رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

النهج النبوى فى دحر التبعية (2)


27-3-2026 | 11:00

.

طباعة
بقلـم: د. محمود مالك علوان

طرحنا فى مقالنا السابق رؤيتنا للفكاك من مسار التبعية بطرح البديل النبوى عامة والصوفى خاصة، ونواصل اليوم حديثنا عن النهج النبوى فى الاستقلال الفردى والمجتمعى والأممى، وكيفية دحر التبعية، لقد توقفنا فى مقالنا الأول عند تشخيص الوضع، وبدأنا بالبعد النبوى، الطبقى والاجتماعى، والسياسى، وفى هذا المقال نتوقف عند البعد الأنثربولوجى ثانيا، والبعد الاقتصادى ثالثا، مع المقارنة بين الحالة العربية، والحالة الصهيونية، على أن نستكمل ما بدأناه فى المقالات المقبلة.

 
 

بداية إن المقصود بالبعد الأنثربولوجى، هو كيفية إنتاج المواطن التابع، وثقافة الخوف، ولفهم هذا المصطلح نقوم بتفكيكه وتشريحه، إن ثقافة الخوف والطاعة العمياء تنتج لنا (المواطن السلبى)، الذى ينتظر الخلاص من الخارج، فى المقابل يستند نجاح اللوبى الإسرائيلى والصهيونى إلى قاعدة شعبية نشطة فى الولايات المتحدة الأمريكية، فبينما يتظاهر آلاف الأمريكيين أسبوعيًا احتجاجًا على العدوان على غزة، ويصوت 60 فى المائة من الناخبين الديمقراطيين لصالح فرض شروط على تدفق المساعدات الأمريكية إلى إسرائيل، لا تزال الجاليات العربية والإسلامية تعانى من شلل فى قدرتها على الدفاع المشروع عن نفسها، وتقف عاجزة عن فعل شيء منظم وفعال ومؤثر!

وهنا يأتى دور مدرسة التصوف فى بناء الإنسان المتوازن القادر على المواجهة، فالتصوف يسهم فى تزكية النفوس، ما يؤدى لتكوين أفراد متوازنين أخلاقيا وروحيا، مع البعد عن التطرف بنشر قيم الإسلام السمحة، والتصوف سلوك يتضمن قيما أخلاقية راقية تجسد البعد الإنسانى ومستوى الارتقاء الأخلاقى عند الفرد، وهو المدخل لتحقيق التسامح بين الأديان، ونبذ التعصب الدينى، الذى يعكس كراهية الآخر المختلف فى العقيدة.

والبعد الاقتصادى هو العنصر الثالث فى تشخيص حالة التبعية، ونعنى به هنا (لعنة الموارد واقتصاد الأزمات)، لأن هذا النمط يخلق نخبا طفيلية بالضرورة، لأنها لا تستثمر فى التصنيع والتنويع الاقتصادى وخلق فرص العمل، بل تكرس لـ(اقتصاد الريع)، الذى يربطها بالسوق العالمية، بدلا من السوق المحلية أو الإقليمية، والأخطر هو (اقتصاد الأزمات) فالنخب الحربية تستفيد من استمرار النزاعات والصراعات عبر السمسرة فى صفقات السلاح، والتهريب والمساعدات الخارجية المشروطة.

وفى الوقت الذى تعانى فيه منطقتنا من (اقتصاد ريعى) و(نخب طفيلية)، يظهر اللوبى الإسرائيلى والصهيونى نموذجا مختلفا لاستثمار النفوذ المالى، مثل أموال (إيباك)، التى تستخدم لدعم المرشحين الموالين، بإنفاق تجاوز 28 مليون دولار فى (دورة 25- 26م)، وهى أموال فاعلة جدًا ومنظمة، وتحقق عوائد استراتيجية هائلة تتمثل فى استمرار تدفق المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل، وهى بمليارات الدولارات سنويا، إضافة للدعم الدبلوماسى فى المحافل الدولية، وحماية الكيان الإسرائيلى من أى عقوبات أو قرارات دولية باستخدام الفيتو الأمريكى فى مجلس الأمن!

وهنا نطرح النموذج الاقتصادى لمنطقتنا للخروج من الريع إلى الإنتاج، وبناء التمويل الذاتى، أى بناء اتحاد إقليمى ناجح ببناء قاعدة مادية صلبة، فالحل لا يكون بمجرد تنسيق تجارى هش، بل ببناء (اقتصاد المعرفة والتصنيع المشترك)، عبر الآلية الآتية، ويأتى على رأسها، توطين الصناعات الاستراتيجية مثل (الرقائق الإلكترونية، والأدوية، والطاقة المتجددة، والصناعات الدفاعية) بجهد إقليمى مشترك، هذا هو المدخل الحقيقى لكسر التبعية، وخلق تشابك مصلحى لا يمكن فكه.

ولضمان استقلالية المسار السابق، لا بد من إنشاء (صناديق سيادية شعبية)، و(أوقاف تنموية عابرة للحدود)، تستثمر أموال الجاليات والمغتربين فى هذه المشروعات الاستراتيجية، وتلك الصناديق يجب أن تدار بكفاءة وشفافية، وتكون مستقلة، لتكون بمثابة (رأس المال الصلب)، للمشروع الإقليمى، فيضمن استدامته ويحصنه من الضغوط الخارجية.

 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة