رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

د. محمد حسانى.. مساعد وزير الصحة لشئون مبادرات الصحة العامة: الاستثمار فى صحة الإنسان رهان رابح


27-3-2026 | 11:08

الزميلة إيمان النجار أثناء حوارها مع د. محمد حسانى

طباعة
حوار: إيمان النجار عدسة: إبراهيم بشير

«فكر جديد داخل القطاع الصحى فى مصر»، واحد من أبرز الأمور التى حملتها الدقائق الأولى لحوار الدكتور محمد حساني، مساعد وزير الصحة لشئون مشروعات ومبادرات الصحة العامة، مع «المصور»، كاشفًا أن هذا الفكر الجديد تمثل فى «عقيدة الكشف المبكر واكتشاف الأمراض فى مرحلة مبكرة، وربط الحالات المكتشفة ببرامج علاجية».

«د. محمد» تحدث عن تفاصيل حصاد مبادرات الصحة العامة وتحسين المؤشرات الصحية للأمراض منها تحسن مؤشرات الإصابة بفيروس سي، الأنيميا والتقزم والسمنة، لافتًا إلى أن مبادرة الفحص السمعى أصبحت قصة نجاح كبيرة ، ومشيرًا أيضا إلى أنه من المؤشرات المهمة انخفاض المعدلات السنوية للوفيات بسبب بعض الأمراض منها فيروس سى والضغط والسكرى وسرطان الثدي.

«د. محمد»، تطرق كذلك للحديث عن أمل الوصول بمتوسط أعمار المصريين إلى 75 سنة بحلول عام 2030، مؤكدًا أن الاستثمار فى صحة الإنسان هو الاستثمار الصحيح الذى سيؤدى إلى خلق أجيال قادرة على تحمل مسئولية الدولة.

كذلك، أوضح مساعد وزير الصحة لشئون مشروعات ومبادرات الصحة العامة، أن المبادرات الصحية تعد البداية الأساسية لرسم خريطة الأمراض ويقويها ويعضدها الآن إنشاء السجلات القومية للأمراض، كما وفرت المبادرات أول قاعدة بيانات ضخمة لملايين المواطنين المصريين.

كما أكد «د.حساني» على استمرارية واستدامة المبادرات الصحية، فرغم أن المبادرات كانت فى بدايتها فكرة، إلا أن برامج المبادرات أصبحت منهجا فى القطاع الصحى فى مصر وأصبح لها ولأول مرة إدارة مركزية يتبعها الإدارة العامة للمبادرات الصحية ضمن هيكل الوزارة.. وإلى نص الحوار .

 

بداية.. بعد مرور أكثر من سبع سنوات على إطلاق مبادرات الصحة العامة، كيف تقرأ تأثيرها، وإلى أى مدى كانت المبادرات نقطة تحول فى الخدمات الصحية؟

مبادرات الصحة العامة أصلت لفكر جديد داخل القطاع الصحى فى مصر، ألا وهو عقيدة الكشف المبكر واكتشاف الأمراض فى مرحلة مبكرة، وربط الحالات المكتشفة ببرامج علاجية، وهنا لا نتحدث فقط على مبادرة الكشف المبكر عن فيروس سى والتى انطلقت فى أكتوبر 2018، بل نتحدث الآن عن 14 مبادرة تعمل بشكل متواز قدمت أكثر من 270 مليون خدمة لأكثر من 92 مليون شخص، وكل المبادرات لها نفس المستهدفات.

ويعد الكشف المبكر الأساس والأصل الذى نعمل عليه، ونعمل أيضا وفق هدف واضح هو تحسين مؤشرات صحية معروفة، فعندما كنا نتحدث عن فيروس سى فى عام 2018 كانت نسبة انتشاره وفق إحصائيات عام 2014 حتى 2019 نحو 10 فى المائة من الشعب المصرى مصابين بالفيروس، وكان معدل الوفيات كبيرا فما بين 40 إلى 60 ألف مواطن مصرى يموتون سنويًا بسبب فيروس سى ومضاعفاته، ومثل هذا الرقم قرابة 10 فى المائة من الوفيات السنوية عموما، بمعنى أن 10 فى المائة من الوفيات تحدث بسبب مرض واحد، حاليا نتحدث عن حصاد هذه المبادرة، منها انخفاض فى معدلات حدوث الإصابات الحديثة، انخفاض فى معدلات انتشار الفيروس من 10 فى المائة إلى أقل من 0.04 فى المائة ومتوقع أن الأرقام الحديثة المنتظرة تكون مفرحة وسارة باستمرار معدلات الانخفاض، أيضا حدث انخفاض فى معدلات الوفيات بسبب فيروس سى مقارنة بعام 2018 و2019 بنسبة 56 فى المائة، هذا الانخفاض حدث بشكل أسرع من المتوقع، فوفق الإحصائيات والأبحاث العلمية العالمية كانت توقعاتنا أن انخفاض الوفيات لن يحدث قبل مرور عشر سنوات من القضاء على فيروس سى، لكن التحسن فى معدل الوفيات حدث بشكل أسرع من أحلامنا، فخلال عامى 2022 و2023 انخفضت بنسبة 56 فى المائة، بما يعادل أقل من 18 ألف حالة وفاة سنويا بسبب فيروس سى، فهذا مؤشر مهم، صاحبه أيضا كنتاج لمبادرات الكشف المبكر وعلاج الأمراض غير السارية انخفاض معدلات الوفيات الناتجة عن ارتفاع ضغط الدم بنسبة 12فى المائة.

كذلك الوفيات الناتجة عن مرض السكرى انخفضت معدلاتها بنسبة 13فى المائة وفق بيانات نشرة الوفيات الصادرة عن الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء عام 2024 بالمقارنة بوفيات عام 2022، حيث جاء هذا الانخفاض نتيجة التوسع فى برامج الكشف المبكر، حيث إن معظم المبادرات الجارية يتم فيها قياس السكر العشوائى وضغط الدم وكذلك الوزن والطول ومؤشر كتلة الجسم لتحديد مستوى السمنة، حيث لم تتوقف تلك المبادرات عند الكشف فقط بل ربطت ملايين المرضى المكتشفين ببرامج علاجية واضحة، من خلال التوسع فى تقديم الخدمات العلاجية، وكذلك التوسع فى تقديم العلاج على نفقة الدولة أو من خلال الهيئة العامة للتأمين الصحى وكذلك منظومة التأمين الصحى الشامل، علاوة على التوسع فى التصنيع المحلى لأدوية الضغط والسكر فنحو 80 إلى 90 فى المائة من تلك الأدوية ينتج فى مصر.

وأريد التأكيد هنا أن تبنى الدولة لتلك السياسات المتوازية والناجحة أحدث خفضا حقيقيا فى تلك المؤشرات، وبعد أن كانت آمالنا وخططنا أن نصل إلى عام 2030 محققين ثباتا فى معدلات وفيات الأمراض غير السارية مثل الضغط والسكرى، أصبحنا نحقق انخفاضا، أيضا بالنظر لوفيات السرطان فى عام 2019 وصلت إلى نحو 14 فى المائة من إجمالى الوفيات، وطبقاً لنشرة وفيات 2024 مقارنة بعام 2022 حققنا انخفاضا فى الوفيات الناجمة عن سرطان الثدى بنسبة 15 فى المائة كأحد أهم إنجازات المبادرة الرئاسية لصحة المرأة والتى تحتوى فى أحد أهم محاورها الكشف المبكر عن سرطان الثدى.

الأرقام الإيجابية السابقة هذه، هل تكررت فى بقية المبادرات؟

كل فكر المبادرات يدور حول نفس الأمر وهو تحسين مؤشرات واضحة، فعلى سبيل المثال المبادرة الرئاسية للكشف المبكر عن الأنيميا والسمنة والتقزم، نجحنا فى خفض مؤشر الإصابة بالأنيميا بين طلبة المرحلة الابتدائية من 42 فى المائة عام 2019 إلى 9 فى المائة عام 2024 وهذا تحسن كبير وإنجاز مهم، أيضا معدلات التقزم غير الوراثى انخفضت من 7 فى المائة عام 2019 إلى 4 فى المائة عام 2024، أيضا معدلات السمنة بين طلبة المدارس انخفضت عن نفس الفترة من 13فى المائة إلى 9 فى المائة، كل هذه المؤشرات ستنعكس بالإيجاب على صحة الأطفال فى باقى مراحل حياتهم .

أيضا الفحص السمعى لحديثى الولادة يعد قصة نجاح كبيرة جدا، فنتحدث عن ما يزيد عن 10 ملايين فحص للأطفال حديثى الولادة اكتشف من خلالها آلاف الحالات التى خضعت للعلاج الدوائى أو زراعة القوقعة أو تركيب مساعدات السمع، فنتحدث عن ما يتجاوز 20 ألف طفل كانوا مهددين بإعاقة سمعية انتقلوا لمرحلة العيش بشكل طبيعى، حيث مثلت الحالات المكتشفة من خلال الفحص السمعى المبكر نحو 90 فى المائة من حالات زراعة القوقعة بالمبادرة الرئاسية للقضاء على قوائم الانتظار هى حالات مكتشفة ضمن المبادرة الرئاسية لاكتشاف ضعف وفقدان السمع فى الأطفال حديثى الولادة، أدى ذلك أيضا ً إلى خفض معدلات الإعاقات السمعية، كل هذا يصب نهاية فى تحسين جودة المؤشرات الصحية.

كيف انعكس ذلك على أهداف أخرى مثل متوسط الأعمار؟

تحسين جودة المؤشرات الصحية انعكس على الهدف الأسمى وهو زيادة معدلات متوسط أعمار المصريين، فكنا نتحدث عن 71.6 سنة وفق إحصائيات الاستراتيجية الوطنية للصحة 2023 ارتفع هذا الرقم العام الماضى إلى 71.9سنة وهذا فى فترة وجيزة، وأملنا أن يصل متوسط أعمار المصريين إلى 75 سنة بحلول عام 2030 طبقا لأهداف الاستراتيجية الوطنية للصحة، سيحدث ذلك من خلال تقليل مسببات الوفيات وحصارها، من خلال الكشف المبكر، وربط المكتشفين ببرامج علاجية واضحة، وقبل ذلك التوعية والوقاية فهما جناحان مهمان جدا فى المبادرات، فكل المبادرات لا تكتفى فقط بتوجيه المواطنين للذهاب للوحدات الصحية أو المستشفيات للفحص والعلاج، لكن أيضا تبدأ بالتوعية، ولوسائل الإعلام دور مهم فى هذا المحور من خلال تسليط الضوء على هذه المبادرات والخدمات المقدمة بها، فعلى سبيل المثال عندما بدأنا مبادرة صحة المرأة فى 2019 كان أقصى التوقعات أن نصل الى تردد ألف حالة فى اليوم، وكانت المفاجأة فى أول يوم استقبلنا 30 ألف حالة، وفى اليوم الثانى 90 ألف حالة، حاليا وصلنا لـ 68 مليون فحص لأكثر من 21 مليون سيدة، وهذه أرقام كبيرة جدا، والنجاح هنا ليس فقط جذب السيدات للفحص والتوعية، لكن أيضا فى استبقاء السيدة داخل برنامج الكشف المبكر فى المواعيد الدورية بانتظام وبشكل مستمر وكذلك تشجيع السيدات على إجراء الفحص الذاتى الشهرى للثدى والتوجه لأقرب وحدة صحية حال اكتشاف أى شيء غير طبيعى أثناء الفحص، فإيمان الدولة بدور المرأة وأهميتها يتمحور أولا فى حمايتها من الأمراض المهددة، فالمرأة عماد المجتمع وعمود البيت وعند اكتشاف إصابتها مبكرا وعلاجها وشفائها فهذا إنجاز وإنقاذ روح ويدعو للسعادة، فسرطان الثدى فى العالم كله يتم الشفاء منه بفضل برامج الكشف المبكر، وللأسف فى الفترة الأخيرة واجهنا شبح الوفيات المبكرة بمختلف أنواع السرطانات، رغم أن الكثير منها فى العالم يتم الشفاء منها، نتيجة الاكتشاف المبكر الذى يتبعه توفير إنفاق، فبدلا من الإنفاق على حالة متأخرة حتى تتوفى، الأفضل الإنفاق على التشخيص والعلاج المبكر حتى يعيش بصحة جيدة، وهذا ما جعل منظمة الصحة العالمية تستنسخ المؤشر الخاص بمتوسط الأعمار التى يعيشها الإنسان إلى متوسط العمر بصحة جيدة حيث يعيش الشخص بلا مرض ومنتج فى المجتمع دون أن يعوله أحد، وهذا أصبح محور عمل الأنظمة الصحية الناضجة، وهذا محور عملنا، فمنهجية كل المبادرات التى تمت تركز على تحسين مؤشرات صحية، دعم برامج الكشف المبكر وربط المواطنين ببرامج علاجية فى وقت يسمح بالتعامل مع الحالات وينعكس فى النهاية على صحة المواطن المصرى.

الاستثمار فى البشر أولوية لدى القيادة السياسية، كيف ساهمت مبادرات الصحة العامة فى تحقيق هذه الأولوية؟

مصر دولة كبيرة، تخطى تعدادها 108 ملايين شخص مقيمين فى مصر، وإذا نظرنا لكل المؤشرات الصحية التى تتحدث عن الاستثمار فى البشر، مثل مؤشر التنمية البشرى وجزء من حساباته متوسط عمر الإنسان، وهذا معناه أن الصحة جزء لا يتجزأ من التنمية، فلا يوجد تنمية، ولا يوجد استثمار فى الإنسان إلا بوجود صحة جيدة، ووجود مواطن بصحة جيدة منتج يؤدى عمله ودوره فى المجتمع، فهذا هو الاستثمار الحقيقى، لكن لو تُرك المواطنون فريسة للأمراض، ستقل القدرة الإنتاجية، وسيظل الشخص فترات يتلقى العلاج ويعانى من مشكلات صحية، وهذا ما نتحدث عنه فى المبادرات من التنبؤ بالمشكلات الصحية التى تواجهنا مثل ارتفاع معدلات الأمراض غير المعدية مثل الضغط والسكر والسمنة والسرطان، دولة بحجم دولتنا وعدد سكانها وفى وضعها الاقتصادى إذا لم تعمل بشكل تنبؤى واستباقى ستواجه مستقبلا مشكلة فى القدرة على الإنفاق على هؤلاء المرضى، وتزايد الاحتياج إلى توفير أدوية وأسرة ومستشفيات لمواجهة تلك الأعداد، وبالتالى فالاستثمار فى صحة الإنسان هو الاستثمار الصحيح الذى سيؤدى إلى خلق أجيال قادرة على تحمل مسئولية الدولة وتعمل بطاقة جيدة وتنقل بلدنا لمصاف الدول المتقدمة والمكانة المستحقة التى نحلم بها جميعاً لبلدنا الغالى.

كم يبلغ عدد المبادرات الآن، وعلى أى أساس يتم تحديد المبادرات الجديدة؟

وصلنا إلى 14 مبادرة، والوضع الصحى هو المحرك فى إطلاق كافة المبادرات، فدائما التحديات الصحية هى الدافع لإطلاق مبادرة، فمبادرة القضاء على فيروس سى كان الدافع الرئيسى لها أن مصر كانت أعلى دول العالم فى معدلات انتشار فيروس سى، وأعلى معدلات فى الإصابات والوفيات، فالاحتياج لحل المشكلة بشكل جذرى هو الذى جعل هناك دائما إرادة لإطلاق مبادرة القضاء على فيروس سى التى شرفت أن تكون أول مبادرة فى عقد المبادرات الرئاسية للصحة العامة وبرعاية ومتابعة حثيثة من القيادة السياسية ومتابعة مستمرة من قبل الدكتور خالد عبدالغفار وزير الصحة والسكان، أيضا مبادرة الكشف المبكر عن الأنيميا والسمنة والتقزم كنا وصلنا لأرقام صادمة، فلدينا أطفال من 6 إلى 12 سنة نصفهم مصابون بالأنيميا، أيضا 7فى المائة من الأطفال يعانون من التقزم غير الوراثى وهذه نسبة كبيرة، فمعدل انتشار المرض وحجم المشكلة هو المحرك الأساسى لإطلاق مبادرة معينة، مبادرة صحة المرأة كانت بسبب ارتفاع معدلات الإصابة بسرطان الثدى، وللأسف الأمر مصحوب بكون السيدات فى مصر تصاب مبكرا بالمقارنة بالوضع العالمى بقرابة 10 سنوات، وللأسف نتيجة للاكتشاف المتأخر تحدث الوفاة مبكرا، فلا يوجد دافع أقوى من هذا لإطلاق مبادرة للكشف المبكر عن سرطان الثدى، أيضا مبادرة الفحص السمعى لحديثى الولادة فى 2019 لم يكن لدينا برامج فحص سمعى منظمة ومنتشرة ولم تكن مصر موجودة على خريطة برامج الفحص السمعى، حاليا وبكل فخر تخطت التغطية للفحص السمعى نسبة 83 فى المائة مثلنا مثل الدول المتقدمة فى أوربا وأمريكا، أيضا الكشف المبكر عن الأمراض الوراثية وصلنا إلى 19 مرضا وراثيا يتم الكشف عنها، نتحدث عن حالات مكتشفة من 4 إلى 5 آلاف طفل مصاب بأمراض وراثية، هؤلاء كانوا معرضين للوفاة أو العيش بإعاقات مختلفة.

فى حالة اكتشاف مرض وراثى، كيف يتم التعامل مع الحالة؟

بعض الحالات يتم ربطها ببرامج وقاية، كأن يتم تعريف الأم بتجنب إعطاء أدوية معينة والامتناع عن أغذية محددة، بعض الحالات يتم علاجها باستخدام ألبان علاجية معينة، وهنا نحمى الطفل ويكمل حياته بشكل طبيعى بتدخل بسيط، أيضا مرض مثل التليف الكيسى أصبح متوفرا له علاج جينى فعال وهو من أغلى العلاجات الجينية فى العالم، حيث بلغ المتلقون للعلاج قرابة 400 حالة يتلقون العلاج فى مركز التميز بجامعة عين شمس، فتلك الأمراض لو تم تشخيصها مبكرا نستطيع ربط الأطفال ببرامج علاجية، وإنقاذ حياتهم وتحسينها بدلا من العيش باعتلال صحى بسبب مرض يمكن اكتشافه وعلاجه مبكرا.

ما أهم المبادرات المقرر إطلاقها قريبًا؟

من المقرر خلال الفترة المقبلة إطلاق مبادرة صحية جديدة، فمنذ ثلاث سنوات نعمل على دراسة ملف تدعيم الأطفال المصابين بالسكرى من النوع الأول بوسائل قياس السكر غير الاختراقية، وستكون البداية بالتركيز على الحالات الحادة التى تتلقى جرعات كثيرة من الأنسولين فى اليوم، وتتعرض لغيبوبة سكر، ويتكرر دخولها المستشفيات بسبب المضاعفات، أجرينا تقييما استمر قرابة ثلاث سنوات صاحبه إجراء دراسة اقتصادية و نموذج محاكاة فى أحد المستشفيات، ويتوقع خلال الأيام القادمة إطلاق تلك المبادرة ، حيث أصبح لدينا أول مجموعة مدربة فى مستشفى أطفال مصر التابعة للهيئة العامة للتأمين الصحى على تركيب «الحساس المسئول عن القياس المستمر» للأطفال، وهذا سيقى الأطفال من أزمة القياس المتكرر يوميا والتعرض لعدد شكات كثيرة مؤلمة لهم، أجهزة سهلة، تقيس مستوى السكر على مدار الساعة، تعطى تحذيرا حال ارتفاع أو انخفاض نسبة الجلوكوز بالدم، يمكن متابعته من خلال تطبيق الهاتف من قبل الأهل، وفى الدول التى طبقت هذا النظام حدث انتظام أكثر لنسبة السكر، وانخفاض المضاعفات الناتجة عن نقص أو ارتفاع السكر، كما أن المتابعة طويلة المدى لهؤلاء الأطفال أدت إلى تقليل تعرضهم لمشكلات أخرى بالعين أو الكلى، حيث تم تحديد المستهدفين بالمبادرة من قبل اللجان العلمية بالهيئة العامة للتأمين الصحى فى كل المحافظات باختيار الأطفال الأكثر تضررا، فى المرحلة العمرية من 4 إلى 8 سنوات.

أيضا جار دراسة ملف مرض الكبد الدهنى وروماتيزم القلب للوقوف على مدى جدوى إطلاق مبادرة لكل منهما، نجرى حاليا دراسة لتقدير العبء المرضى لروماتيزم القلب فى 27 محافظة يشرف عليها اللجنة العليا لروماتيزم القلب بوزارة الصحة للوصول لمعدلات تقديرية لحجم المشكلة تمكننا من وضع خارطة طريق لإطلاقها كمبادرة وتعميم الفحص لكل الأطفال فى مرحلة عمرية معينة حال الاحتياج، أيضا مشكلة الكبد الدهنى، فنجرى حاليا المسح الصحى التدرجى وينطوى على فحوص للوقوف على عوامل الخطورة الخاصة بالضغط والسكرى والسمنة والتدخين وكل عوامل الخطورة للأمراض غير السارية، فبعد سبع سنوات من إطلاق المبادرات، لا بد من تقييم التدخلات التى تمت لخفض معدلات الإصابة بالأمراض غير السارية ومعاملات الخطورة المرتبطة مثل التدخين والسمنة وانخفاض ممارسة النشاط البدنى مقارنة بآخر مسح تم فى 2017، ويعد واحدا من أهم المحاور التى أضيفت للمسح - الذى قارب على الانتهاء – هو فحص الكبد الدهنى الذى أصبح مشكلة صحية فى العالم كله وليس فى مصر فقط، حيث يعانى كثير من مرضى الضغط والسكرى من مرض الكبد الدهنى، والذى أثبتت الأبحاث أنه جزء من حلقة أمراض التمثيل الغذائى، فحاليا المسح الصحى التدرجى يتضمن دراسة العبء المرضى للكبد الدهنى فى مصر وهل الوضع يستدعى عمل مبادرة للكشف المبكر والتشخيص والعلاج؟.. ونأمل بنهاية العام أن تكون الرؤية واضحة بالنسبة للمبادرتين.

خريطة للأمراض فى مصر مطلب كثيرا ما نادى به المتخصصون، هل تساهم المبادرات الصحية فى رسم هذه الخريطة؟

لا توجد دولة تتخذ قرارا صحيا سليما إلا بناء على معلومات، ومبادرات الصحة العامة وفرت أول قاعدة بيانات لملايين المواطنين المصريين بداية من معلومات بسيطة مثل تاريخ الميلاد والإقامة ومعلومات جغرافية عنهم، وبيانات عن معدلات السكرى والضغط والسمنة، التدخين، الإصابات السابقة بالأمراض، فلدينا قاعدة بيانات ضخمة لكل الفئات العمرية، وتتم الاستفادة بهذه البيانات فى أمور كثيرة، فمن خلالها تم بناء الاستراتيجية الصحية الوطنية 2024 – 2030، كما تفيد البيانات أيضا فى التخطيط الصحى بالتعاون مع هيئة التأمين الصحى الشامل والهيئة العامة للرعاية الصحية وإدارة التخطيط الاستراتيجى بالوزارة، هذا منحى تعمل عليه الدولة، ويوجد منحى آخر وهو إنشاء المجلس الصحى المصرى والمنوط به إنشاء سجلات قومية للأمراض وهى فى غاية الأهمية لتوضيح معدلات انتشار الأمراض ونسب حدوثها، واحتفلنا مؤخرا بإنشاء أول سجل قومى للأمراض النادرة خلال الاحتفال باليوم العالمى للأمراض النادرة، حيث سيتم من خلاله حصر الأمراض الوراثية النادرة ومعرفة معدلات انتشارها ومعدلات حدوثها ومن ثم تحديد كيفية التعامل معها من حيث الإنفاق على برامج التوعية وكيفية منع حدوث هذه الأمراض، فلأنها نادرة لا يمكن التحرك إلا بعد توفر المعلومات الناتجة عن سجلات الأمراض، وهذا هو التوجه حاليا حيث يتم أيضا تحديث سجل الأورام السرطانية، ولم تقتصر قواعد البيانات الضخمة على الأمراض المزمنة مثل الضغط والسكر والسمنة، بل لدينا بيانات عن الأمراض المعدية من خلال قطاع الطب الوقائى، فالبيانات توفر المعلومات التى يتم التحرك من خلالها بشكل علمى وموثق، فالمبادرات الصحية تعد البداية الأساسية لرسم خريطة الأمراض ويقويها ويعضدها الآن إنشاء السجلات القومية للأمراض.

كيف قادت مصر تحريك ملف الأمراض الوراثية والنادرة عالميا؟

فى مايو من كل عام يعقد مؤتمر عالمى يسمى الجمعية العالمية لمنظمة الصحة العالمية يضم كافة الدول الأعضاء فى منظمة الصحة العالمية وخلال الدورة الثامنة والسبعين والتى أقيمت فى مايو من عام 2025 الماضى، نجحت مصر فى اعتماد قرار أممى يعد الأول من نوعه يلزم منظمة الصحة العالمية بعمل خطة عالمية للأمراض الوراثية والنادرة لمدة عشر سنوات، القرار دعمته 41 دولة وتم التصويت عليه بالإجماع وقادت مصر هذا القرار هى و إسبانيا، ولاقى صدى دوليا كبيرا لأنه يعد أول خطوة حقيقية صحيحة لإضاءة طريق ملف الأمراض الوراثية والنادرة بحيث تصدر منظمة الصحة العالمية وثيقة توضح كيفية التعامل مع هذا الملف من قبل الدول، وبهذا يصبح الملف الضائع للأمراض الوراثية والنادرة أولوية من قبل الأنظمة الصحية فى الدول، خاصة أن هذه الأمراض تكلفة تشخيصها وعلاجها مرتفعة وغير متاحة، فيوجد أكثر من 7 آلاف مرض وراثى و 95 فى المائة منها ليس له علاج نتيجة ضعف المعلومات وضعف البحث العلمى لندرة الإصابات، وبالتالى هذا القرار يعد أول تصحيح لبوصلة الأمراض الوراثية والنادرة فى العالم ونفخر أن مصر تقود هذا القرار، وتقود سياسة تطبيقه حتى الآن، ومن بين الخطوات الجادة هو إطلاق مصر منذ أيام أول استراتيجية وطنية للأمراض الوراثية والنادرة للفترة 2024-2030 وكذلك أول سجل للأمراض.

حدثنا عن الشهادات العالمية والإشادات الدولية بما تحققه مصر فى ملف مبادرات الصحة العامة؟

لاقت المبادرات الصحية صدى دوليا كبيرا، تكريمات عديدة، منها أول إشهاد من منظمة الصحة العالمية بإعلان مصر أول دولة فى العالم تنجح فى القضاء على فيروس سى وتسلم الرئيس عبدالفتاح السيسى هذه الشهادة التاريخية من مدير عام منظمة الصحة العالمية فى أكتوبر 2023 ومثلت اعترافا عالميا وتتويجاً لجهود مصر خلال عقدين من العمل المضنى والشاق، أيضا على هامش اجتماعى الجمعية العامة للأمم المتحدة فى العامين الماضيين حصدت مصر جائزتين، جاءت الأولى لجهودها فى علاج الأمراض غير السارية ونجاح النموذج المصرى فى الكشف المبكر وعلاج الأمراض غير السارية على مستوى وحدات الرعاية الصحية الأولية فى أكثر من 3500 وحدة صحية، والثانية كانت لنجاح مصر فى خفض معدلات السمنة بين طلبة المدارس من سن 6 إلى 12 سنة من نسبة 13 فى المائة إلى 9 فى المائة دون تدخل علاجى، فقط بالاعتماد على التوعية للأطفال والأهل بوسائل التغذية الجيدة وممارسة الرياضة وهذا إنجاز كبير خاصة أنه بدون أدوية فقط بالكشف المبكر والتوعية، وهذا التكريم مهم فكانت مصر أول دولة من بين 12 دولة تم تكريمها كأحسن نموذج تم فى مكافحة السمنة فى الأطفال، أيضا فى 2024 نجحت مصر فى تسجيل خمسة أرقام قياسية فى موسوعة جينيس لإجراء أسرع فحص لسرطانات عنق الرحم، البروستاتا، الثدى، الرئة والقولون حيث تم فحص أكثر من 6 آلاف حالة خلال أقل من ست ساعات وهذا رقم قياسى للمبادرات الرئاسية سجل فى تلك الموسوعة المعروفة عالمياً.

ماذا لو غابت المبادرات الصحية؟

على الرغم من أن المبادرات كانت فكرة وأن لفظ مبادرة يطلق على شيء يبدأ وينتهى فى وقت محدد، إلا أن برامج المبادرات أصبحت منهجا فى القطاع الصحى فى مصر، وإذا تحدثنا عن حوكمة الأمر، فأصبح لدينا لأول مرة إدارة مركزية يتبعها الإدارة العامة للمبادرات الصحية ضمن هيكل وزارة الصحة والسكان وتم تخصيص موازنة مستقلة لتمويل المبادرات ضمن موازنة وزارة الصحة والسكان، وهذا يؤصل ويؤسس لاستدامة العمل بالمبادرات ولا تكون مجرد فترة أو برنامج ينتهى عندما يحقق الهدف منه، بل أصبحت نموذجاً مستداماً، ومثلما استطعنا القضاء على فيروس سى، وحاليا ننتظر تجديد الإشهاد من قبل منظمة الصحة العالمية، والذى يجدد كل ثلاث سنوات، فتخضع مصر هذا العام لمراجعة أخرى للتأكد من استمرار جهود القضاء على فيروس سى وعدم توقف برامج المتابعة، حيث يستمر الكشف المبكر عن فيروس سى بين طلبة الصف الأول الإعدادى للعام السابع على التوالى، ويستمر فحص فيروس سى ضمن بعض المبادرات وعلاج المكتشفين للحفاظ على أدنى مستوى من الانتشار ، مع استمرار كافة الإجراءات الخاصة بمنع الإصابات الجديدة منها برامج الدم الآمن والحقن الآمن، كل هذا يضمن الاستدامة، واستمرارية المبادرات، خاصة أن كل المبادرات تركز على مشكلات مزمنة يلزمها حلول مستدامة لتكون فى أدنى مستويات انتشارها ولا تمثل عبئا على المنظومة الصحية.

ما مصير المبادرات الصحية فى محافظات منظومة التأمين الصحى الشامل؟

يوجد دائما ربط بين المبادرات ومنظومة التأمين الصحى الشامل، فبالرغم من أن قانون التأمين الصحى الشامل يركز على تقديم الخدمات العلاجية من خلال الهيئة العامة للرعاية الصحية، وتظل الخدمات الوقائية والكشف المبكر من اختصاصات وزارة الصحة، إلا أن الهيئة تتعاون معنا بشكل جدى وفعال فى الكشف المبكر فى المحافظات الست التى طبقت بها المنظومة مثل باقى المحافظات، فإيمان الهيئة العامة للرعاية الصحية وهيئة التأمين الصحى الشامل بالتكامل وأهمية المبادرات الرئاسية جعلهم حريصين دائما على تنشيط المبادرات ووجودها بشكل مستمر كجزء أصيل من نشاطهم اليومى.

نموذج مبادرة القضاء على فيروس سى يحتذى به وغيره من المبادرات، هل هناك دول طلبت نقل التجربة المصرية إليها؟

نجحنا الفترة الماضية فى عمل برامج دعم لمكافحة الفيروسات الكبدية فى أكثر من 11 دولة إفريقية وآسيوية عن طريق تقديم الدعم بالأدوية المصرية لعلاج فيروس سى وبى والتدريب على برامج الكشف المبكر والوقاية، أيضا لدينا شراكة مستدامة مع المركز الإفريقى للتحكم والسيطرة، حيث استقبلنا خلال العامين الماضيين 95 متدربا من 32 دولة إفريقية تم تدريبهم على أنشطة الوقاية والكشف المبكر والعلاج لفيروس بى وسى، وهذا شىء نفخر به، نفس النموذج تم تطبيقه مع المركز الأوربى للسيطرة والتحكم فى الأمراض، استقبلنا من 40 دولة أوروبية وغير أوروبية 99 ممثلا لتبادل الخبرات وهذا واحد من النماذج الملهمة حيث يتم تبادل التجربة المصرية ليس فقط على مستوى الدول الإفريقية والآسيوية ولكن أيضا الأوروبية، أيضا مصر تترأس مجموعة أصدقاء القضاء على الالتهاب الكبدى فى الأمم المتحدة للعام الثالث على التوالى عرفانا بدور مصر حيث تضم تلك المجموعة 56 دولة وهذا اعتراف كبير جدا بالريادة المصرية التى أصبحت نموذجا يحتذى به، أيضا لدينا برامج تعاون مع دول عربية وإفريقية فى استنساخ النموذج الناجح فى مبادرات الصحة العامة منها الكشف المبكر عن سرطان الثدى ودعم صحة المرأة، والكشف المبكر عن الأنيميا والسمنة والتقزم والكشف المبكر عن الأورام وطلبت كثير من الدول تقديم الدعم فى هذا الملف ولا تتوقف مصر عن تقديم الدعم سواء فى برامج التوعية أو تدريب الكوادر بل شملت تلك البرامج سفر مئات الكوادر المصرية للعديد من الدول خلال الفترة الماضية للتدريب على فكر المبادرات واستنساخها فى هذه الدول.

كم تبلغ تكلفة مبادرات الصحة العامة منذ بدايتها؟

تكلفة المبادرات الصحية منذ 2018 حتى الآن تخطت 45 مليار جنيه، وهذه التكلفة الكبيرة تجنبنا تكلفة أكبر تنفق على علاج أمراض ومشكلات صحية كبيرة، فلدينا دراسة اقتصادية أن كل جنيه ينفق فى المبادرات يوفر 7 جنيهات هذا عن جانب التوفير الاقتصادى فقط، أيضا نجحت المبادرات فى إنقاذ الأرواح بأكثر من 2,7 مليون سنة.

وفى نهاية الحديث، ثمن «د. حساني» دور الإعلام مسلطا الضوء على أن كلمة الإعلامى هى محرك لبوصلة المجتمع وهى مقياس حقيقى لاستجابة المجتمع، وقال:”عندما بدأنا مبادرة القضاء على فيروس سى فى 2018 وبعدها مبادرة صحة المرأة كان هناك التخوف من ضعف إقبال المواطنين، وحرصهم على الانخراط فى تلك المبادرات نتيجة عادات الكثير من الناس وثقافتهم بتجنب برامج الكشف المبكر والانتظار دوما لظهور العرض أو المرض، الآن لدينا أكثر من 92 مليون مواطن مصرى استفادوا بخدمة واحدة على الأقل من خدمات المبادرات وهذا رقم كبير ويعكس أمرين، الأول: يعكس ثقة المجتمع فى خدمات المبادرات، والثانى: يعكس مسئولية أكبر وأهمية العمل على تحقيق الاستدامة فى هذه البرامج، فالقصة ليست فقط دور حكومة وقطاع خاص ومجتمع مدنى، لكن أيضا الإعلام دوره خطير ومهم، فالمواطنون يثقون فى الإعلام ويثقون فى الرسائل الإعلامية ويستجيبون لها ويتفاعلون معها.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة