عند الحديث مع الدكتور محمد مجاهد الزيات، المستشار الأكاديمى للمركز المصرى للفكر والدراسات الاستراتيجية، عن حرب إيران فإنه يضعها فى سياقات أوسع، متطرقًا للوضع العسكرى الراهن على الأرض، والتأثيرات الاقتصادية والأمنية، وصولًا إلى الارتدادات الاستراتيجية على مستقبل الشرق الأوسط ذاته.
على مدار عقود شاهد «الزيات» عن كثب التحولات الكبرى فى المنطقة، وتابعها عن قرب بحكم عمله وكيلاً لمجلس الدفاع الوطنى سابقًا، ثم بعين المفكر الاستراتيجى الكبير، ليقدم الآن قراءة معمقة وشاملة لكل ما يجرى فى ساحات الصراع والتوازنات.. وما ينتظره هذا الإقليم المأزوم.
«الزيات» شدد على أن زيارة الرئيس السيسى لدول الخليج جاءت تأكيدًا على مفاهيم مصر القومية باعتبار هذه الدول جزءًا من الأمن القومى المصرى، وتقديم «الدعم المطلوب»، ومع ذلك أشار إلى دور القاهرة فى الوساطة الجارية الآن، والتواصل مع الأطراف الرئيسية فى المشهد لوقف آلة الحرب.. وإلى نص الحوار:
بداية.. الرئيس السيسى أجرى جولة خليجية شملت 4 دول.. كيف تقرأ توقيت تلك الزيارة ودلالتها؟
الزيارة جاءت لتأكيد أن أمن هذه الدول جزء من الأمن القومى المصرى، وأن مصر حريصة على تقديم الدعم المطلوب.. وقد أسفرت عن نتائج إيجابية، وأوضح الرئيس السيسى أن مصر مستعدة لتقديم أية مساعدات تطلبها هذه الدول.
وكان من الضرورى القيام بهذه الجولة للوقوف إلى جانب الأشقاء الذين ساندوا مصر فى أوقات الأزمات، وحرص الرئيس السيسى على تأكيد مبدأ «وحدة المصير»، وأن أمن الخليج يُعد امتدادًا مباشرًا للأمن القومى المصري، وهو ما يمنح الزيارة بُعدًا استراتيجيًا، وتأكيدًا على التزام مصر بالوقوف إلى جانب أشقائها فى أوقات الأزمات، بما يعزز من تماسك الجبهة العربية فى مواجهة التحديات الراهنة.
ما حدود الدور المصرى فى ظل تعقيدات المشهد الإقليمى الراهن.. خاصة فى ظل حملات ممنهجة للتشكيك فى تحركات القاهرة؟
تقوم مصر بمحاولات للوساطة مع إيران لوقف الحرب على دول الخليج، وأعتقد أن حديث الرئيس السيسى مع الرئيس الإيرانى تناول هذه النقطة، كما تستطيع مصر أيضًا الضغط على إيران فى هذا الشأن، فى حدود هذا المستوى.. وهناك العديد من الاتصالات التى تتم على المستوى الرئاسى وكذلك مستوى وزير الخارجية للتشديد على ضرورة وقف العمليات العدائية تجاه دول الخليج، مع العمل على تهدئة التصعيد الإقليمى، والتوصل إلى حلول لوقف الحرب.
ما تداعيات الحرب الراهنة على مصر؟
أعتقد أن مصر، مثلها مثل دول المنطقة والعالم بأكمله، بدأت تعانى من الآثار الاقتصادية لهذه الحرب، وستستمر هذه المعاناة، وهناك تقارير تشير إلى أن ارتفاع أسعار الغاز والبترول سيستمر حتى لو فُتح مضيق هرمز، لأن تأخر ووقف الإنتاج لفترة سيؤثران بصورة كبيرة.
والأسوأ من ذلك أن المشتقات البترولية التى كانت تخرج من منطقة الخليج، خاصة لمصانع الأسمدة، أدت إلى تعطل هذه المصانع وارتفاع الأسعار، وبالتالى سيرتفع سعر الغذاء على مستوى العالم، وستعانى مصر من ذلك أيضًا.
وفيما يتعلق بالأمن القومى المصرى.. ما التحديات التى تواجهه إذن؟
مصر تعانى منذ أكثر من 10 سنوات من تهديدات على كافة المستويات والحدود، ويضاف إلى ذلك أن التوتر فى الخليج ينعكس مباشرة على التوتر فى البحر الأحمر، مما يؤثر على الأمن القومى المصرى بشكل مباشر ويزيد الضغوط.
كما أن زيادة التوتر فى الإقليم تتطلب قدرات عسكرية واستعدادات لمواجهته على جميع المستويات، كما أن التمدد والصلف الإسرائيلى فى المنطقة يمثلان خطرًا يجب الاستعداد له.
مصر طالبت مجددًا بضرورة تشكيل «قوة عربية مشتركة».. هل تتجاوب الدول العربية؟
مصر طرحت قضية القوة العربية المشتركة عدة مرات وآخرها عام 2015، وطالبت بأن يكون هناك قوة عربية لمواجهة أى تهديدات تتعرض لها أى من الدول العربية، ورغم الموافقات التى تمت، إلا أن الدول العربية لم تتخذ أى خطوات فعلية على هذا المستوى.
ومصر عندما تطرحها فى هذا الوقت فى ظل ما يشهده الخليج من تطورات ومن حرب ومن تهديد لدول شقيقة عربية، إنما تقصد أن يكون هناك موقف عربى محدد، وأن تكون هناك قوة عربية عسكرية تستطيع أن تقدم الدعم العسكرى للدول التى تتعرض لها.
وعندما طرحت مصر ذلك، هى تدرك تماماً أن هناك عدداً من الدول العربية لا تشجع على قيام هذه القوة، ولكنها تسعى لأن تكون هناك قوة عربية وازنة تدعم الاستقرار بمن يرغب من الدول العربية فى ذلك، وهو أمر غاية فى الصعوبة؛ لأن هناك دولاً ليست لديها القدرة على المشاركة، كما أن هناك دولاً أخرى تختلف فى وجهة نظرها فيما يتعلق بالتهديدات التى تتطلب وجود هذه القوة.
كيف تقرأ تطورات الحرب على إيران حتى الآن.. هل نحن أمام تصعيد مفتوح أم حرب محسوبة ربما بلغت ذروتها؟
هى ليست حربًا محسوبة، لأن الحرب تتدحرج نحو تطورات مختلفة، وهذا الأسبوع يشهد تصعيدًا شديدًا، منذ أن أعطى الرئيس الأمريكى دونالد ترامب مهلة 48 ساعة لإيران لفتح مضيق هرمز، قبل أن يعلن وقف العمليات العسكرية لمدة 5 أيام بعد فتح باب التفاوض مع إيران، كما أن هناك ترتيبات لعمليات برية محدودة، سواء للاستيلاء على جزيرة خارك الإيرانية، أو من خلال قوات المشاة البحرية (المارينز) التى بدأت تتوافد إلى المنطقة، والطائرات البحرية المخصصة لذلك.. وبناء عليه، نحن أمام تصعيد قد يستمر عدة أسابيع.
هل لا يزال لدى إيران القدرة على التصدى لمثل هذا التصعيد الأمريكى والإسرائيلي؟
مجرد صمود إيران سيجعلها تعتبر نفسها منتصرة.. فإيران لن تنتصر على إسرائيل والولايات المتحدة، لكن إذا استمرت فى الصمود لفترة أطول ستعد ذلك نصرًا بالنسبة لها.
ولا توجد تقديرات موثوقة لحجم الصواريخ التى تمتلكها، وقد أعلنت الولايات المتحدة وإسرائيل أنه تم تدمير معظم مراكز إنتاج الصواريخ ومخزونها، ومع ذلك لا نزال نرى صواريخ حتى الآن، بل وتقصف أهدافًا فى الداخل الإسرائيلى إلى الآن.
إيران لا تزال تستهدف دول الخليج.. هل يمكن أن تدفع هذه التطورات دول الخليج نحو تصعيد أكبر أم تحافظ على رد فعلها؟
إيران استهدفت دول الخليج بالفعل، فلم تكتف بضرب القواعد الأمريكية، بل استهدفت أهدافًا بترولية وأخرى متعلقة بالغاز الطبيعى، إضافة إلى أهداف مدنية متعددة.
ومع ذلك، فدول الخليج تضبط نفسها حتى الآن لتجنب توجيه ضربات إلى إيران، فى حين تهدد إيران بأنه إذا استولت الولايات المتحدة على جزيرة خارك فستضرب جميع محطات الطاقة فى دول الخليج.
إذن، هناك عدوان إيرانى واضح على دول الخليج يتصاعد يومًا بعد يوم، لكن فى المقابل تدرك هذه الدول أن الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع إيران قد يفتح بابًا لتصعيد إقليمى شامل يصعب احتواؤه، خاصة فى ظل تشابك المصالح الاقتصادية وأمن الطاقة العالمي، لذلك، تميل دول الخليج إلى تبنى سياسة «ضبط النفس»، مع تعزيز دفاعاتها دون الانزلاق إلى ردود فعل قد تفجر الأوضاع.
ما أهداف إيران من استمرار استهداف دول الخليج؟
إيران تتصور أنها ليست لديها القدرة على ضرب أهداف أمريكية مباشرة ومؤكدة، وأن معظم ضرباتها على القطع البحرية والأهداف والقواعد الأمريكية يتم إسقاطها بواسطة أنظمة الدفاع الجوي، كما أن القيادة المركزية الأمريكية تمتلك قدرات عسكرية كبيرة لا تستطيع إيران مواجهتها، لذلك تضغط على دول الخليج، باعتبار أن استهدافها قد يدفعها للضغط على الولايات المتحدة.
لكن الواقع أن إيران تهدد وجود الدول الخليجية ذاتها، وهو عدوان غير مبرر على الإطلاق؛ فبدلًا من استهداف مناطق أو أهداف عسكرية أمريكية، تضرب منشآت غاز فى أكبر حقل غاز فى قطر، متصورة أنها تحرك المجتمع الدولى للضغط على أمريكا.
البعض يتصور أن دول الخليج ربما تخرج من هذه الحرب لتراجع شراكاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة.. هل يحدث ذلك؟
مَن يحمى دول الخليج الآن فى مواجهتها لإيران؟.. دعنا نؤكد أنه بعد الحرب ستكون هناك مراجعات لكل شيء، ولن يتغير موقف دول الخليج فقط، بل ستتغير المنطقة بأكملها.. هناك تطورات خطيرة وتداعيات اقتصادية سيعانى منها الجميع.
لأى شكل ستكون طبيعة هذا التغيير؟
لا يستطيع أحد أن يحكم على ذلك الآن، فهذا التنبؤ لا يستند إلى أسس علمية، فلا يمكن التقدير إلا بعد معرفة كيف ستنتهى الحرب، وما شكلها، وهل ستبقى إيران على ما هى عليه، أم ستضعف، أم سينهار النظام والدولة.. وفى ضوء كل سيناريو سيكون هناك متغير يصاحبه.
ما انعكاسات الحرب على إيران بالوضع فى قطاع غزة.. وهل تتأثر خطة ترامب للسلام؟
عندما بدأت الحرب على إيران، نسى الجميع قطاع غزة.. هل يسمع أحد عنه هذه الأيام؟، وأين مجلس الأمن الذى كان من المتوقع أن يسمح بدخول القوة التى ستدير الأمور هناك؟.. أعتقد أن هذا جزء من هدف إسرائيلى لتعطيل كل ما يجرى فى غزة من اتفاقات.
نتنياهو لا يزال يتحدث عن إعادة تشكيل الشرق الأوسط الجديد.. هل لا يزال يراوده أوهام «إسرائيل الكبرى»؟
فى الحقيقة، ليست هذه أوهامًا، بل هى استراتيجية لمشروع سياسى إسرائيلى بدأ يتمدد.. فعندما يتمدد فى سوريا ويحتل مناطق منها، وعندما يُضرب حزب الله فى لبنان وتُجتاح مناطق برية هناك، وعندما تُحجم إيران فى هذا المجال، فإن ذلك يمثل تمددًا لمشروع طرحه نتنياهو وما زال يُعرف بـ»إسرائيل الكبرى»، وهو مشروع ينبغى الانتباه له جيدًا وأخذ كل الحيطة للتصدى له.
كيف سينعكس ما يحدث على شكل النظام الإقليمى فى الشرق الأوسط؟
هذا ما أشارت إليه؛ فهناك مشروع سياسى إسرائيلى منذ البداية للتمدد، أمامه مشروع سياسى إيراني، إضافة إلى مشاريع إقليمية أخرى مثل تركيا.. وكل هذه الدول تسعى لأن تكون قوة إقليمية عظمى فى غياب قوة عربية وازنة.
وطالما طالبت مصر بوجود نوع من التحالف العربى لمن يرغب بالحضور ليكون قوة عربية موازنة للمشروعات الثلاثة، فإن غياب أو ضعف أى دولة، مثل ضعف إيران، يتيح للدول الأخرى الراغبة فى فرض هيمنتها على الإقليم التمدد.
إلى متى تستمر الحرب الراهنة.. ترامب ذكر فى البداية أنها أيام ثم أسابيع ثم ندنو من الشهر الثاني؟
لا يستطيع أحد أن يحدد ذلك، فهذا السؤال لا أستطيع الإجابة عنه.. تصريحات الرئيس ترامب متناقضة بين وقت وآخر، ولا يمكن تحديد مدة استمرار الحرب بناءً عليها.
هل تناقض تصريحاته مقصود أم جزء من طبيعة شخصيته؟
هى طبيعة شخصيته هكذا؛ يعطى تصريحات ثم ينقضها.. فيقول أحيانًا «حققنا انتصارًا» ثم يعود ويضيف «لا بد أن نترك مضيق هرمز للدول المستفيدة، نحن لا نستفيد»، ثم يعود ويقول «سنفتح مضيق هرمز».. وكلها تمارس نوعاً من الخداع فيما يتعلق به فى تعامله مع إيران.