رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

ابن رشد.. فيلسوف التنوير

14-4-2026 | 14:42

ابن رشد

طباعة
همت مصطفى

 ظهر في منتصف القرن السادس الهجري في  بلاد الأندلس، وتمتع بشهرة واسعة بين علماء وفلاسفة عصره في العالم العربي، والغربي أيضًا، ودافع كثيرًا عن الفلسفة «أم العلوم»،وصحح أفكار بعض الفلاسفة السابقين، أمثال ابن سينا، والفارابي في فهم بعض نظريات «أفلاطون» و«أرسطو»، فصار أحد أهم وأشهر فلاسفة الإسلام، والحضارة العربية القوية، ويظل شخصية تنويرية في جميع الأزمنة، ذاع صيته بين مفكري وعلماء وفلاسفة العالم كله، وامتلك شخصية متعددة التخصصات، فهو فيلسوف، وفقيه، وطبيب، وفلكي، وقاضي، وفيزيائي عربي مسلم أندلسي، ولا يشبه غيره في حجته، وامتلك بصيرة خاصة فريدة وعقلًا راجحًا ومنطقًا يدحض الباطل، بالحق والعلم، إنه فيلسوف التنوير ابن رشد.

وُلد أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد الحفيد «ابن رشد» في الرابع عشر من شهر إبريل سنة 1126م، بعام 520هجرية، في مدينة قرطبة، هذي المدينة التارخية، ذات الأثر  الكبير، والتي مثلت مركزًا حضاريًا وثقافيًا  ورائدًا بأوروبا،  فهي عاصمة الأندلس في الدولة الأموية خلال العصور الوسطى، ومركزًا للحضارة الإسلامية لقرابة خمس قرون في أوروبا.

ابن رشد ينشأ في بيت الزعامة الفقهية والفتوى

نشأ ابن رشد في بيت عريق في الأندلس،  تنحدر أسرته من سرقسطة من الثغر الأعلى بالأندلس،  ومارست هذي الأسرة الزعامة الفقهية والفتوى، وكان جده المعروف باسم ابن رشد الجد شيخ المالكية، وإمام جامع قرطبة، وقاضي الجماعة، ومن كبار مستشاري أمراء الدولة «المرابطية»، وكان والده أبو القاسم أحمد بن أبي الوليد فقيهًا له مجلس يُدّرس في جامع قرطبة، وقاضيًا وله شرح على «سنن النسائي»، وتفسير للقرآن  الكريم في أسفار، وعايش ابن رشد في شبابه أواخر العصر «المرابطي» (447-541هـ / 1055-1147م) ، وتميز ذلك العصر بسلطة الفقهاء على الفكر والثقافة والمجتمع والسياسة.

دراسة ابن رشد

درس ابن رشد الفقه والتفسير والطب والرياضيات والفلك والفلسفة، وتتلمذ على يدي الفقيه الحافظ أبي محمد بن رزق، وحفظ كتاب «الموطأ» للإمام مالك على يدي أبيه، كما درس على أيدي العديد من الفقهاء؛ ومن أبرزهم أبي جعفر بن عبد العزيز الذي أجاز له أن يفتي في الفقه، وفي الفلسفة تأثر ابن رشد بـ «ابن لجة»، وكان صديقًا لـ «ابن طفيل».

ابن رشد في البلاط

تولى ابن رشد القضاء في إشبيلية بالأندلس، ثم في قرطبة سنة 1169م، وعندما استقال«ابن طفيل» من «طبابة» اقترح أن يكون ابن رشد خليفةً له في منصبه، ثم استدعاه الخليفة الموحدي أبو يعقوب يوسف إلى مراكش وعينه طبيبًا له، وقاضيًا في «قرطبة»، كما استعان به في القيام بالعديد من المهام الرسمية، مما ساهم في تنقله في مختلف أنحاء المغرب، لم يتحرج أو يخشى «ابن رشد» من أن تكون له آراء سياسية تحمل أفكارًا إصلاحية لواقع الناس في الأندلس، فقد ركز على أهمية الممارسة السياسية، بمعني أن تتطابق أفعال الحاكم مع أقواله.
رحيل الفيلسوف المتمرد

بقي ابن رشد في بلاط الموحدي أبو يعقوب يوسف، في مراكش، حتى توفي الخليفة وخلفه ولده المنصور، الذي غضب على «ابن رشد»، واتهمه بالزندقة، ونفاه إلى قرية «اليسانة»( اليُسَّانة أو اللُّسَّانة)  إحدى بلديات مقاطعة قرطبة الواقعة  بالإندلس (جنوب إسبانيا)، التي كان يسكنها أغلبية من اليهود، وأحرق كتبه، بل وأصدر منشورًا يحرم قراءة كتب الفلسفة، لكنه بعد أعوام راجع نفسه وعفا عنه، فعاد «ابن رشد» إلى مراكش حيث توفي ودفن فيها في مثل هذا اليوم 10 ديسمبر  1198م عام 595 للهجرة، وبعد ثلاثة أشهر نقل رفاته إلى مسقط رأسه في قرطبة.

فلسفة ابن رشد

كان «ابن رشد» يرى عدم وجود تعارض بين الفلسفة والدين، كما آمن بسرمدية الكون، وقال: إن الروح منقسمة إلى قسمين؛ أحدهما شخصي يتعلق بالشخص، والثاني إلهي، وبما أن الروح الشخصية قابلة للفناء فإن جميع الناس سواسية، كما ادعى أن لديه نوعين من معرفة الحقيقة، الأولى استنادًا إلى الدين المعتمد على العقيدة التي لا يمكن إخضاعها للتدقيق والتمحيص، والثانية استنادًا إلى الفلسفة، وتنطلق بآرائه الأخلاقية من مذهبي أفلاطون وأرسطو، واتفق مع أفلاطون بالفضائل الأربع الأساسية.. العدالة، والحكمة، والشجاعة، والعفة.

مؤلفات ابن رشد..  في الفقة والفلسفة والطب

ألف «ابن رشد» العديد من المؤلفات في أربعة أقسام؛ وهي: الفلسفة، والطب، والفقه، والأدب اللغوي، و اختص بشرح التراث الأرسطي، وأحصى جمال الدين العلوي له 108 مؤلفات، 58 منها بنصها العربي

وكان «ابن رشد» معجبًا كثيرًا بمنطق «أرسطو» ويرى أنه له  دور كبير في نقده لأفكار الفلاسفة العرب من أمثال الفارابي،  وابن سينا، اللذين سار في نقدهما على نفس منهج نقد أرسطو لأفلاطون،  وكان من أبرز ما قدمه ابن رشد للثقافتين العربية والغربية شرحه الوافي لفلسفة أرسطو. 

من شروحاته وتلاخيصه لأرسطو .. تلخيص وشرح كتاب «ما بعد الطبيعة»(الميتافيزياء)، تلخيص وشرح كتاب «البرهان» أو «الأورغانون»، تلخيص كتاب المقولات «قاطيفورياس»، شرح كتاب«النفس»، شرح كتاب «القياس».

مقالات  ومصنفات فقهية

من مؤلفات «ابن رشد»  في علم الفقه «بداية المجتهد ونهاية المقتصد»، و«الكشف عن مناهج الأدلّة في عقائد الملّة» وهو من المصنفات الفقهية والكلامية في الأصول، أما كتابه «فصل المقال في ما بين الحكمة والشريعة من اتصال»، فقد أكد فيه أهمية التفكير التحليلي في تفسير القرآن الكريم، مخالفا علماء الكلام في عصره، ومعليا من قيمة البرهان العقلي، ويعد كتابه «الكليات»  موسوعة لعلوم الطب في وقته، وشرح «أرجوزة» ابن سينا في الطب.

وله مقالات كثيرة ومنها: مقالة في العقل، مقالة في القياس، و في اتصال العقل المفارق بالإنسان، و في حركة الفلك، في القياس الشرطي، وألف «ابن رشد» كتب «الحيوان»، و«المسائل» في الحكمة،  و«جوامع كتب أرسطاطاليس» في الطبيعيات والإلهيات، كتاب «الضروري» في السياسة.

ومن أشهر كتب «ابن رشد» ومعاركه الفكرية، فكان كتابه «تهافت التهافت» الذي ألفه ردًّا على الهجوم الشديد الذي وجَّهه الإمام «الغزالي» لأفكار وآراء بعض الفلاسفة في كتابه «تهافت الفلاسفة»، والكتابان يقدمان عرضا فكريا شائقًا لمدرستين متعارضتين في النظر إلى الفكر والوصول إلى الحقيقة.
 

وألف ابن رشد كتاب فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال، وهو من المصنفات الفقهية والكلامية، وأكد فيه «ابن رشد» على أهمية التفكير التحليلي كشرط أساسي لتفسير القرآن الكريم، وذلك على النقيض من اللاهوت الأشعري التقليدي، حيث كان يتم التركيز بدرجة أقل على التفكير التحليلي وبدرجة أكثر على المعرفة الواسعة من مصادر أخرى غير القرآن على سبيل المثال الحديث الشريف.

ابن رشد.. تأثير ثقافي متفرد ووجود قوي في الأدب  والدراما

للمفكر وفيلسوف التنويرابن رشد مكانة مهمة وتأثير كبير في مختلف الثقافات، حيث تمت تسمية كويكب باسم «بن رشد 8318» تيمنًا باسمه،  ورد اسم «ابن رشد» في الكوميديا الإلهية للشاعر الإيطالي الكبير دانتي في قسم الجحيم «الأنشودة الرابعة: 142» مع الفلاسفة العظماء الذين ماتوا قبل المسيحية أو الذين لم يعمدوا بحسب وصف «دانتي». 
وظهر «ابن رشد» في القصة القصيرة التي كتبها خورخي لويس بورخيس بعنوان «بحث ابن رشد»، ويبدو فيها ابن رشد يحاول العثور على معاني كلمات «التراجيديا» و«الكوميديا»، 

وأشير إلى فيلسوف التنوير «ابن رشد»  بإيجاز في رواية يوليسيس للكاتب والشاعر الأيرلندي جيمس جويس إلى جانب موسى بن ميمون. كما يظهره الشاعر الباكستاني ألامجير هاشمي Alamgir Hashmi) منتظرًا خارج أسوار قرطبة في قصيدته «في قرطبة».

 وابن رشد»هو الشخصية الرئيسية في فيلم «المصير» للمخرج المصري يوسف شاهين الذي أنتج عام 1997م، وتم تسمية كلية تربية الأولى في جامعة بغداد باسم كلية تربية ابن رشد، وهو أيضًا عنوان لمسرحية للكاتب التونسي محمد الغزي، والتي نالت الجائزة الأولى في مهرجان الشارقة للمسرح عام 1999م، وقام مغني البوب المسلم كريم سلامة بتلحين وغناء أغنية عام 2007 بعنوان «أرسطو وابن رشد».

 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة