رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

وسط سباق العالم على المعادن الحيوية.. التعدين غير القانونى يُهدد غابات الأمازون


30-5-2026 | 13:42

.

طباعة
تقرير: سلمى أمجد

لعقود طويلة، تعرضت غابات الأمازون المطيرة لعمليات نهب واسعة بحثاً عن المطاط والأخشاب والذهب. واليوم، تلوح جبهة جديدة من الجريمة فى منطقة الأمازون البرازيلية، بعدما أدى الطلب العالمى المتزايد على المعادن الحيوية المستخدمة فى صناعات أساسية، مثل السيارات الكهربائية والطائرات المقاتلة، إلى تصاعد موجة من التعدين غير المشروع داخل واحدة من أهم النظم البيئية على كوكب الأرض.

 

يأتى ذلك فى وقت تتطلع فيه الولايات المتحدة، ودول أخرى بصورة متزايدة إلى البرازيل، موطن بعض أكبر رواسب المعادن الحيوية فى العالم، فى محاولة لتقليص هيمنة الصين، التى تسيطر -بشكل شبه كامل- على سوق المعادن النادرة والحيوية عالميا، مما يضعها تحت ضغط هائل يهدد توازنها البيئي.

وتقدر قيمة سوق المعادن الحيوية العالمية، مدفوعة بالتحول فى قطاع الطاقة بأكثر من 300 مليار دولار، ومن المتوقع أن تتضاعف بحلول عام 2035، وفقا لوكالة الطاقة الدولية.

وتفيد السلطات البرازيلية بأن من بين المعادن الحيوية التى يجرى استخراجها بشكل غير قانونى المعادن الأرضية النادرة، وهى مجموعة من 17 عنصرا كيميائيا تشكل حجر الأساس فى صناعات التقنية‏ المتقدمة، من الهواتف الذكية والسيارات الكهربائية إلى أنظمة الطاقة المتجددة والصناعات الدفاعية، مثل الطائرات المسيرة والصواريخ الموجهة، وتُستخرج المعادن الحيوية من مناطق عميقة فى الغابة، بعضها محظور التعدين فيها منعا باتا، ثم تُنقل عبر الطرق البرية والنهرية والجوية التى تستخدمها العصابات الإجرامية أيضا لنقل الذهب والكوكايين. وبمجرد وصول المعادن إلى الموانئ البحرية، يعرض على موظفى الجمارك أحيانا شهادات مزورة تزعم استخراجها من مناجم مرخصة تعمل بتفويض من الحكومة، وفقا لما ذكره رومولو بيريرا برانداو نيتو، وهو موظف جمركى فى وكالة الإيرادات الفيدرالية البرازيلية، لصحيفة «نيويورك تايمز».

وصرح روبرت موغاه، الخبير فى الأنشطة غير القانونية فى الأمازون ومدير الأبحاث فى معهد إيجارابيه، بأن «السلطات فى الموانئ البحرية المزدحمة، حيث تمر آلاف الحاويات يوميًا، غالبًا ما تكون مجهزة بأدوات وخبرات مصممة لكشف الكوكايين المخفي، ولكن ليس المعادن غير المشروعة»، مضيفًا أن «غياب وسيلة سريعة لتحليل التركيب الكيميائى يجعل من الصعب على حرس الحدود التحقق من محتويات الشحنات».

وتشير التقديرات إلى أن البرازيل تمتلك ما بين 19 و23 بالمائة من الاحتياطيات العالمية للعناصر الأرضية النادرة، لتحتل بذلك المرتبة الثانية بعد التنين الصيني، إضافة إلى احتياطيات ضخمة من معادن استراتيجية مثل النيوبيوم والليثيوم والكوبالت، وبينما تطمح الدولة إلى ترسيخ مكانتها كقوة عالمية فى قطاع المعادن الحيوية، فإن تحويل هذه الثروات إلى صادرات فعالة لا يزال يتطلب وقتًا واستثمارات كبيرة. إضافة إلى ذلك، يخضع نشاط التنقيب فى البرازيل لإجراءات تنظيمية صارمة، تبدأ بالحصول على ترخيص من الهيئة الوطنية للتعدين، تليها مراجعات بيئية معقدة على المستويين الفيدرالى والولائي، قد تمتد لفترات طويلة قبل الموافقة النهائية.

كما تشير بيانات هيئة المسح الجيولوجى البرازيلية إلى أن الخرائط التفصيلية لا تغطى سوى نحو 30 فى المائة من المعادن الحيوية فى البلاد، وتنخفض هذه النسبة فى منطقة الأمازون بسبب كثافة الغطاء النباتى وصعوبة عمليات الاستكشاف.

ويشكل التعدين غير القانونى خطرًا كبيرًا على غابات الأمازون، إذ يؤدى إلى إزالة مساحات واسعة من الغطاء النباتى وتلويث الأنهار بالزئبق والمواد الكيميائية المستخدمة فى استخراج المعادن، ما ينعكس سلبًا على المياه والأسماك وصحة السكان المحليين، إلى جانب تراجع التنوع البيولوجي، كما تلعب غابات الأمازون دورًا محوريًا فى تنظيم المناخ عبر امتصاص ثانى أكسيد الكربون المسبب للاحتباس الحرارى من الغلاف الجوي، إلا أن فقدان نحو 20 فى المائة من مساحتها يثير مخاوف من اقترابها من نقطة تحول بيئية خطيرة.

ولا يقتصر أثر التعدين غير المشروع على البيئة فحسب، بل يمتد ليشمل السكان الأصليين؛ إذ يؤدى إلى تدمير أراضيهم وارتفاع مستويات النزاعات وتوسع نشاط الجريمة المنظمة، فضلًا عن انتهاكات حقوق الإنسان، بما فى ذلك إجبار بعضهم على العمل القسرى فى المناجم. وخلال الفترة من يناير إلى سبتمبر 2025، أُزيل 335 هكتارًا من الأراضى الأصلية فى حوض نهر شينغو، وفقًا لبيانات منظمة «أمازون كونسرفيشن» (برنامج رصد جبال الأنديز والأمازون)، بالشراكة مع المعهد الاجتماعى البيئى (ISA)، ولذلك تدرس البرازيل حاليًا عدة مشاريع قوانين من شأنها وضع قواعد جديدة لاستخراج المعادن الحيوية، بهدف تحسين إمكانية التتبع، وتحديد مناطق يمكن التنقيب فيها، وإعادة هيكلة الرقابة على هذا القطاع. وفى السياق ذاته، تتجه السلطات إلى توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعى وصور الأقمار الصناعية، مثل منصة «أمازون ماينينغ ووتش»، لرصد التوسع الفورى فى أنشطة التعدين غير القانونى وتوفير بيانات دقيقة للناشطين وصناع القرار.

وفى ظل تصاعد الطلب العالمى على المعادن الحيوية، وتوسع أنشطة التعدين غير القانوني، تبقى قدرة البرازيل على تحقيق توازن بين استغلال مواردها وحماية أكبر غابة مطيرة فى العالم اختبارًا حاسمًا لمستقبل المنطقة وأمنها البيئى على المدى البعيد.

أخبار الساعة