فى أجواء تغمرها الصلوات والترانيم، تحيى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، بكنيسة السيدة العذراء بالمعادى، ذكرى دخول العائلة المقدسة إلى مصر عبر نهر النيل، من خلال إقامة صلوات «مباركة النيل» للتأكيد على البعد الروحى والتاريخى الذى يجمع بين مسار العائلة المقدسة والنيل فى الوجدان المصرى. وتقام المناسبة فى الأول من يونيو من كل عام، وسط أجواء روحانية مميزة، حيث يشارك البابا تواضروس الثانى، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، والآباء الكهنة وأبناء الكنيسة، فى الصلوات والتراتيل الخاصة بهذه المناسبة، إلى جانب تلاوة مزمور خاص بمباركة مياه النيل، باعتباره رمزًا للحياة والخير فى مصر عبر العصور.
وتحرص الكنيسة سنويًا على إحياء هذا التقليد، تأكيدًا للارتباط التاريخى والروحى بين رحلة العائلة المقدسة ونهر النيل، الذى ارتبط فى الوجدان المصرى بمعانى البركة والعطاء والحياة. وتمثل صلاة مباركة النيل رسالة روحية تدعو إلى الحفاظ على نعمة المياه، والصلاة من أجل سلامة مصر وشعبها. كما تعد كنيسة المعادى من أبرز محطات مسار العائلة المقدسة فى مصر، إذ تشير الروايات الكنسية إلى عبور العائلة المقدسة من هذه المنطقة عبر نهر النيل خلال رحلتها داخل الأراضى المصرية.
وقال بيشوى فخرى، الباحث فى الشأن القبطى، إن الأول من يونيو من كل عام، والذى يوافق 24 بشنس بحسب التقويم القبطى، يحتفل فيه الأقباط بذكرى مجيء العائلة المقدسة إلى مصر، وهو الحدث الذى خصّ الله به مصر دون غيرها من دول العالم. فهذه الزيارة ارتبطت بعدد من الأحداث والمواقع الجغرافية داخل مصر، ما أسهم فى تخليدها وإثراء مكانتها فى التاريخ المصرى والقبطى.
وأوضح أن رحلة العائلة المقدسة إلى أرض مصر لم تكن سهلة، بل كانت رحلة شاقة ومحفوفة بالمخاطر والمتاعب والآلام، إلا أن البركة خرجت من قلب المعاناة، إذ تحولت الأماكن التى مرت بها العائلة المقدسة إلى مزارات دينية ومواقع حج مقدسة، كما نشأت فى كثير منها الأديرة والكنائس وتجمعات النساك.
وأكد «فخرى» أن بعض الأدبيات المتحولة بالغت فى سرد عجائب مرتبطة برحلة العائلة المقدسة، غير أن الواقع يعكس حالة حقيقية من التدين الشعبى والروحانية العميقة، وهو ما وثقه مؤرخون ورحالة عبر مختلف العصور. كما أن نهر النيل حظى بارتباط وثيق برحلة العائلة المقدسة أكثر من أى مكان آخر، إذ شربت العائلة من مياهه وسارت عبره خلال رحلتها داخل الأراضى المصرية، ما عزز مكانة النيل فى الوجدان القبطى والمصرى عمومًا، فلم يكن مجرد مصدر للمياه، بل رمزًا للحياة والمحبة وموطنًا للاحتفالات والصلوات.
كما لفت إلى أن تاريخ الطقوس فى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية ارتبط ارتباطًا وثيقًا بنهر النيل، إذ عرفت كنيسة الإسكندرية أربع خدمات طقسية كانت تُقام على ضفافه، وهي: خدمة تقديس المياه فى عيد الغطاس، وصلاة مباركة مياه النيل، والصلاة من أجل ارتفاع منسوب المياه عند تأخر الفيضان، إلى جانب صلاة تقديس مياه النيل فى عيد الصليب، والتى يشتهر بها الدير المحرق. والتاريخ الكنسى سجل العديد من الوقائع التى ارتبطت بصلوات الباباوات من أجل النيل خلال فترات انخفاض منسوبه، حيث يذكر التاريخ صلاة البابا ميخائيل الأول، البطريرك الـ46 للكنيسة القبطية، بين عامى 743 و767 ميلاديًا، إذ صلى مع الشعب لمدة ثلاث ساعات، وأقاموا قداسًا على ضفاف النيل، ثم ألقوا بمياه غسل أوانى الصلاة فى النهر، فارتفع منسوب المياه ثلاثة أذرع، وهو ما عزز آنذاك مكانة الكنيسة وعلاقتها بالوالى.
وأضاف أن الواقعة تكررت فى عهد البابا يؤانس الحادى عشر، بين عامى 1427 و1452 ميلاديًا، عندما سمح السلطان الأشرف برسباى للأقباط بإقامة الصلوات طلبًا لارتفاع مياه النيل، وهو ما تحقق بالفعل. كما شهد العصر الحديث واقعة مشابهة خلال عهد البابا بطرس السابع، بين عامى 1809 و1852 ميلاديًا، حين صلى أمام ضفاف النيل بعد فترة من انخفاض منسوب المياه، وألقى بمياه غسل أوانى الصلاة فى النهر. والصلوات القبطية لا تزال تتضمن حتى اليوم طلبات خاصة من أجل النيل باعتباره شريان الحياة فى مصر.
وقال «فخرى» إن الأقباط ظلوا يحتفلون بعيد الغطاس على ضفاف النيل حتى عهد الحاكم بأمر الله، الذى منع إقامة الاحتفالات على شاطئ النهر، ومنذ ذلك الوقت انتقلت مراسم الاحتفال إلى داخل الكنائس، ليظهر ما يعرف بالمغطس كبديل رمزى للنيل فى هذا الطقس. كما أن نهر النيل كان يمثل لدى الأقباط امتدادًا رمزيًا لنهر الأردن، الذى شهد معمودية السيد المسيح.
ولفت إلى أن البابا تواضروس الثانى دعا، خلال احتفالات عام 2023، إلى منح مسار رحلة العائلة المقدسة مكانة أكبر داخل المناهج الدراسية، وأن يتحول الأول من يونيو إلى مناسبة تحتفل بها مصر باعتباره عيدًا قوميًّا، مع ضرورة تعزيز الوعى بقيمة هذا التراث المصرى الفريد، والحفاظ عليه باعتباره جزءًا من الهوية الوطنية الجامعة للمصريين، مسلمين وأقباطًا، الذين يعيشون على أرض واحدة ويشربون من نبع النيل ذاته.