تعززت هذه الصداقة أكثر حين جمعنا العمل فى لجنة القصة والرواية بالمجلس الأعلى للثقافة لعدة دورات، وهناك اكتشفت عن قرب ذلك الإنسان البسيط، الشفاف، البعيد تمامًا عن ادعاءات الوسط الثقافى وصخبه. كان يشبه كتابته إلى حد كبير: هادئًا، عميقًا، قليل الكلام، لكنه حين يبدأ فى الحديث عن الحكاية أو الجنوب أو الناس، تشعر أن الكلمات تخرج من ذاكرة حيّة، لا من ثقافة مكتسبة فقط.
تخرج «أبو خنيجر» فى كلية العلوم، قبل أن يحصل على دبلوم فى التربية. وربما كان من المفترض، وفق هذا المسار الدراسى، أن ينتهى به الأمر إلى حياة مستقرة داخل عالم المعادلات والأرقام، لكن السرد اختطفه مبكرًا.
نشأ فى كنف الحكاية الشعبية، قريبًا من عالم الجدات والرواة والمنشدين الشعبيين، وكان يتردد على قصر ثقافة أسوان، يقرأ بنهم، ويتشرب الأساطير والحكايات والطقوس الصوفية، حتى بدا وكأن الكتابة كانت تنتظره منذ البداية.
بدأ بكتابة المسرحيات المدرسية، ثم المقالات الأدبية خلال سنوات الجامعة، قبل أن تتبلور تجربته الإبداعية بعد التخرج، ويبدأ فى تشكيل صوته السردى الخاص، ذلك الصوت الذى تأثر بوعى جيل الستينيات، لكنه انحاز بوضوح إلى الجنوب باعتباره هوية كاملة، لا مجرد خلفية مكانية.
فالجنوب فى عالمه الروائى ليس ديكورًا جغرافيًا تتحرك فوقه الشخصيات، بل كائن حيّ يتنفس ويغضب ويحلم ويتذكر. المكان لديه يمتلك روحًا وذاكرة، وله حضوره الطاغى الذى يكاد ينافس حضور البشر أنفسهم.
فى رواياته مثل «نجع السلعوة» و«خور الجمال» و«العمة أخت الرجال» لا تبدو أسوان مجرد مدينة جنوبية، بل تتحول إلى حالة شعورية كاملة؛ مكان تغمره الأسطورة، وتختلط فيه الحياة اليومية بالغرائبى، والواقعى بالروحى، والإنسانى بالأسطورى.
إنه يعيد اكتشاف الجنوب المصرى خارج الصورة النمطية التى طالما اختزلته فى الثأر والعنف والفقر. الجنوب عنده فضاء إنسانى كثيف، مليء بالشعر الخفى، والروح الشعبية، والأسئلة الوجودية الكبرى.
لا يكتب «أبو خنيجر» من الخارج، ولا يراقب شخصياته ككاتب محايد. هو يعيش داخل عوالمه السردية، ويذوب فى شخوصه، حتى تشعر وأنت تقرأه أن الراوى ليس منفصلًا عن الحكاية، بل جزء منها.
لهذا تبدو نصوصه نابضة بالحياة والحواس معًا؛ فأنت لا تقرأ المكان فقط، بل تشم رائحة الطمى بعد المطر، وتسمع صرير المراكب القديمة، وتحس بحرارة الجدران الطينية، وتلمس خشونة الأرض. يكتب بالحواس قبل الكلمات، ويصنع من اللغة تجربة حسية كاملة.
وفى هذا تكمن خصوصيته الفنية
فبينما اتجه كثير من الروائيين إلى تعقيد اللغة أو الانشغال بالتقنيات السردية الباردة، ظل «أبو خنيجر» وفيًا لجوهر الحكاية نفسها؛ لذلك تأتى نصوصه مشغولة بعناية، لكنها تبدو بسيطة وعفوية، كأنها تُروى شفاهة تحت ضوء مصباح قديم فى ليلة جنوبية طويلة.
حين تتأمل البناء الفنى فى أعماله، تكتشف سريعًا أنه لا يؤمن بالسرد الخطى التقليدي؛ فالزمن عنده لا يتحرك فى خط مستقيم، بل يدور ويلتف ويعود إلى نفسه، مثل أمواج النيل أو استدعاءات الذاكرة البشرية.
الماضى لا ينتهى تمامًا، والحاضر ليس منفصلًا عنه، بل يبدو الاثنان متداخلين بصورة مستمرة. ولهذا تأتى رواياته كبنيات موسيقية تعتمد على التكرار والإيقاع والاسترجاع، أكثر مما تعتمد على التسلسل الزمنى الصارم.
فى أعمال مثل «شق الريح» تتداخل الأسطورة مع الواقع، والحلم مع الذاكرة، والموت مع الحياة، دون حدود فاصلة واضحة.
غير أن الأسطورة لديه ليست زينة فنية أو استعراضًا فولكلوريًا، بل جزء أصيل من وعى الجماعة الشعبية فى الجنوب؛ إنها الطريقة التى حاول بها الإنسان البسيط تفسير العالم، ومقاومة الخوف، ومواجهة الفناء.
لذلك تظهر كائنات الليل، والحكايات الشعبية، والكرامات الصوفية، والرموز الغامضة، بوصفها عناصر حية داخل النسيج السردى، لا إضافات خارجية.
أما اللغة، فهى واحدة من أجمل مناطق التميز فى تجربته؛ إذ لا يكتب بفصحى معجمية متعالية، ولا يهبط إلى عامية مبتذلة، بل يصنع منطقة لغوية خاصة به: لغة شفافة، شاعرية، وإيقاعية، تستفيد من روح العامية الجنوبية دون أن تفقد فصاحتها.
كأن الجملة عنده تُقال على إيقاع الربابة
ويتجلى ذلك فى مجموعاته القصصية مثل «حديث خاص عن الجدة» و«جر الرباب» و«مشاهد عابرة لرجل وحيد» و«متاهة الذئب»، حيث تتحول اللغة نفسها إلى أداة إنشاد خفى، تحمل شجن الجنوب وإيقاعه الروحى.
لم تتوقف تجربته عند الرواية والقصة القصيرة، بل امتدت إلى المسرح وأدب الطفل والدراسات الشعبية، وكأنه يحاول الإمساك بالحكاية من كل أبوابها الممكنة.
فى الرواية كتب: نجع السلعوة، العمة أخت الرجال، خور الجمال، فتنة الصحراء، وحرخوف أمير أسوان.
وفى القصة القصيرة: حديث خاص عن الجدة، جر الرباب، مشاهد عابرة لرجل وحيد، ومتاهة الذئب.
وفى أدب الطفل: الثعلب إسكافيًا، والعنب للذئب.
وفى الدراسات الشعبية: الطرق الصوفية فى أسوان، كان يا ما كان، فى رحاب الصحراء، ومدد يا شاذلى.
نال عددًا من الجوائز المهمة، منها جائزة الدولة التشجيعية عام 2003 عن نجع السلعوة، وجائزة ساويرس عام 2007 عن العمة أخت الرجال، ثم جائزة كبار الكتّاب عام 2019 عن مجموعته مشاهد عابرة لرجل وحيد.
غير أن قيمة هذه الجوائز لا تكمن فى بُعدها الرسمى فقط، بل فى كونها اعترافًا بتجربة سردية متفردة، استطاعت أن تحقق معادلة نادرة بين العمق الفنى والقرب الإنسانى.
لكن ما يبقى فى النهاية ليس الجوائز ولا العناوين، بل الإنسان نفسه.
فأحمد أبو خنيجر، قبل أن يكون روائيًا وقاصًا، هو روح دافئة تمشى بين الناس؛ رجل لا تشعر معه بثقل المثقف المتعالى، بل بألفة الحكّاء القديم الذى يعرف كيف يصغى قبل أن يتكلم.
كل من عرفه يشعر أنه يملك نصيبًا من قلبه، وكل من قرأه يدرك أن وراء هذه النصوص روحًا مُحبة للحياة والناس والمكان.
لقد أعاد للحكاية قلبها الأول؛ ذلك القلب الذى ينبض بهمس النيل، وشوشة النخيل، وأصوات الدراويش، وحزن القرى البعيدة، والناس البسطاء الذين لا يملكون سوى الحكاية كى يقاوموا النسيان.
وإذا كان كثير من الكتّاب يكتبون كى يثبتوا وجودهم، فإن أحمد أبو خنيجر يكتب كى يحفظ أرواح الآخرين من الضياع.
ولهذا سيبقى واحدًا من أكثر الأصوات السردية المصرية صدقًا وخصوصية؛ سادنًا أمينًا لحكايات الجنوب المنسية.