والمحاصيل الأخرى. فإذا بالسفير الإسرائيلي يتصل بي ليبلغني أنه يتصادف زيارة وفد لخبراء زراعيين من بلده في ذات الوقت، وأنه يقترح أن نعقد مؤتمرًا صحفيًا مشتركًا للوفدين لإظهار أن بلدينا يتعاونان في تقديم خبراتهما الزراعية للكاميرون، الأمر الذي لم أستسغه، خاصة وأنه يخالف الحقيقة. فأبرقت للوزارة أطلب المشورة موضحًا أنني لا أستسيغ الطلب، ووافقتني الوزارة على وجهة نظري وتركت لي التصرف "بهدوء". فأبلغته أن الوقت الوحيد المتاح في برنامج وفدنا هو عشاء مشترك للوفدين مساء "يوم السبت" في دار سكن سفير مصر، واقتصر العشاء على السفيرين والوفدين، ولا من رأى ولا من سمع.


غير أن السفير تمادى في خياله أثناء العشاء وقال إنها فرصة كي يستفيد الوفد الزراعي المصري من خبرات زملائه الإسرائيليين. وفوجئنا بكبير الخبراء الإسرائيلي يرد بأن مصر من أقدم بلدان العالم في تاريخ الزراعة المرتبط بتاريخ نهر النيل، وأنها في مقدمة دول العالم في الأبحاث الزراعية واستصلاح الأراضي.


وكان من بين مقترحات السفير أيضًا مقترح أن ننسق سياسات بلدينا في إفريقيا؛ لأنها بالنسبة لهم لا توفر عائدًا يبرر التكلفة، وأضاف أنهم يفكرون في مزيد من تقليص بعثاتهم في دول إفريقيا (وذلك على خلاف ما يتصوره أو يصوره الكثيرون).

وكان رأيي أن مصر تمثل أكثر الوجوه قبولًا في القارة لأسباب كثيرة، منها التواصل منذ فجر التاريخ الفرعوني. فقد لاحظت أن الكتيب الإعلامي لمملكة سوازيلاند –مثلًا– يبرز أن فيهم قبائل من أصول فرعونية، كما لاحظت أن سكان بعض ولايات غرب الكاميرون يتباهون بأصولهم الفرعونية، وما زالوا يبنون بيوتهم على شكل أهرامات. كما أن من بين أهم أسباب النظرة الإفريقية الإيجابية نحو مصر دور الأزهر الشريف ودور الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، ولسنا بحاجة لتقاسم هذه المزايا مع أحد.


عدت للقاهرة سنة 1994، وفوجئت بأن وزير الخارجية –عمرو موسى– اختارني لأتولى إدارة إسرائيل، وقيل لي إنه لاحظ أني أتعامل دون حساسية أو انفعال، وهو أمر مطلوب. ووقتها قابلت فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الشريف الشيخ جاد الحق علي جاد الحق، وسألته: ما رأي مولانا في أنني عُيِّنت مديرًا لإدارة شؤون إسرائيل بوزارة الخارجية؟ فابتسم وسألني مداعبًا: ولماذا لم تذكر ذلك عندما طلبت مقابلتي؟ واستطرد: أليس بيننا وبينهم عهد؟ وأضاف: "فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم". فقلت: كيف وأكثرنا يتوقع أنهم لن يوفوا بالعهد؟ فرد: "دعهم ينقضون العهد ولا ينقضه المسلمون". ولهذا ودائمًا شعرت أنني في عزوة بوجودي قرب شيخ الأزهر الشريف الذي كان يعتبرني أحد دعاته عندما عملت في السنوات 1990/1994 في إفريقيا خادمًا للدعوة الإسلامية. وقبل أن أسترسل في الحديث لفضيلة الإمام جالت في خاطري بعض الخواطر، من بينها:


* في بداية العمل بالسلك الدبلوماسي المصري سنة 1961 كان من أهم الدروس الأولى للعمل بالخارج حفظ وجوه أعضاء السفارات الإسرائيلية كي نتجنبهم في المناسبات العامة، وكان بعضهم يسعى للسلام علينا. وحدث في حفل العيد القومي لسفارة تركيا في بوخارست في أكتوبر سنة 1964 أن سلم سفير إسرائيل على سفير كوبا –الذي كنت أقف معه– ثم مد يده للسلام عليّ، فلم أمد يدي. وأخذته المفاجأة وسأل: "ألن تسلم عليّ؟" فقلت ببساطة: لا. فانصرف مبتعدًا.


* بعدها غمرتنا انتصارات حرب أكتوبر 1973 بأعلى درجات الاعتزاز الوطني، واستشهد ابن عمي الرائد حمدي البيومي يوم 10 أكتوبر في معركة الدبابات الكبرى، وسجل اسمه في مقدمة الأسماء على النصب التذكاري لشهداء دمياط، ولحق بشقيقه حلمي البيومي الذي استشهد سنة 1956 بنيران صديقة أثناء التدريب. فكيف لي أن أرد السلام على قتلة أبناء عمي؟


* لم أتحمس في البداية لمبادرة السلام التي أطلقها الرئيس أنور السادات، لكنها أثبتت لاحقًا بُعد نظر، وشكَّلت مأزقًا لقوى التشدد الإسرائيلية التي تستخدم الحرب سبيلًا للتوسع، ففرضت عليها المبادرة التراجع إلى الحدود، وتبعها الاتفاق مع الأردن، ثم المفاوضات السورية الإسرائيلية، والقبول الفلسطيني بمبدأ التفاوض وقيام السلطة الفلسطينية لأول مرة على أرضها، وتجنبت مصر الاختيار السوري الذي لم ينتزع أرض الجولان للآن.


* لا يعرف أبناؤنا من الجيل الحالي الذي يشكل أغلبية شعب مصر أن الرئيس السادات استُقبل كالأبطال يوم عودته من القدس، ووقتها واجهت الدبلوماسية المصرية معضلة، وهي أن عامة الشعب المصري –بطيبته وكرمه– بالغ في الترحيب بالسلام وببعض من جاء للقاهرة وقتها من الإسرائيليين، وصلت –أحيانًا– لرفض بعض المطاعم تقاضي قيمة غذائهم فيها.


* وكان الرئيس السادات يعرف تمامًا ما يريد، رغم أسلوبه اللين والودي في التعامل، وكثيرًا ما قال "لا" للمطالب الإسرائيلية، ومن بينها مطالبتهم بالإبقاء على بعض المستعمرات التي أقاموها في سيناء وقت احتلالهم. وقال "مناحم بيجن" إن سكانها من اليهود سيصبحون ضيوف مصر. ووقتها أطلق شاعرنا الكبير صلاح جاهين تسمية (المستعبطات الإسرائيلية) على مطالب بيجن، وهو الاسم الذي استعرته عنوانًا لهذا المقال؛ لأن "الاستعباط" ما زال مستمرًا.


وخرجت من خواطري، وفضيلة الإمام يقول لي: "إن مهمتك القادمة لا تختلف عن مهام ابني عمك الشهيدين. فقد حاربا بالسلاح، وأنت تحارب مهمة صعبة سلاحك فيها السياسة والمفاوضات"، مع التحلي "بنفس طويل" وبثقة في النفس.


وكانت من أولى مهامي السفر إلى القدس الشريف في ديسمبر 1994 مع وفد مصري من نحو 80 شخصية عامة وخاصة وحكومية وإعلامية، للمشاركة في مؤتمر اقتصادي بالقدس حول مستقبل العلاقات في المنطقة. وكان من بين المهام التي كُلِّفت أو قمت بها:


التفاوض لضمان تدفق الصادرات المصرية إلى الأراضي الفلسطينية. فإسرائيل تضع الواردات الفلسطينية – والتي تبلغ ما لا يقل عن أربعة مليارات دولار – أسيرة في فلك الاقتصاد الإسرائيلي. ونجحنا في فك جانب من هذا الحصار لصالح صادرات مصر، وبخاصة من سيناء، ولصالح الاقتصاد الفلسطيني.


دعم قضية دير السلطان بالقدس، وهو التابع للكنيسة المصرية التي تعين قياداته ورهبانه. وأولم الدير وليمة كبيرة لوفدنا في مظاهرة لتأكيد مصرية الدير. وكان "ضيوف" من الرهبان الأحباش قد استولوا منذ سنوات على جانب من الدير. وحكم القضاء الإسرائيلي لصالح الكنيسة المصرية، وتراخت حكومة إسرائيل عن تنفيذ الحكم. ووقتها سألت "شيمون بيريس": لماذا لا تنفذون حكم المحكمة الإسرائيلية؟ فرد: "أنا أدعوك لتأتي بنفسك وتنفذ الحكم!".


صلاة الجمعة في المسجد الأقصى. وكنا قد وصلنا القدس قبل وقت قليل من صلاة الجمعة، وطلبنا من مرافقنا الإسرائيلي أن نصلي في المسجد الأقصى. وحاول المرافق عرقلة الزيارة، فطلبنا العودة للمطار وإلغاء الزيارة إذا لم نصل في المسجد الأقصى. وتراجع المرافق، وصلينا في المسجد في رعاية الإخوة الفلسطينيين يتقدمهم المرحوم فيصل الحسيني.


زرنا بيت الشرق على مشارف المسجد الأقصى، وزارته معنا رئيسة وزراء تركيا "تانسو تشيلر" التي شاركت في المؤتمر. وكان هدف الزيارة تأكيد عروبة المكان ووجود السلطة الفلسطينية فيه، وهو إجراء كان يغضب حكومة إسرائيل وأصر عليه قادة ومسؤولون من دول صديقة.


زرنا البرلمان الإسرائيلي (الكنيست) وسألنا عن اللافتة التي قيل إنها معلقة هناك وتقول: "من الفرات إلى النيل، هذا وطنكم يا بني إسرائيل"، وضحك من سألناهم لأن هذه المقولة توجد فقط في أدمغة البعض، مثل المقولة المنسوبة للعرب التي تقول: "سنلقي بالإسرائيليين في البحر". وقلت وقتها لشيمون بيريس: لكنكم متهمون بمحاولة السيطرة على العالم العربي. فرد مبتئسًا: "نحن دولة من 42 جنسية ولون، ولا نكاد نسيطر على أنفسنا، فكيف نسيطر عليكم؟".


وفي ختام الزيارة دعاني السفير محمد بسيوني – رحمه الله – لرحلة بالسيارة من تل أبيب حتى مشارف الجولان السورية، مرورًا بمنخفضات البحر الميت حيث دارت موقعة (حطين) بقيادة صلاح الدين الأيوبي ضد الصليبيين دفاعًا عن عروبة القدس. والتقينا بعرب إسرائيل 1948، الذين بقوا يتعاملون مع الاحتلال وجهًا لوجه، وتبين أن صمودهم وعرب القدس وغزة تحت الاحتلال الإسرائيلي كان السند الأكبر لقضية فلسطين وعروبتها، وأهم مقاومة لفرض الهوية اليهودية.


ومررنا بكنيسة المهد حيث منزل السيدة العذراء، ودخلنا جامع الرحمة الذي بُني تخليدًا لذكرى زيارة سيدنا عمر بن الخطاب، عندما أصدر وثيقة العهدة العمرية التي سبقت ميثاق جنيف الرابع لحقوق المدنيين وحمايتهم بنحو 1400 سنة، وأعطى فيها أهل المنطقة "الأمان لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم، وأنه لا تُسكن كنائسهم ولا تُهدم ولا يُنتقص منها ولا من صلبانهم ولا من أموالهم، ولا يُكرهون على دينهم، ويأمنون على أنفسهم حتى يبلغوا مأمنهم".


ويا ليت الضوء يُلقى على اقتراح طُرح سنة 1995 بإنشاء صندوق لحماية أصحاب الأملاك العربية في القدس من مؤامرة التهويد، والتي تدفع سكان كل من غزة والقدس الشرقية للنزوح وبيع أملاكهم فيها. فيقدم الصندوق الدعم المالي لمن يحتاجه من عرب القدس حتى لا يتخلوا عن أملاكهم، ويواصلون الصمود. وتُثار الآن قضية بالغة الأهمية لكل عربي مسلم أو مسيحي؛ فمساجدنا وكنائسنا وأملاك الفلسطينيين صارت مهددة وتستصرخنا لدعم صمودها.


اتجاهان لعملية السلام:


الأول "شن" مبادرات للسلام تحاصر إسرائيل، وتضع القوى العالمية المساندة للسلام أمام مسؤولياتها كي تعارض ممارسات الاحتلال الإسرائيلي، والتمسك بحق العرب في الأماكن المقدسة.


وينادي الاتجاه الثاني بالمواجهة والمقاطعة وترك الفلسطينيين والأراضي الفلسطينية والقدس الشريف بين يدي المحتل يعربد ما يشاء انتظارًا لحرب مقدسة في علم الغيب.


ولا يحق لطرف أن يُسفّه الآخر ولا يخوّنه أو يكفّره؛ فالمسألة تتعلق باختيارات سياسية واجتهادات وآراء لكل منها الاحترام الواجب. ومن هنا دعونا الله بالخير وبالصبر لفضيلة مفتي الديار المصرية الأسبق الشيخ علي جمعة الذي طالته حملة من الانفعال خرجت من حدود الغضب والاعتراض إلى ما يخل بأصول الحوار، عندما ذهب للصلاة في المسجد الأقصى ووصله من المنفذ الأردني. ووقتها كتبت مقالًا بعنوان "لا تخذلوا القدس" دعوت فيه لتكثيف التواجد الإسلامي والعربي والفلسطيني في القدس الشريف والمسجد الأقصى، ولا نهجره ليقع فريسة قوى الاحتلال الغاصب.


وشهدت العلاقات في بدايات عملية السلام نتائج عملية تجلت في استعادة مصر لسيادتها على كامل ترابها الوطني، وحصول إسرائيل على اعتراف (بالأمر الواقع – وليس اعترافًا قانونيًا) من أكبر بلد عربي. وعلى الرغم من إتمام الانسحاب الإسرائيلي من سيناء في 25 أبريل 1982 واستبدال خطوط وقف إطلاق النار بالاعتراف المتبادل بالحدود، فقد مرت تلك العلاقات في مراحل مختلفة بفترات من الجمود والترقب بسبب تعثر علاقات إسرائيل على الجبهات العربية الأخرى.


والحقيقة أن الفترة التي درج على تسميتها "بالسلام البارد" لم تأت نتيجة للتراجع عن قرار السلام الاستراتيجي، وإنما كانت نتيجة لتصرفات إسرائيلية سلبية، ابتداءً من غزوها للبنان عام 1982، مرورًا بإنكار الهوية الفلسطينية، وسياسة رابين "كسر الأيدي" ونسف المنازل، حتى مذبحة الحرم الإبراهيمي التي اقترنت بتصريحات أذاعتها شبكات التلفزة العالمية لبعض الحاخامات، أعرب فيها أحدهم عن أسفه لأن الإرهابي الذي اعتدى على المصلين العرب لم يكن يحمل ذخيرة كافية لإبادتهم جميعًا.


ومهما توفر قدر من حسن النوايا والتمسك بألا تتأثر مسيرة السلام الرئيسية بالأحداث العابرة، فقد كان من الصعب الفصل بين تطور علاقات إسرائيل بالأطراف العربية المختلفة وبين تطور العلاقات المصرية الإسرائيلية في إطارها الرسمي، وأيضًا من منظور الرأي العام المصري، باعتبار أن السلام كل لا يتجزأ، وأن النوايا الحسنة هي طريق ذو اتجاهين.


ومرت مسيرة السلام بنكسات متتالية، منها اغتيال "متطرف إسرائيلي" لرئيس الوزراء إسحق رابين بيدٍ، ووفاة الرئيس حافظ الأسد، والرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، والانقسام الفلسطيني، والعدوان الإسرائيلي المتكرر على غزة ولبنان، وصعود قوى التطرف الإسرائيلي تقوده حكومات عنصرية تنتمي لأقصى اليمين.


ومنذ توقيع اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية سنة 1979 حدثت تطورات كثيرة في العلاقات العربية الإسرائيلية، من أهمها:


توقيع اتفاقية أوسلو وإعلان المبادئ بترتيبات الحكم الذاتي الانتقالي بين منظمة التحرير الفلسطينية (ياسر عرفات) وإسرائيل (بيريز/ بيجن) في سبتمبر 1993 بحضور الرئيس الأمريكي بيل كلينتون. وهي أول اتفاقية مباشرة بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، وشكل إعلان المبادئ نقطة فارقة في العلاقة بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل؛ فالتزمت المنظمة بحق إسرائيل في العيش في سلام وأمن، وكسبت اعتراف إسرائيل بها كممثل للشعب الفلسطيني، وبدخولها لأراضي الضفة وغزة.
توقيع معاهدة "وادي عربة" للسلام الأردني الإسرائيلي في أكتوبر 1994، والتي طبعت العلاقات بين البلدين وأنهت نزاعاتهما الحدودية، وبذلك أصبح الأردن ثالث دولة عربية تسوي علاقاتها مع إسرائيل، وترسخ لمبدأ انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة الذي تحاول إسرائيل الآن التنصل منه.


نشطت العلاقات المصرية الإسرائيلية الثنائية، وصمدت لسنوات طويلة كأول نموذج للصلح تعقده دولة عربية مع إسرائيل، أخذًا في الاعتبار حساسية مسألتي القدس والاستيطان. ولهذا تمسكت مصر بموقف واضح تجاه القدس والمستوطنات (والجولان مؤخرًا)، على أساس أن "أي تغيير في الأراضي المحتلة بما فيها القدس من الناحيتين الجغرافية ووضع السكان أو الوضع القانوني فهو يخرق روح اتفاق المبادئ والمعاهدات الدولية".


تأثرت حركة انتقال الأفراد بين مصر وإسرائيل إيجابيًا في تلك الفترة؛ فالمقدر أن أكثر من عشرين ألف مصري زاروا إسرائيل خلال عام 1994، وزار مصر نحو سبعين ألف إسرائيلي بتأشيرات دخول، ونحو 12 إلى 18 ألف إسرائيلي، وبخاصة "المنطقة المحددة" الممتدة على شريط طابا/شرم الشيخ. وازداد حجم التبادل التجاري بجانب البترول، ثم لاحقًا التعاون في شأن تجارة الغاز وصناعة تسييله.


تبنى القادة العرب في بيروت عام 2002 – وبعد أكثر من ربع قرن من مسيرة السلام المصرية – مبادرة سمو الأمير عبد الله ولي عهد المملكة العربية السعودية وقتها، والتي سارت على نفس النهج: "الأرض مقابل السلام". وواصلت الدول العربية دعم الصمود الفلسطيني بما شمل معاملة خاصة للصادرات الفلسطينية.


تعاملت مصر باهتمام مع عملية السلام بين سوريا وإسرائيل وساعدتهما بخبرائها للتوصل لانسحاب إسرائيل الكامل من الجولان السورية وقيام سلام كامل بينهما، الأمر الذي ازدادت صعوبته مؤخرًا بالتصرف الأمريكي (ترامب) تجاه السيادة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان العربية السورية المحتلة، والاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل.


برز موضوع مستقبل أمن المنطقة في ظل السلام، وعدم إمكانية قيام سلام أو استقرار حقيقي بينما إسرائيل ترفض الانضمام لاتفاقية منع انتشار الأسلحة النووية، وإخضاع منشآتها النووية لنظام الضمانات الشاملة للوكالة الدولية للطاقة الذرية، أو حتى الإعلان عن عزمها على تنفيذ ذلك. ويتعين تناول هذا الموضوع مع العمل على عدم تأثيره على مجمل عملية السلام، حيث زاد الأمر تعقيدًا عندما "تطوع" وزير إسرائيلي مسؤول بالتهديد باستخدام السلاح الذري في معركة غزة، وقدم بذلك أول اعتراف من إسرائيل بحيازتها لسلاح نووي.


مذبحة غزة
المعروف أن إسرائيل لم يحكمها حزب واحد منذ نشأتها سنة 1948؛ لأن أيًا من الأحزاب الكبرى لم يحصل أبدًا على 50% + واحد، فظلت تُحكم بتآلف يجمع بين أحد الحزبين الرئيسيين وأحد الأحزاب الصغيرة. وتطورت الأمور مؤخرًا نحو وضع أسوأ، فصارت إسرائيل يحكمها تآلف من أحزاب أقلية صغيرة من اليمين المتطرف، ويرأسه رئيس وزراء مطلوب للعدالة في عدة قضايا، وتمثل له الأزمة الراهنة "طوق نجاة" يبعده عن السجن.


وعلى الجانب الفلسطيني حدث انقسام بين منظمة التحرير بوصفها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني وبين منظمة حماس التي صارت تحكم قطاع غزة على غير سند من قانون أو شرعية، متخطية الأمل في دولة فلسطينية تضمن كل أبناء الشعب الفلسطيني.


أضيفت مؤخرًا مشكلة مهمة، وهي عجز حكام إسرائيل – وغيرهم – عن فهم استحالة تحقيق حلم استيعاب كل يهود العالم داخل إسرائيل. فالحلم يشكل ضغوطًا رهيبة على الأرض وعلى أصحابها الفلسطينيين، ويخلق تعقيدات غير قابلة للحل في موضوع الاستيطان. والمدهش أن صحيفة "الإيكونوميست" ذكرت مرة أن ما تقيمه إسرائيل من مستعمرات هي "بيوت أشباح" لا تجد من يسكنها، وصارت تشبه "قطعة الجبنة السويسرية المخرمة"، لأن معدلات الهجرة لإسرائيل تراجعت، بل بدأ ما يسمى "بالهجرة العكسية" للذين اكتشفوا أن "الحلم الإسرائيلي" لا يحقق أحلامهم. ذلك أن الحكومة الإسرائيلية الحالية لم تعد تضم ما سبق ووصفه كثيرون "بصقور وحمائم ومعتدلين" ومتشددين، إنما باتت تضم متطرفين وأكثر تطرفًا، وأن هؤلاء تباروا في التأكيد على العودة مرة أخرى للعمليات العسكرية بعد انتهاء الهدنة الإنسانية وتنفيذ اتفاق تبادل الأسرى.


ونواجه الآن دولة نشأت على غير سند من أي قانون أو نظام دولي، وتساندها بعض الدول العظمى لأنها تحقق غرضًا في نفس يعقوب لتلك الدول، حيث تقسم الدول العربية إلى مشرق ومغرب وتحد من قدرات العرب. لذلك تجد نفاقًا يحاول أن يقول إنه متعاطف مع الأوضاع غير الإنسانية في غزة، وفي نفس الوقت يقدم حقيبة بها 14 مليار دولار هدية لإسرائيل من دولة كادت حكومتها تعلن عن إفلاسها لعجزها عن تغطية مصروفات ميزانيتها. ولا بد لنا أن نجعل الغرب يفهم أنه من الممكن أن نتعاون في تبادل المصالح بدلًا من مساندتهم لدولة تهدد مسيرة السلام للجميع.


قدمت مصر عشرات الآلاف من الضحايا، وكما قال الرئيس عبد الفتاح السيسي فإنه لا توجد أسرة في مصر ليس بها شهداء في الحروب التي خاضتها البلاد. ولما سألني قلت إن اثنين من أبناء عمي استشهدا؛ واحد في حرب 1956، والثاني يوم معركة الدبابات في العاشر من أكتوبر 1973. وأصبحت مصر أكثر دولة لها صلات قوية بكل الأطراف، ونجحت في إدخال المساعدات عن طريق معبر رفح، بالإضافة لمحاولة وقف الحرب وقيام هدنة طويلة والتفاوض لدعم السلام. وتقوم الدبلوماسية المصرية بدور قوي على مستوى الرئاسة ووزارة الخارجية لشرح القضية لكافة القوى في العالم.


أما المخطط الإسرائيلي للتهجير القسري للفلسطينيين فيتصف بـ"السذاجة السياسية"، لأن الفلسطيني لن يترك أرضه، وتسعى إسرائيل لتنفيذ هذا المخطط بالخلاص من الفلسطينيين، ولن يهمها عدد الأرواح التي قد تذهب في المقابل.


وحتى الجاليات اليهودية في أمريكا وأوروبا رأت أن ما يحدث ليس في صالح إسرائيل نفسها؛ لأن حل الدولتين يضمن لإسرائيل حدودًا آمنة، وحل دولة واحدة سيؤدي لأن يصبح العرب يومًا أغلبية، واليهود أقلية. لكننا بصدد عملية نفاق سياسي لا نظير لها. وقد نجحت مصر في أن توضح بقوة أن فكرة تهجير الفلسطينيين مرفوضة رفضًا باتًا؛ لأنها فكرة مضحكة ولن يقبلها أحد، لأنها تقوم على تهجير شعب من بلده واستبداله بمواطنين يحملون بالفعل جنسيات أمريكا وروسيا ودول أوروبا، ولم يشاهدوا أرض فلسطين ولا أجدادهم. وهذه وقاحة سياسية وتاريخية.


ويُعدّ اتفاق الهدنة الراهن بين حماس وإسرائيل من قبيل "أول الغيث قطرة"، مع الأمل في أن تعقب الهدنة حركة حلحلة للأحداث، وبداية مفاوضات سلام لحل الصراع. وتمتلك مصر القدرة على القيام بهذا الدور، لامتلاكها اتصالات مباشرة مع جميع الأطراف. ونتابع ساعة بساعة الرئيس ووزير الخارجية ورجالها في اتصالات مع قادة وزعماء العالم من أجل التوصل إلى اتفاق لوقف الحرب وإنفاذ المساعدات، وهو ما يؤكد اتساع دائرة العلاقات المصرية.


ويبقى السؤال: هل ستستكمل إسرائيل حربها لاجتثاث حماس والقضاء عليها؟ أم تستفيد بوقف إطلاق نار يمهد لحل القضية الأصلية؟.. وستشهد الأيام القادمة صراع إرادات محمومًا بين الرغبة في التوسع والرغبة في البقاء. لكن سيظل الصمود وطول النفس الفلسطيني، والدعم المصري العربي الإسلامي، هو السلاح الأمضى الذي سيحسم المعركة لصالح الحق.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة