رفع طه حسين شعار إعمال العقل منذ أن وطأت أقدامه قاعة الدرس، سواء بأروقة الأزهر الشريف أو السوربون بباريس، لقد أكد لنا إيمانه بالدراسة الموضوعية وغير المنحازة لتراث الأجداد فى مرحلة كان السواد الأعظم يُفضِّل النقل على إعمال العقل، وقد جاء فى كتابه الشعر الجاهلى المنشور 1926، وتسبب صدوره بعاصفة مدوية زلزلت أركان المجتمع المصرى، وذهبت بالجميع لساحات المحاكم ليُحطم النزعة المحافظة والجمود الذى كان يتعامل به الجميع مع تراث الأجداد، واختار حرية الفكر وحصل على مهمة الحفاظ على هوية الكتابة المصرية وترسيخها لدى المصريين.
وقد أكد الشيخ رفاعة رافع الطهطاوى الذى كان فى باريس فى ذلك الوقت أن طه حسين قد تمكَّن فى مطلع القرن العشرين من إبراز أسرار الثقافة اليونانية والرومانية القديمة، ووضع أمامه فى فترة مبكرة ما يمكن أن تقوله هذه الثقافة.
كتاب «جنة الحيوان» يقع فى 180 صفحة يُباع بالثقافة الجماهيرية بسبعة جنيهات فقط، وهو مبلغ لا يغطى حتى سعر الورق الذى طُبِع عليه، لذلك فإن الدور الذى تقوم به الثقافة الجماهيرية مهم للغاية خاصة بالنسبة للأقاليم ومن يعيشون خارج القاهرة وما أكثرهم.
يكتُب جرجس شكرى إن طه حسين الذى شك فى قيمة الأدب الجاهلى وألحَّ فى الشك كما يقول هو فى كتابه الشعر الجاهلى الذى صدر 1926، بل تجاوز الشك إلى العصور التالية كما فعل مجنون ليلى، لقد ذهب طه حسين إلى غابة التراث العربى فى مطلع القرن الماضى وليس فى رأسه سوى البحث عن ظلال لهذا الشك، وذهب غيره بعد عقودٍ لنفس الغاية، ولديهم أفكار يريدون التحقق من صحتها والبحث عن أصولها.
ولكن من المؤكد أن طه حسين انصرف إلى البحث عن المعنى الفنى واللغوى، ودرس تراثنا الشعرى دراسة جيدة، وكان قد ذهب منذ قرنٍ مضى إلى غاية هذا التراث، وقد تحرر من كل شئ يعلمه قبل ذلك، وها نحن الآن نحمل الأغلال والقيود التى حطمها طه حسين ما يقرب من مائة عام، وكنت وما أزال أسائل نفسي: لماذا لم يتجاوز طه حسين وبعد نصف قرنٍ من رحيله كل هذه القيود؟
إننا نحن الذين فى أمس الحاجة إلى تجديد ذكرى هذا المُجدِدْ، وأن نقدمه للأجيال الجديدة من أجيال القرن الحادى والعشرين بطريقة جذابة تخضع إلى إعمال العقل والانحياز إلى حرية الفكر.
وقد كان من حُسن حظى أن أجريت معه مقابلة فى أيامه الأخيرة ونُشرت وقتها فى مجلة المصور بدار الهلال وتحدَّث خلالها بحرية كاملة عن حال اللغة العربية التى تركناها تتدهور ووصلت إلى ما وصلت إليه، وكان صوته يعلو عندما تدعوه الحاجة لذلك، ويخفت عندما يُعبِّر عما ارتفع صوته من أجله، كان صوتاً للحق والبلاغة العربية واللغة العربية والحضارة المصرية العربية الأصيلة.
وما أزال أذكر بعد كل هذه السنوات أن الرجل كان يرفع صوته ليوصل إلىَّ قيم الحق والعدل التى يريد توصيلها وأنه لم ينطق بحرفٍ عامى واحد، وكل ما خرج من فمه كان من الفُصحى العربية التى ورثناها من الحضارة العربية العظيمة، والتى يجب أن نحافظ عليها وأن نعتبرها تراثاً مهما نتمسك به إلى يوم الدين.
كان لقائى به لقاء جيل بجيل، واستفدت منه أكثر بكثير مما نشرته وقتها فى مجلة المصور، واعتبرت هذا اللقاء حدثاً من أهم أحداث عُمرى كلها، وأعترف الآن وبعد كل هذه السنوات الطويلة أنه كان من أهم ما مر بى.
إنه كتاب يحيى من قيمة اللغة العربية الفصيحة، ويدعونا إلى استخدامها، وينبهنا إلى عدم الركون للعامية المصرية بما فيها من سهولةٍ ويُسر، لأن لغتنا الأصلية هى الأصل والأساس فى حياتنا، بل إنه يدعونا إلى الفُصحى حتى ولو كان استخدامها قد يسبب لنا قسوة لا نحتملها، فهى أهم وأبقى وأكثر خلوداً فى معركة الزمن.