رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

سلاطين التلاوة المنسيون.. القارئ الذى تحدى الظلام


27-3-2026 | 11:00

.

طباعة
بقلم: محمد جادالله

ليس كلُّ من فقد البصر عاش في الظلام، وبعضهم يا صديقي كان يرى أكثر مما نرى جميعًا. تخيَّل المشهد قبل أن تكمل القراءة: رجل كفيف يجلس في صدر المجلس، وجهه ساكن كأنَّ عليه سكينة لا تهتز، وابتسامة خفيفة لا تشبه ابتسامات المجاملة، بل ابتسامة من يعرف يقينًا داخليًا لا يتزعزع. لا يُحدِّق في أحد، لكنه يبدو كأنه يرى ما وراء الجدران والوجوه. وحين يبدأ في التلاوة، لا تشعر أنك أمام صوتٍ فقط، بل أمام رؤية تتشكَّل في الهواء، كأن الكلمات تُضاء من الداخل. هنا ندخل إلى عالم أحمد أبو المعاطي، المعجزة الضاحكة، والمبصر بقلبه، والرجل الذي لم يسمح للظلام أن يفرض تعريفه للنور.

 

قصته ليست قصة قارئٍ تحدَّى إعاقة، بل قصة روحٍ أعادت ترتيب العالم من الداخل. اعتدنا أن نربط التلاوة بالحزن والوجوه الصارمة، وبالصوت الذي يقطر رهبة، لكنه جاء ليبدِّل الصورة بهدوء وثقة، كان يضحك، لكن ضحكته لم تكن خفة، بل طمأنينة عميقة، كانت تقول إن القرآن ليس فقط رسالة خوف، بل رسالة أُنس، وأن العبد لا يقترب من ربه بالرهبة وحدها، بل بالمحبة أيضًا. عزيزي القارئ، حين تسمع تسجيلاته ستفهم أن الضحكة لم تكن خارج صوته، بل تسكن طبقاته، تظهر في نبرة وتختبئ في مدٍّ طويل كأنه حضن مفتوح.

فقدان البصر عنده لم يكن فراغًا، بل إعادة توزيع للحواس. حين لا ترى الوجوه، تبدأ في سماع القلوب، وتلتقط تموجات المشاعر في الصمت نفسه، كان ينتقل بين المقامات لا كمن يؤدي درسًا محفوظًا، بل كمن يتحرك فوق خريطة داخلية مضيئة. لم يكن اختيار البياتي أو الصبا أو السيكاه قرارًا تقنيًا، بل استجابة دقيقة لمناخ الآية. يا صديقي، هناك فرق بين من يختار المقام لأنه مناسب، ومن يختاره لأنه يرى المعنى من الداخل. أبو المعاطي كان من النوع الثاني، وكان هذا سرُّ فرادته.

كثيرون يستخدمون مقامًا للتعبير عن الحزن، لكنه كان يفتِّش داخل الحزن نفسه. أيُّ حزن تقصد الآية؟ حزن الفقد، أم التوبة، أم الاشتياق، أم رهبة الوقوف بين يدي الله؟ كان يضغط على الدرجة الصغيرة في المقام بدقة، فلا يزيد ولا ينقص، وهنا تتحول التلاوة من أداء إلى تشريح روحي، ومن عرض صوتي إلى تجربة وجدانية كاملة تبقى أثرًا في الداخل، حتى بعد أن يسكت الصوت، وكأن المعنى يواصل التردُّد في أعماقك طويلًا.

ثم تأتي ثورته الهادئة، بينما مالت المدارس الحضرية إلى الانضباط الصارم، خرج هو من عمق الريف المصري بنبرة مختلفة، فيها شجن الأرض واتساع السماء. لم يعلن تمرُّدًا، لكنه أدخل ظلالًا لحنية مستلهمة من هذا الوجدان، وصهرها في إطار وقور لا يخرج عن جلال النص، وهكذا أعاد تشكيل العلاقة بين المقام والمعنى بإزاحة دقيقة غيَّرت الخريطة دون ضجيج، وكأن التجديد الحقيقي لا يحتاج إلى صخب بقدر ما يحتاج إلى صدق وإخلاص.

وتُروى عنه حكاية أنه في إحدى القرى سُئل كيف سيصل إلى المسجد، فابتسم وقال: دعوني أمشِ أمامكم، ثم سار حتى وصل. وحين تعجَّبوا، قال إنه سمع صوت المئذنة. قصة بسيطة تختصر منهجه: لم يكن يرى الطريق بعينيه، لكنه كان يسمع الاتجاه بروحه وربما هذه هي أعظم دروسه لنا؛ أن الهداية ليست دائمًا في وضوح الرؤية، بل في صفاء السمع الداخلي، وفي الثقة بأن للنور طرقًا لا تدركها الأبصار.

يا عزيزي، أعظم ما فعله لم يكن مجرد ابتكار موسيقي، بل إعادة تعريف الوجد، الوجد عند كثيرين دمعة، أما عنده فكان سكينة. كان بإمكانه أن يجعلك تبكي، لكنه كان قادرًا أيضًا أن يجعلك تبتسم وأنت تستمع كأن القرآن عنده ليس فقط نجاة من عذاب، بل دعوة إلى طمأنينة تعيد ترتيب الفوضى في الداخل، وتضع كل شيء في مكانه الصحيح، وتمنح القلب توازنًا كان يفتقده.

وأنا أكتب لك الآن أشعر بشيء من القلق يا صديقي أخاف أن تمرَّ هذه الكنوز مرورًا عابرًا، وأن يكبر جيل لا يعرف الفرق بين صوت يُتلى وصوت يُعاش، بين تلاوة تُسمع وتلاوة تُربِّي وتصنع إنسانًا مختلفًا. لأن تجربة مثل تجربة أحمد أبو المعاطي لا تُستهلك، بل يُنصت لها بقلب كامل، وبروح مستعدة أن تتغيَّر.

ونحن نصل إلى ختام هذه السلسلة، لا أراه وداعًا بقدر ما أراه لحظة مسؤولية واختبار. لقد سرنا مع أصوات صنعت وجدان أمة، واكتشفنا أن التلاوة ليست حنجرة فقط، بل ضمير، وليست مقامًا فحسب، بل موقف من الحياة، وانحياز دائم للنور في مواجهة العتمة، وللجمال في مواجهة القسوة.

أما الآن، فالسؤال ليس ماذا قرأنا.. بل ماذا تغيَّر فينا. إن مرَّت هذه السطور مرورًا عابرًا، فقد خسرنا جميعًا. وإن بقي منها شيء يطرق قلبك كلما سمعت آية، فاعلم أن الأثر بدأ يعمل. بعض الأصوات لا تموت لأنها لم تكن صوتًا فقط، بل كانت معنى يسري في الدم، وذاكرة تحفظ هوية أمة كاملة. وإن كنت قد وجدت هنا ما يشبهك، فلا تكتفِ بالإعجاب؛ انتظر القادم، وابحث عن المقالات القادمة كما تبحث عن صوت نادر في زمن الضجيج، وعد إلى هذه السلسلة كلما شعرت أن العالم يزداد صخبًا. لأن الحكاية لم تُغلق صفحتها الأخيرة بعد، ولأن ما لم يُحكَ بعد أعمق مما قرأت، وأبقى مما تظن، وربما أكثر قدرة على أن يغيِّرك من الداخل تغييرًا لا رجعة فيه.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة