رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

نلعن سايكس- بيكو قولًا ونصرّ عليها عملًا

10-5-2026 | 14:20

حلمي النمنم

طباعة
حلمي النمنم

واجهت ألمانيا التقسيم بعد الحرب العالمية الثانية وتخلّصت منه سنة 1990؛ لكننا نتمسك بسايكس- بيكو لأكثر من ثمانية عقود؛ أي منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية؛ لا يخلو حديث ثقافي وفكري وسياسي أو صحفي في بلادنا العربية من لعن اتفاقية سايكس- بيكو؛ التي وقعت سنة 1916؛ وكأن تاريخ المنطقة ليس فيه سوى تلك الاتفاقية  أو المعاهدة الملعونة عربيًا، كأنه لا قبلها شيء ولا بعدها شيء.

ومن واجبنا أن نتساءل: ماذا لو لم تكن هناك "سايكس- بيكو"؟ هل كانت الدولة العربية الواحدة ستقوم وترفرف راياتها على كل أرجاء المنطقة؟
مع اقتراب الحرب العالمية الأولى من نهايتها؛ والتيقن من أن الدولة العثمانية على أبواب الانهيار التام؛ أصبحت الدول الأوروبية المتحاربة تسعى لتوزيع ممتلكات الدولة في المنطقة العربية؛ تحديدًا منطقتي الشام والهلال الخصيب، أو ما يُعرف باسم منطقة غرب آسيا. المعاهدة كانت بين بريطانيا وفرنسا؛ ومصادقة روسيا وإيطاليا وقتها كانت لا تزال قيصرية. وكانت إيطاليا وقتها تحتل ليبيا.


كانت بلاد هذه المنطقة؛ منذ قيام الدولة العربية ومع الفتوحات الإسلامية؛ تخضع معظم الوقت للدولة القوية الحاكمة؛ أموية ثم عباسية ومملوكية من بعدها ثم عثمانية؛ ولم يمنع ذلك أنه كانت هناك داخلها، لبعض الفترات، ولايات وإمارات شبه مستقلة؛ مع خضوع اسمي للدولة الكبرى التي تحكم.

والذي حدث أن الدولة العثمانية دخلت في مرحلة الضعف الشديد والانهيار مع نهاية القرن الثامن عشر؛ وضح ذلك مع حملة نابليون على مصر وبلاد الشام سنة 1798؛ حيث لم تتمكن من الدفاع عن البلدين، ولا أمكن لها مواجهة الفرنسيين؛ ولذا تعاونت مع بريطانيا التي قام أسطولها بمحاصرة الفرنسيين في الإسكندرية واضطرتهم للجلاء عن المنطقة. ثم تكرر الاعتداء الفرنسي على الجزائر سنة 1830 وقاموا باحتلالها؛ ولم تفعل الدولة العليا شيئا عندها استحقت الدولة العثمانية لقب "الرجل المريض"؛ وكان على ذلك الرجل المريض أن يهيئ الدنيا لمن بعده؛ لكن الدولة العثمانية كانت غارقة  في الاستبداد وترفض تحديث البلاد العربية الخاضعة لها؛ ولم تستطع التفاهم مع القوى والرموز الوطنية العربية المتطلعة إلى نفض الاستبداد والاعتزاز بهويتهم العربية؛ فتفرغت الدولة لقمع هؤلاء؛ وتجاهلت الخطر الاستعماري القادم من أوروبا. ومع تطور الأحداث في الحرب العالمية الأولى؛ كانت نهاية الدولة العلية قد كُتبت، والوفاة بانتظار الإعلان، وبدأ تقسيم التركة.
مع نهاية الحرب؛ كانت الدولة العثمانية تريد أن تتخلص من "عبء" المنطقة العربية؛ ولم تكن هناك قوة أو دولة عربية جاهزة؛ ولا كانت المشاريع الوطنية جاهزة ومكتملة سياسيًا وفكريًا فضلا عن أن رجال تركيا الحديثة وقتها، ما كانوا يحبون العرب ولا يثقون بهم، تحديدا بعد قيام الثورة العربية الكبرى ضد العثمانيين، ولم تكن هناك دولة أوروبية واحدة تريد المنطقة بأكملها؛ بل عدة دول؛ وهكذا جلست معًا، لا بقصد تقسيم المنطقة وتفتيتها؛ بل أن تأخذ كل منها القطعة التي تريدها ولها مصالح بها؛ بريطانيا كانت تريد العراق لقربه من إيران والطريق إلى الهند؛ إلى جوار تواجدها برضا عثماني من قبل في قناة السويس ومصر.

فرنسا تريد بعض بلاد الشام، وبريطانيا تريد فلسطين؛ خاصة مع تبنيها للمشروع الصهيوني، روسيا كانت لها بعض الأغراض فى القدس، وهكذا.
دعنا الآن من أفكار فلاسفة أوروبا ومفكريها وكذلك أحاديث قادتها عن حقوق الشعوب وحرية المواطن؛ وغير ذلك من أفكار ليبرالية وإنسانية تبدو رائعة؛ على أرض الواقع يعلو صوت المصالح والنفوذ السياسي والقوة العسكرية على تلك الأفكار والمعاني؛ قررت بريطانيا وفرنسا مصير شعوب وبلاد ذات تاريخ عريق وحضارة مجيدة؛ دون أن تأخذ رأيهم، ودون دعوة ممثليها للمشاركة؛ تصرفوا بمنطق الاحتلال الذي يلغي وجود دور أبناء المنطقة وسكانها، أو على الأقل لا يعترف بهم.


مضت الحرب العالمية الأولى وتجرعنا نحن مرارتها؛ ثم سقطت الدولة العثمانية نهائيًا سنة 1924، وأعلن الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك قيام الجمهورية في تركيا؛ وحاول التخلص التام من كل التراث العثماني؛ حتى أنه استبدل الحروف العربية بالحروف اللاتينية.
في المنطقة العربية؛ ناضلت الشعوب والقوى الوطنية؛ حتى تحررت من الاستعمار الأوروبي؛ لكن بقي التمسك بأسس ومحددات سايكس- بيكو.
بعد الاستقلال تمسكت الدول العربية بقرارات المعاهدة؛ قسمت المعاهدة بلدان المنطقة لكننا تمسكنا بهذا التقسيم ونرفض الخروج عليه أو تجاوزه. جرت عدة محاولات لتجاوز التقسيم بإقامة الوحدة؛ ورغم تعدد مشاريع الوحدة وكثرتها لم يحقق أي منها نجاح؛ بل كان مصيرها الفشل الذريع سريعًا.
إلى اليوم يتحدث بعضنا بأسى كبير عن سوريا الكبرى؛ التي تمزقت بفعل سايكس- بيكو؛ لكن هل من الوارد أن تعود "سوريا كبرى"؟ كما كانت،  هل هناك من يقبل أن يتنازل لبنان عن سيادته مثلًا ويصبح جزءًا من سوريا الكبرى؟ وهل وهل؟
طبعًا تجربة الوحدة بين مصر وسوريا معروفة بكافة تفاصيلها؛ والآن ندرك أن الذين سعوا إلى الوحدة في سوريا فعلوا ذلك ليحتموا بقوة مصر ونفوذ الزعيم جمال عبد الناصر من التواجد الشيوعي المتزايد هناك؛ ولما تراجع هذا النفوذ انفضت الوحدة؛ وقع الانفصال، وراحوا يتحدثون عن "الاحتلال المصري لسوريا".
في سوريا وصل إلى الحكم "حزب البعث"، نفس الحزب وصل إلى السلطة في العراق؛ وكان المتوقع أن يحدث اتحاد واتفاق بينهما؛ لكن ساد العداء؛ أي ساد التقسيم، حتى أنه حين وقعت سنة ١٩٨٠ الحرب بين إيران والعراق، انحازت سوريا إلى إيران ضد العراق من اللحظة الأولى. 
بعيدًا عن الوحدة السياسية وإلغاء الحدود بين الدول "المقسمة" كما يتمنى البعض؛ فإن هناك نماذج لوحدة اقتصادية وحرية التنقل بين الدول والبلدان دون تعقيدات بيروقراطية ومحاذير سياسية مبالغ فيها؛ جرى ذلك في أوروبا عبر الاتحاد الأوروبي؛ حتى هذا الشكل فشل في البلاد العربية.
في أوروبا نفسها؛ بعد الحرب العالمية الثانية؛ حدث شيء يشبه سايكس- بيكو، لكن في ألمانيا؛ فقد اجتمع المنتصرون في الحرب العالمية وكانوا أربعة؛ الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا؛ قرروا تقسيم ألمانيا بينهم؛ صارت العاصمة الألمانية مقسمة إلى أربعة أقسام؛ كل قسم كان من نصيب دولة كان ذلك سنة 1945؛ لكن بعد أربع سنوات أُعيد النظر في هذا التقسيم؛ انسحبت بريطانيا وكذلك فرنسا من تلك المسألة؛ وقُسمت ألمانيا إلى بلدين؛ ألمانيا الشرقية وتخضع للحزب الشيوعي السوفييتي بنظام شيوعي صرف؛ أما ألمانيا الغربية فتخضع للولايات المتحدة وبها قاعدة أمريكية؛ حتى العاصمة قُسمت إلى قسمين؛ ثم أُقيم حائط اسمه "حائط برلين" يقسم بين شطري العاصمة؛ ومن يقترب من الحائط يُضرب بالنار فورًا.

هذا تقسيم أبشع مما جرى في منطقتنا مع سايكس- بيكو؛ ذلك أن كل قسم كان منخرطا فى حلف عسكرى معادى للآخر لكن في سنة 1990 قرر الألمان إسقاط الحائط وإلغاء التقسيم؛ مع انهيار الحرب الباردة وعادت مجددًا ألمانيا الموحدة؛ باختصار لم يتجاوز التقسيم هناك (45 عامًا) ثم هبّوا ضده؛ في عالمنا العربي لم يحدث شيء من ذلك؛ بل حدث العكس.


في لبنان يكاد أن يكون الجنوب مستقلًا بذاته تحت راية حزب الله؛ في سوريا الأمر منذ ديسمبر 2024 ينبئ بمخاطر؛ الجنوب في السويداء وجبل العرب؛ هناك دعوات للاستقلال التام عن سوريا؛ وذهب الشيخ "الهاجري" أحد زعماء المنطقة إلى حد المطالبة بالدعم من إسرائيل والولايات المتحدة للاستقلال النهائى عن سوريا. أما في الشمال فهناك دعوات خاصة من هذا النوع؛ في السويداء يتركز الدروز، وفي الشمال يتركز العلويون؛ وكل منهما يشعر أن الدولة الأم لم تعد تلبى  طموحاته ومطالبه.
العراق مر بأزمة أخرى، ويتمتع إقليم أربيل بما يشبه الحكم الذاتي.
 في العقلية العربية قدر من الازدواج؛ نلعن سايكس- بيكو والتقسيم، لكن في الأعماق تتغلغل روح سايكس- بيكو؛ أي المزيد من التقسيم؛ حتى أن ما جاء في المعاهدة المشؤومة (سنة 1916) بات فردوسًا مفقودًا لدى البعض. كان الحديث عن عودة الشام موحدًا وإقليم سوريا الكبرى؛ لكن سوريا التي ليست كبرى مهددة بالتقسيم؛ ونصرخ جميعًا: تمسكوا بوحدة التراب السوري.


سايكس- بيكو اتفاقية وُقعت في لحظة تاريخية بعينها؛ من الناحية العملية انتهت بنهاية تلك اللحظة؛ لكننا نحن نتمسك بها؛ لم نفعل كما فعل الألمان سنة 1990، ولا كما توحدت أوروبا منذ سنة 1957، وصولًا إلى ما هي عليه اليوم، رغم أن تاريخ الحروب الأوروبية طويل ومظلم بالحروب الداخلية الطويلة.


جاءت أمام العرب فرصا عديدة للتخلص من سايكس-بيكو، بعد خروج الاستعمار الأوروبى من معظم بلاد الشام، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ومع احتدام القضية الفلسطينية، وتكررت الفرصة مرة تلو الأخرى، لكن كان يتم إهدارها ونسير فى نفس الاتجاه المضاد تمامًا، حتى الدول المقسمة لم تحافظ على علاقات ودودة مع جاراتها، تأمل العلاقات المريرة بين سوريا ولبنان وبين سوريا والعراق وبين المملكة الأردنية وسوريا.. الحرب الأهلية فى لبنان سنة ١٩٧٥ والتى استمرت حتى سنة ١٩٨٩ أكدت أن روح الانقسام لها الغلبة.


 نلعن "سايكس- بيكو" في الإعلام ونتمسك بها في الواقع؛ بل نسعى نحو مزيد من التقسيم؛ من أسف مجتمعاتنا تتجه نحو ذلك.


سايكس- بيكو ليس قضاءً وقدرًا فرض علينا؛ هي وثيقة سياسية؛ يكمن التخلص منها في لحظة لو أردنا؛ لكننا لا نفعل، والسبب بسيط: ما زالت روح القبلية البغيضة  تطغى وتتحكم؛ لم تتجذر بعد فينا فكرة ومفهوم الدولة. تابع معارك السوشيال ميديا، سوف تجد أن روح القبلية تتغلب في سائر المجالات؛ من السياسة إلى الرياضة والفن، وحتى معايير الزواج والمصاهرة؛ لكننا لا نقر بذلك.


ولا نتأمل حالنا جيدًا، ونتوارى خلف سايكس- بيكو والمؤامرات الكونية علينا.


واجب الوقت يفرض ألّا نبكي على اللبن المسكوب، ونتمسك بالدولة الوطنية، في وجه دعاوى التقسيم أو الانفصال وفق أسس عرقية أو ثقافية وربما مذهبية وطائفية، يضاف إلى ذلك أن هناك عوامل ثقافية وروحية وجغرافية تجمع العرب، يجب الحفاظ عليها، اللغة المشتركة، لا يجب أن تصبح مادة للهجاء العربى، لنجعلها مادة للتوافق معا، زمن الهجاء على السوشيال ميديا خطر حقيقى على الجميع، على الأقل يملأ النفوس مرارة وضغينة..لنراهن على ما هو مشترك وعميق بيننا وهو كثير.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة